ميسلون هادي

هكذا تبدأ مجموعة (النساء يتململن) * القصصية للقاصة والروائية العراقية سميرة المانع، لتعلن منذ سطرها الأول عن روح السخرية والمرح التي تلفت النظر إليها بقوة في القصص الثلاث الأولى منها، إذ تطالعنا قصة (الحرية .. الحرية.. من فضلكم)، على شكل رسالة موجّهة للقارئ، ومشحونة بكثير من السخرية والتهكم على القصاصين والشعراء والنقاد، ممن تعاطوا النفاق والتدليس، فتمادوا في غيهم ونرجسيتهم في مدينة تطلق عليها المانع اسم روزنباق.

وليس الحاكم فيها هو المدان فقط، ولكن المحكوم أيضاً قد يكون مدعياً مداحاً لا يتقبل الآخر، ويصدر الأحكام دون حياء. ولا تنسى الكاتبة أن تنتقد نفسها أيضاً لئلا تكون مثلهم، أو واحدة منهم، ووفقاً للقصة التي يعود زمن كتابتها للعام (1999)، فقد تكدست البضاعة الفاسدة في القرن العشرين، ولو كان زمان كتابتها هو الآن، لما اختلف الأمر كثيراً مع ما استجد من الهذر واللغو، وما طرأ على البلاد من الفساد..
القصة الثانية طريفة أيضاً، وفيها الكثير من حس المرح الذي يندرج في خانة الكوميديا السوداء.. فثمة خوف من الرقيب في زمن الدكتاتورية، وعليه يجب استعمال الشفرات في الرسائل المتبادلة بين الناس حول كيفية التصرف ببعض الأموال التي لم يكن حيازتها خارج العراق مسموحاً به.. إنها قصة خبر عادي تحول إلى تهمة خطيرة عندما خاطب الأخ الهارب أخاه قائلاً:
– بعثت لك الشاي بيد كاظم.. اتصل به على العنوان التالي.
مفردة( الشاي) تكرر استعمالها بين الأخوين على الهاتف، مما لفت اسماع الرقيب الحكومي على المخابرات الهاتفية حول مسألة الشاي هذه، فتكفل هذا الرقيب بإيصال البلاغ إلى السلطات، ومن ثم أدت الصفعات أثناء التحقيق إلى (تعريف) الشاي الغامض هذا بشكل واضح، وزج الأخ في غياهب السجن لخمسة أعوام فقط.
هناك أيضاً الحس الفطري المؤثر في قصة (اعتداء)، وهي صورة مرحة عن محاولة طفولية لاصطياد طائر مختف في حفرة.. إنه لاجئ في مأواه، ولكنه لا ينجو من مشاكسة طفلين هاربين من قيلولة الظهر في شهر تموز، يريدان إخراج الطائر من حفرته بسكب دلاء الماء والملح عليه.. سيتركهما خائفين خجلين عندما يخرج نافضاً نفسه من الماء،  مستهجناً، بلسان حاله، الحماقة التي ارتكباها مع كائن  يختل في الحفرة بأمان الله، فإذا به أمام من يحاول أن ينكد عليه عيشه بدون سبب.
سيكون التمثال النصفي لجون كيندي، في قصة أخرى، مفتتحاً للحديث بين امرأتين غريبتين في باص لندني.. إنها وحشة العمر والغربة وخفوت العلاقات الإنسانية التي أصبحت صعبة ومعقدة.. وهناك أيضاً التأسي على العدل المفقود في قصة عنوانها (للأطفال الذين لم يولدوا)، مقصودة للتبصر في عقد العبودية المبرم بين السيد وخادمه، أيّ  بين غني فاحش الثراء وطفل فقير  هو ابن الخادمة، الذي يرى عالماً وردياً جديداً فيه حتى قشور الفاكهة لامعة وشهية وتغري على التهامها. ومن (فجوة صغيرة) يختلس النظر  إلى غرفة طفل جديد وما فيها من أحذية وألعاب وأثاث جميل.. فالفجوة إذن ليست صغيرة والظلم فادح في عالم أمه البعيد جداً عن هذا العالم البهيج.. ولو كانت الأسماء تشترى بالفلوس هي الأخرى لما تبقى لهم سوى أسماء بشعة كباقي موجودات مكانهم البائس.
بعض القصص حملت رسائل أخلاقية تضيء هموم وقضايا المرأة، وما وقع عليه من ظلم المجتمع والرجل على حد سواء.. أو هي أحياناً مما يناظر الحاضر بالماضي العصيب، فتكون دار المسنين في قصة (وا خزياه) هي مسرح الذاكرة التي اتسمت على امتداد المجموعة بمسحة التشاؤم في إدانة التدهور الحاصل في بلدها البعيد.. لتنطوي القصة الأخيرة (بقت عليّ يعني) على خيبة تامة للحلم عندما تنتقل عدوى الخراب حتى لمن يفترض أنه بعيد عن هذا الخراب، وهو  المهاجر المغترب عن وطنه..
إن  تصوير الخراب بدون وضع أحجار صغيرة للبناء هو مما يؤخذ على بعض القصص الساخطة على الظروف السيئة التي أحاقت بالعراقيين داخل وخارج وطنهم.. وقد يكون هذا الأمر طبيعياً مع فقدان الأمل وسوء الأحوال  التي منعت الشخصيات من تحقيق أحلامها في بلادها المضطربة على الدوام.. ولكني أجد من الضروري أن يكون الكاتب حذراً في أن لا تطغى وجهة نظره على وجهات نظر أخرى، بل أن يكون محامي الشيطان عندما يقتضي الأمر تنقله بين الأقاصى من الجهات و المختلف من المواقف وأمزجة الشخصيات..
أحتاج إلى القول أخيراً بأني كنت أتمنى أن تستمر روح المرح بعد القصص الثلاث الأولى لتبصم أيضاً باقي قصص المجموعة.. وهي الروح التي تكاد تختفي من كتابات الروائيين والقصاصين العرب، وربما تختفي من جينات العرب بشكل عام، في حين أنها  الأقدر على تخفيف جرعة الأستاذية والهتافية في الخطاب، وتوهم امتلاك الحقيقة في أي عمل سردي يفترض أنه يتأسّى على غياب الحقيقة.. والكُتّاب الذين لديهم الاطلاع الكافي على آداب العالم، مثل الروائية سميرة المانع، هم الذين ينبغي أن لا يبخلوا على قرّائهم بهذا الحس الفكاهي الرفيع.
• صادرة عن منشورات الاغتراب الأدبي. لندن. 2017

 ((المدى))