• العلاقة الفنية بين التشكيلي المغربي سعد نزيه وعالم السيرك والمهرجين، قوية وقد تجسدت في أغلب البورتريهات التي رسمها وعرضها في معارضه الفردية والجماعية في المغرب وخارجه. وكل لوحة من اللوحات التي عُرضت له حكتْ بشكل ما عن حياة أهل السيرك؛ أظهرتْ وجوههم الملونة، وأشكال لباسهم الغريب وأحزانهم الباطنية.

العرب فيصل عبدالحسن 

مهرجون سرياليون بألوان مغربية

في لوحاته ينقل لنا الفنان التشكيلي سعد نزيه عالماً من الحركة والدهشة والغرابة والحيوات المُتّخمة بالمُفْجع والمُفْرح، ومن بين الشفاه العريضة المبتسمة تشرق دمعة الفنان وأحزانه. إنه عالم السيرك، الذي حلقت في أجوائه فرشاة الرسام، لتقول لنا تناقضاته، وتنقل لنا لحظات الفرح فيه باللون والحركة، حيث انشغل الفنان برسم الوجوه الغامضة، المنزوية في عتمته بألوانها النابضة بالحياة.

مزينة العرائس

ما يُلاحظ على لوحات نزيه، فيما عرض في محترفه بالرباط مؤخراً، أو لوحاته في المعارض الدولية التي شارك فيها، وخصوصاً في البينالي الدولي للفن المعاصر بنيويورك، وما شاهده الجمهور المغربي في قاعة النادرة وسط مدينة الرباط -أكثر من 15 لوحة- المزج بين رسم البورتريه، ورسم اللوحة التجريدية التعبيرية.

فهو يراوح بين رسم الوجوه المُلْغَزة، التي تذكرك بعوالم كافكا الأدبية، ورسومات سلفادور دالي السريالية، لوحات تأخذ منعطفات الرسم الفنتازي، ولغة الحلم. ويحاول بجدية أن يجد له كفنان شاب محطَّ قدم بين تيارات الرسم الواقعية المهمة، وباحثاً له أيضاً عن بصمة خاصة به تنم عن تمرده، وبحثه عن هوية فنية خاصة.

نزيه لا يذهب بعيداً عن الفولكلور المغربي الملون، فقد أسبغتْ الطبيعة المغربية على خياله الكثير من مفرداتها، وألوانها بالرغم من التغريب الذي يحيط بعوالمه. فهو بين لحظة وأخرى يطل على تراث مغربي فطري غني يحيط به من كل جانب من خلال التراث المغربي والملابس التقليدية كالقب والجلباب والملحفة، والقفطان والبلغة.

نقل الفنان في معظم لوحاته آثار النكافة (مُزيّنة العَرَائس) في ليالي العرس على وجوه العرائس، وتزيينهنَّ والإشراف على ما يرتدين خلال حفلة العرس من ملابس مختلفة، وما حفظته ذاكرته من الفولكلور كألوان الزرابي، التي يجدها حوله معلقة على الجدران أو مفروشة على الأرضيات في البيوت المغربية، وما لاحظه من التوشيات الجميلة على مناديل رؤوس الفتيات في الحقول، وما حملته النساء في المدينة من حقائب يد جلدية، وما اختزنته ذاكرته عن البادية، من سروج خيول مُزيّنة، ومرصعة بالمعادن وأنواع النقوش على الجلود وفرسان ” التَّبُوريدة” -احتفالات الفروسية بالبادية المغربية- .

ونقل نزيه ما لاحظه من مختلف الزينات والأعلام الملونة بمختلف الألوان في المناسبات الدينية والرسمية، وما اعتادت عليه العين من رؤية لوحات الفنانين المغاربة الفطريين، التي يراها معلقة في أماكن عديدة في المقاهي الشعبية، والدور والمعارض الجماعية للفطريين.

ما وراء الوجوه

يوضح الفنان سعد نزيه في بوستر معرضه في النادرة مهمة التشكيلي، فيقول” نقل العواطف والأحاسيس إلى الرائي هو مبتغاي من الرسم. أرسم ما وراء الوجوه، وأظهر شعور ما كان مخبأ في وجه كل واحد منهم.

عموماً كل ما رسمته وعرضته في هذا المعرض من اللوحات، هو عن حالة الإنسان وشعوره بالفرح والحزن، وما يعتمل في نفسه من التحدي لما يجري في هذا العالم من فظائع. عادة يمكنني استخدام العديد من التقنيات والوسائط المختلفة، وأفعل ذلك مع وسيلة معبرة مع ميل إلى السريالية في ما أرسمه بفرشاتي”.

ويضيف “هناك الكثير من الفنانين المغاربة والفنانين العالميين، الذين أرى لوحاتهم، وأحترم كثيراً أعمالهم، لكنني لا أتأثر بها وأنا أرسم لوحاتي. أشعر بما هو شخصي جداً، وأعمالي الفنية هي نتاج مخيلتي الخاصة ومشاعري”.

ولد سعد نزيه في عام 1988 بالدار البيضاء، وعاش قريباً من شاطئ المهدية، وانتقل مع أسرته بعد ذلك إلى مدينة القنيطرة، ودرس وتخرج من مدرسة الفنون بالدار البيضاء عام 2007. أمضى بعد ذلك أربع سنوات في تعلم الفنون البصرية التي لا يعيرها الناس اهتماماً بالرغم من أهمّيّتها الجمالية كتصميم الرسوم البيانية.

تخرج منها في عام 2011، ليجرب خلط الألوان، ليظهر لنا حقائق عن أفراح وأحزان المهرجين ولاعبي السيرك وعالمهم الملون، المبني على حكايات خرافية تضحك الأطفال، وتنمي لديهم روح التمرد ومحبة الجمال.

لوحات تعلم طرح الأسئلة عن معنى كل شيء وأهمّيّة ما نراه على وعينا. أسئلة تجدها على وجوه المهرجين، وهي تبحث عن حقيقة السعادة والحزن، وأسرار الخلق، والطفولة وأحلامها الدائمة بالطيران، والتآخي مع الطير والحيوان، فهو ينقل الابتسامة والفولكلورالمغربي إلى بورتريهاته.

بدأ نزيه كمصمم جرافيك محترف، لكنه سرعان ما تعود حب الرسم. وبدأ في المشاركة في الكثير من الورشات الجماعية التي أكسبته التجارب الكثيرة التي خاضها، وطريقة خاصة به لرسم الوجوه، والعوالم الخرافية التي نراها في الكثير من لوحاته.

ببليوغرافيا

أكثر المعارض الجماعية تأثيراً في الفنان سعد نزيه معرضه بداية عام 2014 في الهند في منطقة كالانيرفانا. وبعد ذلك مشاركته في معرض جماعي آخر أثر فيه كثيراً في مدينة حيدر أباد.

وجاءت الكثير من التأثيرات على الفنان نزيه، مما تدرب عليه في معارض جماعية سبقت هذين المعرضين في مناطق مختلفة، كالمعرض الفردي في النادرة 2015 والجماعي تحت عنوان “الفنان التشكيلي في المغرب” في الرباط عام 2013.

وتلاه بمشاركة في معرض جماعي في مزاد دار فارو، بالبرتغال عام 2013، ومعرض جماعي بمنطقة Xaraf الفن الفضاء، بإشبيلية عام 2013، ومعرض جماعي بمدرسة الفنون بالدار البيضاء في مهرجان “pause’ART”عام 2013، ومعرض جماعي في ”جامع الفنا” بمراكش، تحت عنوان “لا للإرهاب” عام 2013.

شارك الفنان قبل ذلك في معرض جماعي في ذي الحدين في باب مرسى الأساس، طنجة عام 2012. وساهم بمعرض جماعي لثلاثة فنانين فائزين بالمسابقة الإقليمية “مفترق طرق من الفنانين الشباب” طبعة 2012، من قبل وزارة الثقافة. وشارك بمعرض جماعي ضم عدداً من الفنانين التشكيليين المغاربة بعنوان “بدون حركة حدود”، بالرباط عام 2017

((العرب اللندنية))