من مكتبة الفضاء

هفاف ميهوب

في هكذا زمن، حيث الجهلِ والحقدِ والخيانة والغدر والانتماء الظلامي.. التوحش والقتل والعويل وشذوذ القابضين على المعتقدات التي ورثوا أوبئتها عن أصحاب الفكرِ السلفي..

في هكذا زمن، لابدَّ أن يستنفرُ كل عقلٍ مدرك لخطورة مايحيق بنا، استنفارَ الأديب والشاعر العراقي «أسعد الجبوري» في «ثعابين الأرشيف». الرواية التي ولأننا وجدناه يسلِّحها بالغضب والسخرية والانتفاضُ لمواجهة كلِّ من طعن سورية في قلبها، وانتزع الفرح من أحشاءِ أبنائها، سألناهُ أن يسمح لنا بقراءتها ومشاركته حواره الذاتي. فعل، وبإرسالها لنا عبر الفضاء الإلكتروني.‏‏‏

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏

أرسلها فقرأناها، وبدقةٍ وحذر وتركيز فرضته العوالم التي حلَّقنا وإياهُ لنشهد مقدار ظلام جحورها، وبشاعة فحيحِ ثعابينها.. الثعابين التي لم تتوقف خلال زحفها من ممالكِ الرمال إلى المدن، عن تبديلِ جلدها، وعن الانقضاضِ على الفرائسَ التي نفثت أخطر السموم في جسدها..‏‏‏

إنها محاولاتِ استباحة الحياة التي بدأت عبر المنابر الدينية، والتي تطورت مع تفاقم شرور أصحاب عروش الدم. قوَّاد المؤامرات والمنقادين لما باتوا يخطِّطون له وينفِّذونه، عبر أحدث وسائل الاتصال التكنولوجية…‏‏‏

استباحة الحياة، بالقتل الذي استهدف الراوي مُذ كان جنيناً وتعرّض لأشكال مختلفة من عملياتِ العنف التي هدفت إلى إجهاضه فقاومها، وإلى أن خرج إلى الحياة فصعدت روحه إلى السماء التي كبر فيها فاعترضه كوكبٌ ارتطم به، فأعاده إلى الأرض ليلبس حياة إنسان لأنه وجدَ الأرض أكثر عنفاً وأشد ظلاماً، قال ساخراً منها:‏‏‏

«نزعتُ أنا حياة ولبستُ أخرى، مثل ثعبانٍ ينزعُ عن جسمه الثوب القديم، ليغلّف جلده بثوبٍ آخر جديد. هل كنتُ أبالغ فيما لو قلت، بأن رحلتي مابين العالمين كانت رحلة لانبعاثٍ شيّق، على الرغم من أنها كانت مشوبة بالقلق؟»..‏‏‏

نعم، نزل إلى الأرض وفي قرية غريبةٍ تولّى أمره فيها «فليفل» الشيخ الذي جعل الرواية تدخل إلى الجامع الذي كان قد عُيِّن إماماً له. تتجوّل في أنحائه وتتأمل مريديه والقائمين على غسيلِ أدمغتهم، ممن واجههم:‏‏‏

«مريدوكم ليسوا إلا لحوماً تمضي بها قوة الحديد التي تستعملونها لإخضاع الناس، وكأنما الشريعة عند الشيخ «فليفل» ليست غير قطعة أرض يجب تعميرها بعظام الناس ولحومهم، دون حساب لآلام تلك الأجساد التي عادة مايتمُّ تفريغها من الأرواح، لئلا يبقى لها أثرٌ يؤرِّق الذاكرة ويزعج البدن».‏‏‏

إنه العالم المليء بأقنعةٍ جرَّد «الجبوري» أصحابها منها ليظهرهم على حقيقتهم، ساخراً من كونهم ذاتهم الذين انتقلوا من الجامع إلى فنادق اسطنبول ولبنان وملاهيهما سوداء الخفايا ودموية النوايا. انتقلوا، بأجسادهم العفنة ولحاهم الكثيفة وأصابعهم التي طالت أظافرها، وبكلِّ ماجعل أفلام الغرب الأميركي، تقفز إلى ذاكرته بقسوتها وتوحشها ومافيها من قتل بربري.‏‏‏

هل من قارئٍ بعد هذا، لم يُدرك بأنها الرواية التي عرَّت دولة داعش وعصاباتها وقوَّادها ورجال دينها وإرهابها ووحشيتها. عرَّتهم، وأرَّخت بأنهم أصحاب عروش الدم.. الثعابين التي زحفت إلى ذاكرة التاريخ لتنهشهُ وتدميه، وبما استحقت عليه، لعنة الكاتب مثلما لعنة كل من عانوا من بلاءِ هذه الدولة والفتاوى التي أطلقتها، ومن عمليات النحرِ التي قادتها، وتجارة الأعضاء التي روّجتها؟..‏‏‏

هل من قارئ لم يُدرك بأنها صوت كل غاضب، مما يحصل في العالم العربي، بل في «سورية» واعتبره الكاتب:‏‏‏

«ليس توحشاً بقدر ما هو جزء من بنية المخلوق الذي هو أنت وأنا وهو وهي. ليس لأن العالم خالٍ من القيم الأخرى، بل لأن ما يميز حركة التاريخ، هو الدم وحده، بعد أن استَهلكت الحروب بقية الطاقات فتمَّ تفريغها من محتويات قوتها، لتبقى الالكترونيات الحمراء هي الشاحن الأبرز لحركة البشر على الأرض».‏‏‏

فعل «الجبوري» هذا، محكوم بواجبه الفكري والعلماني والإنساني، وبعد أن شهدَ إجرام الربيع العربي، ودور رجال الدين ممن تلوّنوا وتجرّدوا وحلّلوا وتحلَّلوا، وفَعلوا وافتُعلَ بهم.. رجال الدين، ممن سعى لمحاولة تطهير الحياة من نجاستهم وضلالهم وشذوذهم وإجرامهم، وبجرأةٍ تأكيده على أنهم:‏‏‏

«أنا متأكد أن «الشيخ «فليفل» سيمتنع عن استخدام نفسه في الطقوس الدينية ثانية، خاصة بعد أن تداخلت الأمور وأصبح الإرهاب يتصدر الحياة العربية والعالمية على حدٍّ سواء، وربما يكون قد تبرأ من ماضيه الذي كان مموّهاً بالدين، فيكشف عن كل ما في جسمه من رغبات وشهواتٍ ومفاسد».‏‏‏

ربما هي مخيّلة الراوي، وربما، بل بالتأكيد، هي وقائع عاشها وشهدَ مقدار مالعب هؤلاء دوراً في التحريض على القتل والذبح ورفض الآخر عبر فتاويهم الإرهابية والتكفيرية والجهادية.. الأبشع، مقدار ماتفنّنوا بالإفتاءِ بما يحطُّ من قيمة ومكانة الإنسان، وباستخدام المرأة لأهدافٍ أكثر من مُذله وأقذر من حيوانية.‏‏‏

كلها وسواها، وقائع جعلت الكاتب يرى، وبعد أن وجدها تُغرق أوطاننا بالدمار والويل والحرائق والدم، بأن التاريخ العظيم:‏‏‏

«هو تاريخ الرؤى التي تجعل العقل محرِّكاً نافذ المفعول في المجال الفانتازي. يتخيل ويبني ويعيش التحولات دون مشقة ودون الكثير من الجهد الصناعي».‏‏‏

حتماً، هي الأحداث والتحولات التي وإن جعلت الكاتب صاحب رؤى بالغة التمرّس في إلباس المفردات مايثير الدهشة أمام فلسفتها التي تحتاج إلى أكثر من طاقةٍ تستوعبُ عوالمها الخيالية، إلا أننا عشناها، وباعترافِ كُثر ممن تورّطوا بإهدار دمنا، فقادهم «الجبوري» للمحاكمة عبر روايته، التي كانت صوتَ حقٍّ واجهَ به، كل من أدلى بما أدانَ سلفية عقيدته:‏‏‏

«ولدتُ في أحضان عائلة متدينة، لم تفكر إلا بذاك الإيمان الذي وصل إليها زحفاً من عواصم الرمال، فرضعتْ حليبه المعرفي أولاً بأول، وإلى الحدِّ المازوخي الصعب والمؤلم والمُتخم.. كنا صغاراً وكباراً.. ذكوراً وإناثاً، مُغلَقين وغارقين بكتب قديمة تفوح منها رائحة الموتى فقط.. لم نتعلم يوماً من مفكِّرٍ أو معلِّم حيّ يعيش على قيد الحياة، بل كلّ من كان يُطلق تلك التعاليم في دمائنا، هم جثث انقرضت ولم يبق منها سوى بقايا عظام في رموس لا تَذكر شواهد المقابر، أسماء أصحابها على هذه الأرض».‏‏‏

باختصار، إنها الرواية التي تناولت الحرب والدمار والمجازر والجراح والنزيف وسوى ذلك مما خطَّط له قوَّاد الحرب على سورية، ومن رجال الدين والعرب الخونة والمتآمرين، وقطعان الوهابية والسادية والنازية والفاشية الوحشية. أيضاً، من تجار الأخلاق والأوطان وأعضاء الإنسان التي مزّقتها سواطير الإرهاب والثعابين التي ترعرعت، تحت شمس الجزيرة العربية.‏‏‏

بالتأكيد هي الحرب التي تُؤلِم وتَقهُر. الحرب التي وسَّعت بأحداثها وامتداداتها وعويل فضاءاتها، ذاكرة كاتب أرهقت المؤامرات والأحداث الدامية ذهنه، إلى أن بات يشعر:‏‏‏

«الموت يتربص بالناس في كلِّ مكان، ولم يستطع الزمن هو الآخر التحكّم بمواقيته بعد أن تمّت تعبئة ساعة الحياة بالدم والدخان والعويل الجاف الذي لم يعد يتحمّل الخروج من الباطن البشري… البرابرة الذين هبوا على البلاد حملوا بدل أنخاب الخمر سيوفاً ورايات سوداء، كلّ منها تحمل اسم الله ورسوله بطريقة مميزة عن الراية الثانية والثالثة والرابع والخامسة، حتى ليظنّ المرء بأن الله الواحد، قد تعدّد ليصير بعدد الآلهة التي تحمل تفويضاً واحداً أحداً. الموت للآخر وبأبشع صور القتل».‏‏‏

هذا ماأحاطنا به «أسعد الجبوري» بل هذا مادوخنا به، بعد أن جعل حواسنا كلها تستنفر ترقباً لما واكبه خياله أو بصيرته، وعلى مدى أربع سنوات من حربٍ كأنه عاشَ في كلِّ المناطق والأرياف والمدن التي تأجّجت فيها، وبتحريضِ فحيحَ قطعان دولة الخلافة الإسلامية.. هذا مادوّخنا به، دون أن ينسى تذكيرنا، بزحفِ ثعابين الرمال إلى لبنان واليمن والعراق وغيرهم من الدول العربية.‏‏‏

هذا مادوّخنا به، ولايبرّره إقامته في سورية لسنوات، وإنما ما اعتمل في ذهنه فحرض إبداعه على جنونٍ هو ليس إلا جنون العقل الدؤوب في بحثه وتخيّله وابتكاره لما يستدعي محاكاة الذات للذات.. ما يستدعي، تقديم ثقافة تقرأ وتكتب وترى وتنطق وتشمّ وتسمع صوت من استعانوا بمحبة أناملهم للمفردات التي تُحيي الحياة في قارئهم.. ثقافة، لا تشبه تلك التي صفع معتنقيها، وبمواجهتهم بأن ثقافتهم:‏‏‏

«ثقافة الساطور الذي لا يقرأ ولايكتب ولا يرى ولا ينطق ولا يشمّ ولا يسمع، لأن حديده يستعين بيد القاتل وحسب».‏‏‏

ثقافة/ الأحد 16-7-2017/

http://thawra.sy/_View_news2.asp?FileName=15986136020170715205249