مسكين الحجر
لم يختبر جماده لسعة اللمس
لذلك لا فرق لديه
حين تحمله يد تبني بيت الأطفال
أو أخرى تشج رأس الفرحة
هو لن يعرف جمرة السرور حين يملك اليتامى سقفا من حجارة غافلة وزوايا قائمة وباب خشبي مخروم..
لن يعرف أبدا
ولن يصل إلى فرودس نفسه
لن يسقي وردة معناه
لأن الخلل التقني في عقل الكون ترك نبيذ الوعي على الشجرة
والحجر المسكين لا يملك عدة التسلق
ولا حتى يدين…
هو لا يحزن
لأنه لا يفكر
وبإمكانه أن يظل مرميا تنحته الريح أو يركله العابرون
هو لا يغضب
سواء هشمته المطرقة
أو رشقته يد ليسرق حياة عصفور
لن يعرف أنه ملطخ بالدم البريء
لن يفهم الدم ولا نزيف الدمع
لن يتذكر أيا من هذا..
الصغار يلعبون بالحجر
الكبار يبنون منه وكر السلالة
القبور تصنع منه حرائق الاسم النائم بلا يقظة
المعابد تحتمي في دفئه وتلعن المادة
الروح أيضا؛
سجينة طينة؛ أجدادها من حجارة كثيرة
لكنها تتناسى أطلال الذاكرة..
من حسن الحظ أنه لا يتكلم
لو فعل لفضح عاشقين في غرفتين متجاورتين يمشطان شعر المحبة على حجارة شرفتين مشتعلتين بالعشق ..
لو فعل.. لرفع قضية ضد ناقة صالح
وجاء بالبراءة من احتضان البيولوجيا النافرة..
لو فعل..
لما بقي متسع لقطف قبلة
أو لتفكيك وقار الدماغ بسيجارة حشيش
سيفضح كرامة الأولياء النابتة في تربة السر، زيف السياسة يسقي عطش الطيبين خمرة التوهم، يفضح عاشقة صغيرة تبعث SMS في غفلة الضوء والأهل، متدينا متطرفا يداعب وحشه الجنسي في المرحاض، سكيرا يطعم كلاب الليل ويبكي عمره المهرود، متشردا يتوسد القرآن وينام في دفء الله، راقصة إيقاعها صلاة تبهج الملائكة، شيطانا يراسل السماء خفية مؤكدا على تمام مهمة الفتنة، نهر الأمومة يرى أبناءه يتحرقون وجعا فيجف، وسيكسر جلال العطاء منهيا قاعدة:”لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.”…
من سوء الحظ أننا لم نتعلم حكمة الحجر
لم نغتسل في بحيرة الصمت
حتى البكم منا
لا يتوقفون عن زرع الثرثرة بلا لسان
وعن التنظير لبلاغة تخضر في لغة الإشارة..
وحده تميم بن مقبل الجاهلي أدرك عذوبة الفارق
وأشعل الصحراء بالصرخة المعترفة:”ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر… “..
الغيرة من الإنسان تنضج دوما على نار كاذبة
لكن الغيرة من الحجارة خيول أسطورية ضخمة تكسر جرار غرورنا المهترئة..
تنقص من قاماتنا حتى لا نتطاول على الظل
تشير بيد عملاقة إلى سروال الحضارة المثقوب
وتحيل الكلام إلى تقاعد أبدي
لا يحتاج العناق إلى لغة ليسجن الاثنين في جسد الروح
لا تحتاج الأم إلى لغة لتمنح المعنى من حليب الثدي
لا تحتاج الحبيبة إلى التعبير لتقول عيناها:يا ربك نبغيك
لا يحتاج المتسول إلى إنشاء طلبي ليوصل جوعه إلى المطلق..
لا يحتاج الله إلى دعاء ليجبر خاطر المحزون..
لا يحتاج الدرويش إلى عصا الإفصاح ليصل المتاهة بالمتاهة..
لا يحتاج الحجر إلى رعاية انتباهنا
هو أصلا مسافر قديم في اللامبالاة
لكننا نحتاج أمنية تميم بن مقبل الجارحة، صمت زكرياء الخرافي، صمت الآلهة القديمة، صمت الأشياء التي نغرق فيها، صمت الحوت أمام نشيج ذي النون، صمت إبليس أمام تجني أبناء الحرام عليه، صمت اللغة حين يلتهم الحياة تمساح العدمية، صمت البكاء الداخلي..
وصمت الحجر
نحتاج كل هذا …
لنكمل عبورنا الفاني بأقل خسارة ممكنة.

 

 

مشرية، يوم2017/07/17

.
.