“بترونة ” تحولت إلى مجدلية!

عجز كبار الأدباء من تقصي أي معلومة تشرح فعلياً أسباب تسمية هذا الشارع باسم شارع “المتنبيط، أعظم شعراء اللغة العربية وأكثرها تأثيراً في لغتنا الفصيحة. أثار الأديب اللبناني فؤاد سليمان هذا الواقع متسائلاً: “من وضع المتنبي الكبير في مثل هذا المكان الصغير الموبوء؟ وماذا يفعل هذا الشاعر العربي النبيل في هذا الشارع -القاذورة؟ انقلوا هذا المسكين من هناك…

لم يغفل الأديب الياس خوري تعجبه من تسمية هذا الشارع باسم المتنبي. فقد ذكر خوري في مداخلة ألقاها في الاحتفال الذي اقيم في الجامعة الأميركية في بيروت الأربعاء 28 أيار 2014، تكريماً للأكاديمي اللبناني سمير خلف ومنوهاً بأهمية مؤلفاته ومنها “البغاء في مجتمع متغير” والذي أثار خلف فيه واقعة ماريكا، قال:”لكن السؤال الذي حيرني ليس لماذا لم يشر خَلف الى اسم الشارع الذي جعل من شاعر العرب الأكبر غطاء لأقدم مهنة في التاريخ، وإنما هو عدم قدرتي على الوصول إلى سر اختيار هذا الاسم الكبير الذي كان عنواناً للفروسية وإعجاز البيان، كي يكون اسماً لشارع تقيم فيه بنات الخطأ، بحسب التسمية العثمانية للمومسات”؟

واللافت أنه، ووفقاً لخوري، “إن حكاية المتنبي مع الشوارع التي تحمل اسمه مثيرة للريبة، من شارع في حماه كان سوقاً للأحذية، إلى شارع المكتبات الشهير في بغداد، إلى شوارع في القاهرة والرياض والكويت، وهي في أغلبها لا تمت بأي صلة لشاعر اللامية الشهيرة التي تحصن خلفها أبو العلاء: “لك يا منازلُ في القلوب منازلُ”

من هي؟

في بطاقة تعريف الصحافي الكبير الراحل إيلي صليبي ووفقاً لما جاء في روايته بعنوان” ماريكا المجدلية” الصادرة عن دار المشرق للنشر، “دخلت “ماريكا اسبيريدون” عاهرة فقيرة، ومن هناك من ذاك الزقاق المصيدة، خرجت تائبة غنية، لتصير “ماريكا المجدلية'”.

إذا حاولت تقصي بعض المعلومات من الجيل، الذي سمع عن ماريكا أو عاصر عهدها، فيمكن ان يبتسم لمجرد السؤال او ان يحاول جمع أفكار عنها. في تفاصيل رواية صليبي أنه “هناك، في ذاك الزّقاق الضيّق، عاشت “ماريكا اسبيريدون'”، جثة امرأة للبيع، قبل أن تراودها مدافع الحرب اللبنانية عن نفسها للموت في مكان آخر، بعيداً من جنون النار التي التهمت جسد “بيروت”، ومن فنون القتل على الهوية التي حصدت الأعناق ذبحًا وتنكيلًا وسحلًا”. توقف عند عملها كزعيمة لفتيات الهوى مشيراً الى أن “هناك اصطادت ”البترونة” في شارع ”المتنبي” بنات الهوى طرائد شريدة يتناوب عليهن أكلة لحوم النسوة بوجبات جنسية سريعة، بحماية قانونية ووقاية طبيّة. هناك جمعت تلك “اليونانية الشريرة” ثروتها من لهاث كلاب مسعورة تتهافت على ما بقي من عظام حاملات ما يبحث عنه الجياع إلى الجنس والمتخمون به”.

كيف تمكنت من الوصول الى “سدة” هذا المركز؟ ذكر بعض المواطنين، الذين سمعوا عن ماريكا أو عاشوا في زمانها، أنها تمتعت بجمال خارق، وتمكنت من تملك زمام الأمور بعد وفاة صاحبة المنزل الذي كانت تعمل به كفتاة من بنات الهوى. اللافت انها تمكنت بعد أعوام عدة من شراء المبنى بالكامل، وحولته الى فندق، وواظبت على إدارة اعمال الدعارة فيه، التي كانت تمارسها بنفسها، واضعة لنفسها تسعيرة أعلى من العاملات معها.

مومسات “ماريكا”

ماذا كشف كتاب “البغاء في مجتمع متغير” لسمير خلف؟ ذكر خوري “أنه كتاب يقوم على مبدأ واحد هو الاستمارة التي يجري تحليل معطياتها عبر المقارنة واستخلاص النتائج الإحصائية”، مشيراً الى أنه “عند إنجاز الدراسة كان يعيش في شارع المتنبي 207 عاهرات، 105 منهن يعشن في بيوت الدرجة الأولى، بينما يعيش 102 في بيوت صُنفت درجة ثانية، وقد أجاب على الاستمارة 130 مومساً. والمفاجئ ان العدد الأكبر من المومسات كان لبنانياً، يليه السوريات فالفلسطينيات، بخلاف الرأي الشائع أن مومسات «السوق» في أغلبيتهن، كُن يونانيات أو مصريات”.

وشدد على أنه “يعود الفرق التصنيفي في الأساس الى أعمار المومسات التي كانت العامل الأساسي في تحديد أسعارهن، (متوسط اعمار الفئة الأولى هو 32.7 عاماً، بينما متوسط أعمار الفئة الثانية (39.4 عاماً) والمُذهل هو نسبة الكبيرات في السن من بينهن، (نسبة اللواتي تراوح اعمارهن بين 40 و60 سنة هي 20.3%) بحيث تبدو «السوق» وكأنها مزيج من مكان العمل والمأوى، وتتشكل كعزلة مفروضة على العاهرات تتحول بالتدريج إلى خيار مَن لا خيار له”. وفي السياق، يذكر أنه “جرت المقابلات خلال ثمانية أسابيع في آب وايلول 1963، 92 منها تمت في مستوصف الحي، حيث تخضع المومسات لفحوص طبية دورية، بينما جرت بقية المقابلات، اي 38 مقابلة، في الغرف الخاصة بالمومسات”.

المجدلية!

تأثرت ماريكا بالحرب اللبنانية، غادرت منزلها قبل اندلاع حرب الفنادق، ولم تعد إليه سوى مرة قبل هدمه خلال إعادة إعمار وسط المدينة. قدم صليبي مرحلة التوبة عندها في روايته قائلاً:” بعد حياةٍ صاخبة، أمضتها ماريكّا في تقديم الخدمات والملذّات الجنسية في مملكتها الصغيرة … قلبت الحرب عام 1975 حياتها رأسًا على عقب، وجعلتها تهرب إلى عالمٍ آخر تكفر فيه عن ذنوبها وتعيش حياة التوبة والتقوى إلى أن “بلغت التسعين، مفلسة الجيب… غنية الروح، مشبعةً بالإيمان… بعدما تبرعت “البترونة” بكل ثروتها لمصلحة بلدة كفرماش التي قضت فيها أيامها الأخيرة ورفض أهالي بلدة كفرماش دفنها في مقابر القرية…”.

يذكر أن الروائي الياس خوري نقل “أنها كانت تذهب إلى القداس كل أحد في الكنيسة الأرثوذكسية، وإنها أهدت إحدى أجمل الثريات إلى الكنيسة”.

 

 

 

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

https://www.annahar.com/article/624398