كان في الثالثة من عمره حين بدأ يقرأ اليونانية كما يقرأ لغته الإنكليزية الأم. وكان في السابعة حين أنجز قراءة، وربما فهم، حوارات أفلاطون الستة الأولى. وفي الثامنة حين انهمك خلال قراءته «إلياذة» هوميروس في دراسة الجبر والهندسة دراسة متقدمة. وفي العشرين حين وضع مؤلفه الأول قبل أن تستبد به شكوكه الفكرية والوجودية ذات يوم وهو في سن الثانية والعشرين، فيقف متأملاً معيداً النظر في حياته ومسار تلك الحياة ولسان حاله يقول: «لنفترض أن كل الأهداف التي وضعتها لنفسك في حياتك قد تحققت، وأن كل التغيرات والتقلبات والأفكار التي أمضيت حياتك وانت تشتغل في سبيل تحقيقها قد تمت بنجاح وبصورة مفاجئة، هل تراك ستشعر أنك وصلت الى قمة الفرح والسعادة؟». على هذا السؤال أجاب جون ستيوارت ميل يومها: «أبدا… لن يخامرني أي شعور بالفرح أو السعادة» وذلك بالتحديد لأنه كان يشعر في ذلك الوقت المبكر من حياته أن ثمة ما ينقصه. والحقيقة أن ميل الذي أخبرنا بنفسه عن مآثره منذ طفولته في ذلك الكتاب الهام الذي، على عكس كتبه وإنجازاته الأخرى، تأخر طويلاً قبل أن يرى النور- بل إنه لم ير النور إلا بعد شهور من وفاة كاتبه عام 1873-، ميل هذا لم يحدثنا في الكتاب عن نفسه بمقدار ما حدثنا عن أبيه المفكر جيمس ميل.

> جيمس ميل كان الصانع الحقيقي لابنه الذي سوف يصبح يوماً واحداً من أعمدة الفكر العقلاني والليبرالي في بريطانيا القرن التاسع عشر والذي سيقول عنه غلادستون في تأبينه: «ستيوارت ميل هو الذكاء المطلق… هو الرجل ذو القيمة الأخلاقية النادرة. ستيوارت ميل هو قديس العقلانية الحقيقي». وبالتأكيد لم يكن كلام السياسي البريطاني من نوع كلام المناسبات بل كان انعكاساً للنظرة العامة التي كان العالم ينظر بها إلى ميل. ومع هذا ها هو هذا الأخير يخبرنا، في الكتاب الذي كان يُفترض أن يكون سيرة لحياته، أنه هو نفسه لم يكن شيئاً لولا ذلك الأب الذي في إمكان الباحثين في سيكولوجيا الطفولة في أيامنا هذه أن يوجهوا له لوماً شديداً، إذ من الواضح أنه أبداً لم يسمح لإبنه أن يكون طفلاً ولو لشهور في حياته، بل حشا رأسه باكراً جداً، بالأفكار والآراء والمعلومات التي صنعته. ومن الواضح أن المعنيّ نفسه لم يكن مستاءً من هذا، وإن كان قد أثار طوال حياته استياء الأوساط الرجعية الإنكليزية التي ما كان من شأنها أن تُسر أواسط القرن التاسع عشر الذي وصلت فيه الإمبراطورية البريطانية إلى أوجها، بمفكر يطالب بحرية المرأة وإعطائها حق الترشح والتصويت البرلمانيين، وإزالة العبودية ونشر حرية التعبير، وغير ذلك من أفكار كان على بريطانيا أن تنتظر عقوداً طويلة قبل أن تتبناها.

> حتى وإن كان جون ستيوارت ميل يخصص جزءاً كبيراً من «سيرة حياتي وأفكاري» ليحدثنا عن أبيه وشخصية هذا الأخير وأفكاره، بل حتى تناحراته معه بين الحين والآخر، فإنه في الوقت ذاته يحدثنا عن تطوره الفكري الخاص وعن أزماته الروحية وعن أصدقائه وظروف ولادة اللحظات التي أغرقته في نضالاته وصولاً إلى الأدوار السياسية والفكرية التي لعبها، وأوصلته إلى عضوية مجلس العموم. وهو كذلك يحدثنا عن غرامياته وزواجه، المتأخر، من السيدة تايلور التي عاونته في عمله طويلاً قبل أن تترمل بعد عشرين عاماً من تعارفهما وتصبح زوجة له. والحقيقة أن كل هذا يرويه لنا جون ستيوارت ميل بهدوء وبلغة جزلة تحمل جدلياتها ويبدو فيها أحياناً من التجرد بحيث يخيّل إلى المرء أنه يتحدث عن سيرة شخص آخر. وحتى المآثر المدهشة التي يحكيها لنا وتبدو غير قابلة للتصديق- وهي التي افتتحنا بها هذا الكلام- وقد تبدو جديرة بأن تدخل كتاب غينيس للأرقام القياسية لو أن مثل هذا الكتاب كان موجودا في أيامه- قبل أن يُبتذل هذا الكتاب ليصبح ملعبا لصانعي أكبر قرص فلافل، أو أطول سندويتش كفتة(!)- هذه المآثر يحكي ميل لنا عنها ببساطة الأمور العادية، تماماً كما علمه أبوه أن يفعل.

> بالنسبة إلى جون ستيوارت ميل، أتى تأسيسه الفكري من طريق الفلاسفة اليونانيين الذين قرأهم باكراً تحت إشراف أبيه الذي يقدمه لنا بارداً في أفكاره، موضوعياً في أحكامه، يترك للعقل مكاناً واسعاً في كل ما يقوله أو يفكر فيه. ومن هنا، كما يروي لنا الابن، كان يريد في الأصل أن يجعل من ابنه رجل منطق صارم. لكن المشكلة كمنت في أن الابن سرعان ما تبدّى رجل عاطفة سريع التأثر مهتماً بالفكر الإصلاحي وعازماً على العمل في سبيل مصلحة شركائه في المواطنة. مقابل الصورة الفكرية الخالصة التي أرادها الأب للإبن، عمل هذا على أن يجعل لنفسه صورة المفكر المناضل. وبدا هذا واضحاً حتى وإن لم يتوقف ستيوارت عنده مطولاً في كتابه.

> ولسوف يصبح أكثر وضوحاً بعد تلك الرحلات التي قام بها الابن إلى الخارج ولا سيما إلى فرنسا التي أقام فيها نحو عام، اختلط خلاله بعدد من رجال الفكر والاقتصاد الذين كانوا في الأصل من… أصدقاء والده. وهو هنا، بعدما عاد من فرنسا أسس مع عدد من رفاقه من المفكرين الشبان جمعية أطلقوا عليها اسم «الجمعية النفعية» متأثرين جميعا بأفكار بنتام الفلسفية والإقتصادية التي كانت على الموضة في إنكلترا ذلك الحين. وراح ستيوارت ضمن إطار تلك الجمعية يبثّ أفكاره وآراءه الإصلاحية في مقالات ودراسات مطولة ينشرها في المجلات، ناهيك بأنه أسس مع رفاق آخرين جمعية قراءة خاصة تقرأ النصوص جماعياً وتتناقش فيها. وكل هذا وصاحبنا لا يزال دون العشرين من عمره. وبعد حين نراه يصدر كتابه الأول المكتمل «منظومة المنطق». ولكنه بعد إصدار هذا الكتاب مباشرة نجده غارقا في أزمته الروحية- الفكرية الأولى، التي أوصلته إلى طرح أسئلة الجدوى حول كل ما يفعل ويكتب. ولسوف يقول لنا هو بنفسه أن العامل الخفي الذي أوصله إلى أزمته كان اكتشافه غياب البعد الروحي في حياته.

> لم يكن الدين من بين الأمور التي حركها أبوه لديه. ومن هنا تحركت لديه تلك الأزمة التي سرعان ما تبدت روحية، خلف إطار تساؤلاته حول السعادة والجدوى والنفعية. صحيح أنه سوف يجد لأزمته حلاً. لكنه بدا له أول الأمر حلاً موقتاً. فهو عرف كيف يستبدل مسألة البحث عن السعادة الشخصية بسعادة العمل من أجل الصالح العام: أحلّ العمل من أجل تحسين المجتمع محل العمل من أجل سعادة الذات. لكن هذا الحل سوف يبدو له ناقصاً حتى اللحظة التي اكتشف فيها الشعر. فالشعر، ولا سيما شعر ووردذورث، كان ما سوف ينقذه حقاً من أزمته. فهو يقول لنا كيف أنه وجد في شعر ووردذورث «فرح الإنسان عبر احتكاكه بالطبيعة وعناصرها. عبر التقائه بجمال الطبيعة». لقد كان هذا الشعر، وفق ستيوارت ميل هو الذي كشف له «منبع النعمى الخالد الذي سوف ينبثق حين تختفي الشرور الكبرى التي تكبل الإنسان». وكانت هذه الفكرة في حد ذاتها محركاً لإلهام إنساني عميق سرعان ما أتت صداقة ربطت كاتبنا مع الديموقراطي المسيحي فردريك موريس ومع السياسي التقدمي ستيرلنغ، لتوجهه بشكل أفضل ليس فقط ناحية البحث الإنساني عن السعادة، بل كذلك ناحية العمل السياسي.

وهذا التأثير المتعدد سوف يتضافر لدى جون ستيوارت ميل (1806- 1873) مع ارتباطه بالمفكر الفرنسي أوغست كونت كما مع الكاتب توماس كارلايل ناهيك بارتباطه بجين أوستن، صاحبة الروايات والأفكار النسوية الكبيرة، لتجعل منه المفكر الذي نعرف. المفكر الذي جعل من الحرية والمساواة بين البشر ومفاهيم التقدم والعقلانية وحرية المرأة والديموقراطية البرلمانية وحرية الفكر وإلغاء الكولونيالية والعبودية، مفاتيح فكر لو نتبحر فيه اليوم سيخيّل إلينا أنه مكتوب في زمننا المعاصر على إيقاع الفشل الذي طاول ويطاول مختلف الإيديولوجيات التي يتميز فكر ميل عنها بأنه نظر حين فكّر، إلى الإنسان والمجتمع والطبيعة قبل أن ينظر إلى الشعارات الكبيرة… التي يؤكد لنا مراراً وتكراراً أنها غير مجدية إن لم تضع سعادة الإنسان في المجتمع هدفاً أساسياً لها.

 

http://www.alhayat.com/