يسري حسان:

عندما بدأ جيل الثمانينيات فى كتابة قصيدة النثر ، ظهر على الساحة حوالى خمسة آلاف وثمانية وتسعين شاعراً وشاعرة( فصحى وعامية) يكتبون هذه القصيدة.
عن نفسى قسمتهم إلى ثلاث فئات، الأولى ، وهى لاتضم أكثر من عشرين شاعراً، كتبت هذه القصيدة عن قناعة واحتياج ، والأهم عن موقف مغاير للشعر ودوره، وزاوية نظر مختلفة إلى العالم.
أما الثانية ، وهى تضم العديد من الشعراء الذين كانت لهم تجارب جيدة فى العمودى والتفعيلى، فقد اضطر أصحابها اضطراراً إلى دخول المعمعة، إما مجاراة للموضة ، وإما خوفاً من اتهامهم بالتقليدية والرجعية ، فكتبوا هذه القصيدة بمنطق القصيدة التقليدية، كل مافى الأمر أنهم تخلوا عن الوزن دون إدراك أن قصيدة النثر، التى هى موقف مختلف من الشعر والعالم، لاتعنى فقط التخلى عن عروض الأستاذ فراهيدى، لذلك عاد معظمهم إلى القصيدة التقليدية، إما فى صورتها العمودية أو فى صورتها التفعيلىة ، وآهو كله شعر وخلاص.
ليس لدى موقف حاد من الذين عادوا أدراجهم وواصلوا الكتابة فى مناطقهم الدافئة، وبالطريقة التى تروقهم، أو بالطريقة الأقرب إلى بنيتهم الفكرية والجمالية، مشكلتى كانت ولاتزال مع الفئة الثالثة، وماأكثر أعضائها المنضمين إلى الجمعية العمومية لكتاب” قصيدة النشل “هم أكثر بكثير جداً من أعضاء اتحاد الكتاب الذين لو فتشت وراءهم فلن تجد لأغلبهم –  أقول أغلبهم وليس كلهم- أى منجز إبداعى يستحقون بسببه الانضمام حتى إلى جمعية الكشافة.
الفئة الثالثة ، وماأدراك ماالفئة الثالثة، أصحابها من البلطجية وقتالين القتلى والمغفلين والنصابين واللصوص والمدلسين.. واكمل أنت مايعن لك من صفات رديئة أو فوق الرديئة.
هؤلاء كتبوا ، ومازالوا يكتبون والله ، ماأطلقنا عليه قصيدة ” الفشحطة” وهى قصيدة لاتعرف لها عضواً من الآخر ، ولاسطراً من أخيه، انتشرت هذه القصيدة ، بل وتسيدت ، وأصبح كل عواطلى ،لايجد له مهنة أو اهتماماً، من رواد ورائدات قصيدة النثر، ولأن المسألة سهلة فبعضهم كان يقسم أن باستطاعته كتابة ديوان كامل مكمل كل ليلة.. لو حضرتك عايز.
جاءتنى فتاة لم تبلغ الثامنة عشرة بعد ، وقالت إن لديها رواية تريد أن أقرأها وأساعدها فى نشرها، قرأت الرواية فوجدتها كلاماً فارغاً، لالغة ولاأسلوب ولاأفكار ولاأى حاجة ، هرتلات وخلاص، وقلت لها إن الرواية تتطلب خبرات حياتية وثقافية عميقة يبدو أنك لم تحصليها بعد، حاولى أن تتحصلى على هذه الخبرات ثم اكتبى، تركتنى غاضبة ، وبعد ثلاث ساعات مررت على مقهى زهرة البستان فوجدت صديقاً متصابيا يقدمها لى -هى نفسها صاحبة الرواية المضروبة المعطوبة التى ليس فيها سطر واحد سليم – باعتبارها من اكتشافاته الحديثة، فهى – كما قال- واحدة من شاعرات قصيدة النثر المبشرات بفتوحات وصولات وجولات، وعرفت أنها قدمت له نفس الرواية باعتبارها ديواناً شعرياً من قصيدة النثر.. وقلت فى نفسى أبشر يامعلم!!
لاتسألنى عن مصير الفتاة ،لسنا فى مجال النميمة الآن، ربك أمر بالستر، ثم إن لدى أربع فتيات أراعى الله فيهن، خاصة أن اثنتين منهما تصورتا أنهما فنانتان تشكيليتان وبدأتا الرسم والتشكيل.. ربك يسترها.
الوصفة التى اتبعها العواطلية بسيطة للغاية ، فشحط تنل المراد من رب العباد، والفشحطة كما رأيناها، أن تكتب كلمات لاعلاقة لها ببعضها البعض.
رجل السما داخلة فى بز الإزاز
وروحى فى قطة الأنتريه
ادلقت كوباية شاى قلبى على كورنيش الفرن الافرنجى
فقطفت أزهار المخدة ودخلت أحلام الكراسى
أى حاجة فى أى حاجة كما ترى، وإذا أعيتك الحيلة اكتب سطراً عادياً كأى إنسان طبيعى تربى على طبلية والده، وممكن طبلية والدته، ثم اسقط منه كلمة أو اثنتين، يأتيك سطر غريب وعجيب لايستطيع أجدعها قارئ أو ناقد فك طلاسمه، أما إذا أعيتك الحيلة أكثر، فبعد أن تكتب قصيدة عادية ،مثل بقية مخاليق ربنا، ضعها فى الخلاط ، أى لخبط فى أمها وهات إللى فوق تحت وإللى تحت فوق ، تخرج لك قصيدة نثر بيضاء من كل حاجة ممكن توصل لأى حاجة.
والعجيب فى الأمر ياأخى المؤمن أن نقاداً ادعوا القدرة على فك مثل هذه الطلاسم، وكتبوا دراسات نقدية  طويلة وقصيرة وعريضة وكنزة، عن هذه القصائد ، بل إن بعضهم ممن يعملون فى السلك الجامعى المضروب ، أوصوا تلامذتهم بإعداد رسائل ماجستير ودكتوراه عن بعض هذه الأعمال، حتى أن واحدا مغفلا منهم – تقريبا حدثتك عنه من قبل – منحناه قصيدة فشحطة كتبناها بشكل جماعى، وادعينا أنها أحدث قصائد الشاعر الفولانى، فغاب الرجل ثلاثة أشهر ، علمنا أنه حبس نفسه خلالها فى حجرة مكتبه، ثم خرج علينا بدراسة شغلت أكثر من خمسمائة صفحة على الكمبيوتر الذى لم يكن قد انتشر بعد، معدداً مواطن الجمال فى القصيدة ، ورابطاً بين بعض جملها وبين مسقط رأس الشاعر ، ولاتعرف من أين جاءت له هذه الأفكار العجيبة والتحليلات المريبة التى توصل إليها.
قصيدة الفشحطة كما أفرزت لنا شعراء مغفلين ونصابين ، أفرزت أيضاً نقاداً عجائبيين وغرائبيين ومدلسين ومتصابين، والغريب ياأخى أنهم مستمرون فى تدليسهم وتصابيهم مع أنهم بلغوا من العمر أرذله.. لاتنتظر موتهم ، فأمثالهم يميتون بلاداً بأكملها، سبحان الله يموت الواحد منهم خمس أو ست مرات، ثم تفاجأ به يمشى بيننا ويكتب ويدلس ويتصابى.. ولاتملك إلا أن تقول : يخلق مالاتعلمون!

http://www.battana.org/news-