في الصيف الماضي، داخل أروقة مهرجان لوكارنو، جمعني حوار بأليخاندرو خودوروڤسكي، الثاني لي معه. السينمائي التشيلياني الكبير الذي أصبح على مشارف التسعين، كان موجوداً في المدينة السويسرية ليحظى بتكريم عن مجمل أعماله. جلستُ نحو ٤٠ دقيقة في صحبته. فتح قلبه وهو ممدد بهدوء على أريكة واسعة، بيد يحمل عصاه، وبالثانية يلوّح لإعطاء المزيد من العمق لحديثه. بدا الحوار على شكل وصية، استهله بالقول: “تعرف، في مثل عمري كثر لا يكونون أصلاً على قيد الحياة”. كأن صاحب روائع مثل “الجبل المقدّس” و”رقصة الواقع” يفيد من الوقت الممدد له، كي يبوح. من طفولته في قرية صغيرة إلى لقائه مارسيل مارسو، مروراً بالله والإيمان فـ #شارلي_ايبدو، وصولاً إلى مشروع عمره “دون” الذي لم يتحقق، توقف خودوروڤسكي عند محطات عدّة من سيرته الغنية والاستثنائية.

هذا الذي يلقبونه بـ”جوجو”، يقول إنّ الفنّ يمثّل كلّ وجوده على هذه الأرض، ويحيا من أجله. ينبض بالحياة رغم تراجع الحالة الجسدية. يتكلّم بحبّ وتفان، مذيلاً عباراته بابتسامة خفيفة ساخرة لا تفارق وجهه، وتجعل الجالس أمامه يطمئن. أشياء كثيرة تدهشه: الفنّ، النساء، الشعر… لا يعتب على الحياة، فهو وجد الصلة العميقة بها، يخاطبها وتخاطبه.

يشكو خودوروڤسكي من “تعليب” #السينما وتحويلها إلى بزنس. تجده مقيماً في عين القلق وهموم العصر. صاحب الأفلام التي تتعايش فيها الروح اليديشية مع تقاليد من أميركا اللاتينية، لا يزال متمرداً، خصوصاً في نظرته إلى السينما، لكن أكثر حكمة مما مضى. حكمة اكتسبها عبر سنوات من النظر في النص المليء للكأس.

عن نفسه، يقول: “أنا كالمطر، أذهب حيث يحتاجونني”.

* هل تتذكّر أول احتكاك لك بالسينما؟

– كنت صبياً في قرية صغيرة، توكوبيجا، تعدّ ٣٠٠٠ نسمة في ذلك الوقت. التسلية الوحيدة المتوافرة كانت ارتياد المكتبة العامة التي أسسها الإنكليز. ثم اكتشفتُ السينما. كنت أرتادها يومي السبت والأحد لمشاهدة أفلام جديدة. شاهدتُ “أحدب نوتردام” مع تشارلز لوتون. بعد ذلك، أمضيتُ النهار كلّه وأنا أقوم بحركات تهريج. عشقتُ هذا الوحش. بعدها، تعرّفتُ إلى فرنكنشتاين. هو أيضاً وقعتُ في غرامه. لكني لم أخشه كغيري، كانت لي تجاهه رأفة. أتذكّر أيضاً اعجابي بشخصيات مثل المومياء والرجل الذئب. امتلأت طفولتي بأشياء كهذه. وكنت سعيداً. ثم اكتشفتُ زورو وفلاش غوردن. كنت أتابع فصلاً كلّ اسبوع بدهشة كبيرة. هكذا دخلت السينما إلى حياتي. لاحقاً، اكتشفتُ أفلام الكاوبوي الأميركية (وسترن)، ولكن لم أكن أعرف ان أميركا موجودة حقاً. فكّرتها واحة، سراباً، شيئاً هو حكر على الخيال. لذلك، عندما أخرجتُ “أل توبو”، لم أموضع أحداثه في أميركا، مع انه كان ينتمي إلى نوع الوسترن. له عالمه الخاص. عندما نكون أطفالاً، ما نتخيله هو الحقيقة الخاصة بنا.

* هل تشغلك مسألة ان تترك إرثاً خلفك؟

– عمري ٨٧. عندما لن أعود من هذا العالم، لن يهمني أي شيء. ماذا سأفعل بالإرث؟ ولكن، طالما انني على قيد الحياة، تعنيني استضافتي هنا في لوكارنو وتكريمي بجائزة. وبالقدر نفسه، يعنيني اختيار فيلمي في “اسبوعا المخرجين” في كانّ. عُرض عليَّ ان أشارك في المسابقة الرسمية، لكني رفضتُ. عبّرتُ عن عدم اهتمامي بها. يهمّني قسم يولي الإهتمام بالمخرجين. المخرج كالشاعر. أنا أتولى كلّ شيء في الفيلم، أليس كذلك؟ الجائزة التي أُسندت إليّ في لوكارنو مهمّة جداً، فأنا مذ بدأتُ في الإخراج، اعتُبرتُ “أوتسايدر”. كأنني كائنٌ فضائيٌ. لم يرد اسمي في أي من الموسوعات السينمائية. لم أكن موجوداً قطّ في نظر كثيرين. شيئاً فشيئاً، بدأتُ أفرض حضوري. الآن، هذا اعتراف رسمي بي، وهو يعني لي الكثير. أشعر انني أدخل إلى معبد السينما. كنت وحيداً، أشبه بغريب أينما حللتُ. اليوم، يتم قبولي كشخص يستحق جائزة سينمائية.

* ألا يهمّك ان تتم المحافظة على أفلامك من بعد رحيلك؟

– لا، لا أحب ان أكذّب عليك وأنا في مثل هذا العمر. آخر همّي. مع الوقت، كلّ شيء سيختفي، صحّ؟ حتى الكواكب. حتى النظام الشمسي. ما فائدة ماذا سأترك من بعدي؟ كلّ شيء مرحلي، كلّ شيء مستعار. هذا الكائن الذي نلقّبه بالله… لا نعرف ما هي هذه القوة، لا يفعل سوى بث الحياة وتدميرها، بشكل ممنهج. الأرض التي نعيش فوقها لا شيء، طولها ثانية. لهذا السبب، لا آبه بما سأتركه من بعدي. لا توجد تركة أصلاً.

* لكن أتخيل انك استمتعتَ جيداً في حياتك…

– آه، صحيح. لم أجنِ فلساً واحداً من السينما. السينما ليست مهنة. أقله لي. اشتغلتُ فيها للمتعة. انها عندي مسألة حياة أو موت. خرجتُ من فيلمي الأخير مريضاً، لا أقوى على المشي. أحياناً أمشي بلا عصا. انتهى التصوير منذ عام. بذلتُ جهداً كبيراً وأنا أُخرجه. لكن السينما تثير شغفي على الرغم من كلّ شيء. انظر إلى العصا التي باتت ترشدني. من كثرة الوقوف والجلوس بدأت ساقي تؤلمني. وجعٌ رهيبٌ في المفاصل. الإخراج يتطلب جهداً جسدياً كبيراً. كنت أنام أربع أو خمس ساعات يومياً. كلّ يوم تصوير يكلّف ٥٠ ألف دولار. لا أستطيع ان أخسر يوماً واحداً. عليّ ان أكون جاهزاً بإستمرار. لا يمكن ان أسمح لنفسي بأن يفوتني تفصيل، أمر كهذا يعني نسف مشهد كامل. اذا اخطأتُ في إختيار الممثلين، فهذا يعني انني أحكم على الفيلم بالإعدام. جسدياً، الأمر مضنٍ. لأننا مستعجلون دائماً. كلّ التصوير تمّ بـ٣٥ يوماً. سبعة أسابيع، كلّ اسبوع خمسة أيام عمل. للمقارنة، “سوبرمان” يتطلب ستة أشهر من العمل. أو سنة. هذا ليس متاحاً لنا. يوم تصوير اضافي يضخّم الموازنة. لذا، عليك ان تحبّ السينما أقصى درجات الحبّ، كي تقبل العمل في مثل هذه الشروط. فعلاً علينا ان نحبها وإلا… مستحيل! واذا امتهنتَ السينما، فعليك ان تبيع نفسك. أنجزتُ فيلماً واحداً “طبيعياً” يرضخ إلى شروط السوق، وهو “سارق قوس القزح”، مع بيتر أوتول وعمر الشريف. لم يسبق ان تألمتَ كما تألمتُ حينها. كان ألماً رهيباً. المخرج الذي يعمل في ظلّ هذه الظروف، هو نكرة! انه مجرد موظف. النجوم هم كلّ شيء. والمنتجون. الفنّ معدوم. تضحّي بكلّ شيء كي تبلغ الضفة. تجربة في منتهى القسوة. أنا أحب ان أكون شاعراً حتى عندما أقف خلف الكاميرا، والشعر بحث داخلي عميق جداً. أحبّ كوكتو وبازوليني ووَلز وبونويل. هؤلاء كلهم تعاملوا مع الفيلم كشأن شخصي.

* درستَ في باريس، صحّ؟

– نعم. بدأتُ العمل في الفنّ مبكراً. كنت في السادسة عشرة. في العشرين، كان عندي فرقة ممثلين إيمائيين. كنت أجهل وجود الممثل الصامت. أستطيع ان أدّعي أنني برعتُ في هذا المجال. ثم جاء فيلم “أولاد الجنّة” لمارسيل كارنيه. هنا، اكتشفتُ مارسيل مارسو. كنت أدير فرقة ضخمة من ٦٠ شخصاً. التقيتُ مارسو، فطلب رؤية دفتري حيث كمية كبيرة من صور لنا في جولاتنا. قبلني فوراً. هكذا دخلت إلى “كومباني مارسو”. كنت أجني ثلاثة دولارات يومياً. نويتُ تجاوزه في طبيعة الحال. كنت جد طموح. مع الوقت، بدأتُ أعي انه لا يمكن ان أقيس نفسي به. هو كان عظيماً بالفطرة. وُلد عبقرياً. كنت أسأل نفسي ما الذي أملكه لا يملكه هو. أدركتُ انني أملك الذكاء. فصرتُ أفعل شيئاً مغايراً لما يفعله. فعندما يقلّد شارلو بصيغة رومنطيقية، أقلّده بطريقة ميتافيزيقية. صرتُ أصنع الأقنعة له، إلى ان أصبحتُ كاتب نصوصه. كنت كاتبه الوحيد طوال حياته.

* لم تلتقِ في حياتك سوى العباقرة. أتعتقد ان سيرتك كانت أخذت منعطفاً آخر لو وضعتك المصادفة أمام أشخاص عاديين؟

– دعني أقول لك شيئاً. لم ألتقِ بهم بالمصادفة، بل بحثتُ عنهم. في سن مبكرة، أدركتُ انني لن أضيع وقتي بالكحول والمخدرات وقضاء الوقت عند المومسات في تشيلي. لم أفعل أياً من هذا، بل صممتُ على البحث عمّن كان قادراً على مدّي بشيء ما. سعيتُ لإيجاد معلّم ينير دربي. بدأتُ أكوّن صداقة مع أحد كبار الشعراء وقتذاك، انريكي لين، وهو مجايل لي. صرنا أعز صديقين. ثم تعرفتُ إلى نيكانور بارّا، ستيللا فارين. صوّرتُ هذا كله في “شعر بلا نهاية”. لم أبحث الا عن الذين غذّوني من الداخل. أنا أساساً، جئتُ من بيئة عمّالية، كان أبي تاجراً. كان يمكن ان أكون مجرماً، أميّاً… لا أحد تولّى تربيتي، اخترتُ طريقي بنفسي، بعصامية كاملة. لذلك، بحثتُ عن الذين كانوا قادرين على تأهيلي.

* أحياناً، نبحث ولا نجد…هل تؤمن بالقدر؟

– عالم النفس السويسري كارل يونغ طرح نظرية التزامنية. كانت نظرية عصيّة على التطبيق. انها لقاءات تحدث لك علماً بأنها يجب ألاّتحدث. وأنا التقيتُ مَن التقيتُ، لكني بحثتُ عنها كما سبق وقلت. في التزامنية، يكفي ان تتمنى الشيء، كي يحدث.

* اذا أمعنّا النظر في تطور سينماك، نرى انك تغيرتَ قليلاً مع مرور الزمن…

– أنا تغيرتُ، لذلك سينماي تغيرت أيضاً. لم أفعل هذا لمغازلة المجتمع. كما سبق ان أوضحتُ في بداية هذه المقابلة، كنت شخصاً مرفوضاً، خارج الصناعة السينمائية تماماً، لكني كنت أفعل ما أشاء. فيلمي الأول أنجزته بخلاف كلّ القوانين السينمائية السائدة. كانت النقابة تمنع أي شخص من إخراج فيلم إذا لم يحصل على إذن منها. تخيّل: نقابة من السينمائيين العجزة! كان المطلوب ان أتقدّم بطلب تصوير فيلم وأعطيهم السيناريو كي يطالعوه. هذه رقابة! فهم يفرضون عليك استخدام عدد معين من التقنيين. أنا قلت انني أريد ان أنجز فيلماً وأنجزته. كنّا، أنا والمصوّر وثلاثة أشخاص آخرين. أحدث هذا فضيحة كبيرة في تشيلي وقتها.

في الحقيقة، ليس لديّ استيتيك خاص بي. لستُ ذهنياً. كلمّا تغيرتُ، تغيرتْ معي وسائل التعبير. العمر لا يتقدّم ضدي، انه امتداد لي. السنوات شحنتني بكمية أعلى من الإدراك. لا أشعر بانهيار بسبب العمر. لا أدافع عن ذاتي، أوفر لك فقط بعض المعلومات عنها. العمر يغذّيني. أعتقد ان حتى الموت يغذّيك. ليس هناك أي شيء منحطّ في الإنسان، اذا عرف كيف يعيش. اذاً، كلّ الرموز تغيرت جراء التطور الحاصل في حياتي.

* عندما يشاهد المرء “الجبل المقدّس”، يصاب بذهول أمام كمية التابوهات التي حطمتها آنذاك، حدّ انني أتساءل هل من الممكن انجاز فيلم كهذا اليوم؟

– كان أصعب في أيامنا. ولكن كان علينا ان نتجرأ ونفعل. “الجبل المقدّس” احتاج ٣٠ عاماً كي يصبح متوافراً للمشاهدة. آلن كلاين الذي وزّع “ال توبو” لم يُرد توزيعه في الولايات المتحدة. لم يخرج الفيلم الا في صالات فرنسا وإيطاليا. ثم كلاين أخفى الفيلم. قال لي: “لا أحد سيشاهده، لا هذا ولا أي من أفلامك الأخرى”. لماذا؟ لأنه كان يريدني ان أنجز “حكاية أو”، رواية بورنوغرافية. رفضتُ. اقترح اعطائي فوراً ٢٠٠ ألف دولار كي أُخرجه، وفوقها غلاف “بلايبوي”.أصررتُ على الرفض، وهربتُ. رحتُ أسكن عند صديق في لوس أنجليس، وباشرتُ مغامرة تأليف “الجبل المقدّس”.

الفنّ الحقيقي يحطّم الأفكار المسبقة. علينا أن ندفع بالإنسان إلى حريته. عندما تساهم في ذلك، تسبق زمنك بثلاثين عاماً على الأقل. بعض الفنانين يُحتفى بهم بعد وفاتهم، لا في حياتهم. الفنان لا يعيش الحاضر، هو ابن المستقبل.

* هل تؤمن بالله؟

– سُئل راماكريشنا ذات مرة: “أتؤمن بالله؟”، ردّ: “لا”. استغرب السائل ان يكون أكبر صوفي في الهند لا يعترف بالله. فأوضح انه لا يؤمن بالله لأنه يعرفه. العلاقة مع الله ليست مبنية على الإيمان، إنما على المعرفة. الإيمان شيء فكري، بمعنى انني أدرك انني أؤمن بشيء ما. ولكن عندما أقول انني أعرف الله، فهذا يعني انه في داخلي، أراه فيّ. العقل يطرح الأسئلة، ولكن فقط القلب يملك الأجوبة.

* لكن ما موقفك من العلاقة الدوغمائية التي لدى بعض الناس حيال ما يُعرف بـ”النصوص المقدّسة”؟

– هناك دائماً في الأديان مستويات عدة. هناك المستوى الشعبي الذي يمكن ان يكون متزمتاً. تجده في الجهاد الإسلامي، وفي محاكم التفتيش المسيحية. المستوى الأول لطالما قام على التعصب الأعمى. ولكن، اذا “صعدتَ” قليلاً، فستجد “زبدة” الدين. في الإسلام، إنها الصوفية. لا علاقة لها بالجرائم والحروب والفتوحات وأشياء مشابهة. إنه تجلي الصوفية في الإلوهة. في كلّ الديانات، ستجد العفن: البوذي الذي يحرق نفسه، الكاثوليكي المرعب، اليميني المحافظ، الخ. ولكن هناك مستوى جميل في كلّ الأديان، وهذا ما ينبغي البحث عنه.

* هل تندم على أفلام كثيرة لم تنجزها؟ “دون” مثلاً؟

– لربما كان ندماً، أو بالأحرى الشعور بالخسارة. كلّ فن يرسم لك طريقاً. وإذا كنت خلاّقاً تجدها. عندما فشلتُ في إنجاز “دون”، بدّلتُ مساري وبدأتُ في تأليف الكتب المصورة. صرتُ نجماً في هذا المجال. في السنوات العشرين التي أبعدتني عن السينما، كانت حياتي مليئة. الآن مع عودتي إلى أحضانها، أشعر بأنني في ذورة طاقاتي التعبيرية. انني أفعل حرفياً ما أريد. أبلغ أحياناً الـ”سوبليم” حتى، وهذا شيء صعب جداً بلوغه في السينما. والـ”سوبليم” عندي يتمثل في الامتناع عن إنتاج نقد سياسي يطال الكائن “البغيض” الذي هو الإنسان، بل ان تقوم بتشريح جماله الداخلي. الـ”سوبليم” في الفنّ يرينا ان ثمة جمالا في الحياة.

* لستَ سينيكياً على الإطلاق.

– أنا ما أنا عليه، لا على النحو الذي يريدني الآخرون. حتى في هذه المقابلة، لستُ مجبراً على التحدث بصراحة مطلقة. تم توجيه سؤال إليَّ عن الإسلام. هذا يشكّل خطراً عليّ. تخيّل ان السائل إسلامي. يسألني ثم يرميني بقنبلة. الكثير من أصدقائي قضوا في باريس. كانوا يرسمون في “شارلي ايبدو”. كرسّام كاريكاتور، كان يمكن ان أكون من هؤلاء الضحايا. كوني لا أتعاطى رسومات نقدية، نفذتُ بريشي. لا أحد سينتقم مني كوني لا أنتقد أي شيء. الدين، اليوم، بالصيغة التي يُمارس، يشكّل خطراً مقلقاً. وخلف الحرب الدينية المزعومة، هناك حروب اخرى، منها حرب من أجل مصالح نفطية الخ. الخافي اعظم.

* هل شعرتَ بالخوف بعد مقتل أصحابك في “شارلي ايبدو”؟

– لا. القضية هي انني لم أتناول يوماً هذه المسائل. لو أردتُ لفعلتُ، لا أخاف من أي أحد. في المقابل، أذهب إلى العطلة في نيس. أذهب إلى هناك لأنني أحب فندق “نيغريسكو”، فندق فني ممتاز، أشعر فيه بسعادة، هادئ جداً. هناك عدد أقل من السيّاح. الناس، خصوصاً الأثرياء منهم، يخشون الذهاب إلى نيس بعد الأحداث الأخيرة، يعتقدون أنهم يجازفون بحياتهم. هم لا يدركون انهم يجازفون بحياتهم في أي مكان. الحقيقة انه ليس عندي ما أخفيه أو ان أعلن التوبة من أجله.

* يُقال ان “دون” أشهر فيلم غير منجز في تاريخ السينما، وألهم سينمائيين كثراً منهم جورج لوكاس…

– صحيح. ذات مرة، جاءني شاب مجنون اسمه فرانك بافيتش لم أكن أعرفه، يريد إنجاز وثائقي عن “دون”. وافقتُ بشرط ان يعطيني عشرة في المئة من الأرباح، كوني نجم الفيلم. في الأخير، لم أحصل على شيء، على الرغم من انه عرضه في كلّ العالم. السينما وقعت في يد اللصوص. يأخدون كلّ الأموال، ولا يعطونك حقك. وقّعنا عقداً، الا انه غيّر الشركة، فتبخّر كلّ شيء (ضحك). على كلّ حال، كنت سعيداً. تكلمتُ بصراحة ظاناً ان أحداً لن يشاهد هذا الفيلم. تكلمتُ كما أحادثك الآن. ثم، خرج الفيلم في الصالات وجمع إيرادات ضخمة، من خلالي أنا الذي أتحدث عن شيء لم أنجزه قط. لكن الفيلم شكّل فرصة لأدخل في إتصال مع المنتج ميشال سيدو، وهكذا أنجزتُ “رقصة الواقع”، وعدتُ إلى السينما بعد ٢٠ عاماً من الغياب.

* لماذا اخترتَ فرنسا مكاناً لإقامتك؟

– الظروف هي التي دفعتني بكلّ بساطة. كنت أعاني من ضائقة نفسية، لأنني عاجز عن إنجاز الأفلام. فعُرض عليَّ أن أُخرج فيلماً في فرنسا، وفي النهاية لم ينفَّذ. كان فيلماً تجري أحداثه بعد مرور عشر سنين على أيار ٦٨. مكثتُ في فرنسا، وبدأت أؤسس فيها عائلة.

* ألم تنخرط البتة في أي نشاط سياسي؟

– إطلاقاً. لا أؤمن بالثورات السياسية، بل بالتنمية الشعرية. ماذا يعني هذا؟ هذا يعني ان ما أمنحه أمنحه لنفسي، ما لا أمنحهأحرمني إياه. لا أريد لنفسي ما لا يكون للآخرين. السياسة في حياتي؟ أبداً. لم أنتمِ إلى الحزب الشيوعي. معظم كتّاب أميركا اللاتينية اشتهروا من خلال دخولهم معترك السياسة. لم أُرِد ذلك. مثلما لم أُرِد ان أبيع نفسي إلى السوق. لم أنجز يوماً إعلاناً. لم أبع نفسي لفكرة. أنا فنان، أفصل السياسة عن الفنّ.

بما اننا تحدثنا عن الأديان، دعني أخبرك هذه القصة… وأنا للمناسبة سعيد بالأفلام التي أنجزتها في حياتي، انها بالضبط الأفلام التي أردتُ دائماً انجازها. لو حققتُ “دون”، لأصبحتُ مليارديراً ينجز أفلاماً على نسق “سوبرمان” وكنت سأصاب بالاحباط. المهم: بعد “الجبل المقدّس”، كنت مفلساً وعاطلاً عن العمل، فأخبرني أحدهم ان هناك مجموعة من العرب يريدون تمويل فيلم عن النبي محمد، وهم شاهدوا فيلمك ومندهشون فيه. ومستعدون لإنفاق الملايين. أُرسلتْ إليَّ سيارة رولز رويس للتوجه إلى الموعد الذي كان مقرراً في فندق باريسي ضخم كانوا حجزوا فيه طابقاً كاملاً. أول ما رآني الشخص سألني: “هل تؤمن بأن المسيح هو الله؟” أنا الذي تربيتُ خارج الدين منذ طفولتي، أحرجني السؤال، وخصوصاً ان خلفه رولز رويس وأنا كان حذائي قديماً مثل الغرفة التي أعيش فيها، مع ذلك قلتُ له: “نعم، إنه الله”. فصرخ الرجل في وجهي: “أخخخخخخرج من هنا”(ضحك). ربما كان عليَّ أن أقول له شيئاً آخر. هل أندم؟ لا. أؤمن بأن كلّ شيء يحصل لنا هو لخيرنا.

في الصيف الماضي، داخل أروقة مهرجان لوكارنو، جمعني حوار بأليخاندرو خودوروڤسكي، الثاني لي معه. السينمائي التشيلياني الكبير الذي أصبح على مشارف التسعين، كان موجوداً في المدينة السويسرية ليحظى بتكريم عن مجمل أعماله. جلستُ نحو ٤٠ دقيقة في صحبته. فتح قلبه وهو ممدد بهدوء على أريكة واسعة، بيد يحمل عصاه، وبالثانية يلوّح لإعطاء المزيد من العمق لحديثه. بدا الحوار على شكل وصية، استهله بالقول: “تعرف، في مثل عمري كثر لا يكونون أصلاً على قيد الحياة”. كأن صاحب روائع مثل “الجبل المقدّس” و”رقصة الواقع” يفيد من الوقت الممدد له، كي يبوح. من طفولته في قرية صغيرة إلى لقائه مارسيل مارسو، مروراً بالله والإيمان فـ #شارلي_ايبدو، وصولاً إلى مشروع عمره “دون” الذي لم يتحقق، توقف خودوروڤسكي عند محطات عدّة من سيرته الغنية والاستثنائية.

هذا الذي يلقبونه بـ”جوجو”، يقول إنّ الفنّ يمثّل كلّ وجوده على هذه الأرض، ويحيا من أجله. ينبض بالحياة رغم تراجع الحالة الجسدية. يتكلّم بحبّ وتفان، مذيلاً عباراته بابتسامة خفيفة ساخرة لا تفارق وجهه، وتجعل الجالس أمامه يطمئن. أشياء كثيرة تدهشه: الفنّ، النساء، الشعر… لا يعتب على الحياة، فهو وجد الصلة العميقة بها، يخاطبها وتخاطبه.

يشكو خودوروڤسكي من “تعليب” #السينما وتحويلها إلى بزنس. تجده مقيماً في عين القلق وهموم العصر. صاحب الأفلام التي تتعايش فيها الروح اليديشية مع تقاليد من أميركا اللاتينية، لا يزال متمرداً، خصوصاً في نظرته إلى السينما، لكن أكثر حكمة مما مضى. حكمة اكتسبها عبر سنوات من النظر في النص المليء للكأس.

عن نفسه، يقول: “أنا كالمطر، أذهب حيث يحتاجونني”.

* هل تتذكّر أول احتكاك لك بالسينما؟

– كنت صبياً في قرية صغيرة، توكوبيجا، تعدّ ٣٠٠٠ نسمة في ذلك الوقت. التسلية الوحيدة المتوافرة كانت ارتياد المكتبة العامة التي أسسها الإنكليز. ثم اكتشفتُ السينما. كنت أرتادها يومي السبت والأحد لمشاهدة أفلام جديدة. شاهدتُ “أحدب نوتردام” مع تشارلز لوتون. بعد ذلك، أمضيتُ النهار كلّه وأنا أقوم بحركات تهريج. عشقتُ هذا الوحش. بعدها، تعرّفتُ إلى فرنكنشتاين. هو أيضاً وقعتُ في غرامه. لكني لم أخشه كغيري، كانت لي تجاهه رأفة. أتذكّر أيضاً اعجابي بشخصيات مثل المومياء والرجل الذئب. امتلأت طفولتي بأشياء كهذه. وكنت سعيداً. ثم اكتشفتُ زورو وفلاش غوردن. كنت أتابع فصلاً كلّ اسبوع بدهشة كبيرة. هكذا دخلت السينما إلى حياتي. لاحقاً، اكتشفتُ أفلام الكاوبوي الأميركية (وسترن)، ولكن لم أكن أعرف ان أميركا موجودة حقاً. فكّرتها واحة، سراباً، شيئاً هو حكر على الخيال. لذلك، عندما أخرجتُ “أل توبو”، لم أموضع أحداثه في أميركا، مع انه كان ينتمي إلى نوع الوسترن. له عالمه الخاص. عندما نكون أطفالاً، ما نتخيله هو الحقيقة الخاصة بنا.

* هل تشغلك مسألة ان تترك إرثاً خلفك؟

– عمري ٨٧. عندما لن أعود من هذا العالم، لن يهمني أي شيء. ماذا سأفعل بالإرث؟ ولكن، طالما انني على قيد الحياة، تعنيني استضافتي هنا في لوكارنو وتكريمي بجائزة. وبالقدر نفسه، يعنيني اختيار فيلمي في “اسبوعا المخرجين” في كانّ. عُرض عليَّ ان أشارك في المسابقة الرسمية، لكني رفضتُ. عبّرتُ عن عدم اهتمامي بها. يهمّني قسم يولي الإهتمام بالمخرجين. المخرج كالشاعر. أنا أتولى كلّ شيء في الفيلم، أليس كذلك؟ الجائزة التي أُسندت إليّ في لوكارنو مهمّة جداً، فأنا مذ بدأتُ في الإخراج، اعتُبرتُ “أوتسايدر”. كأنني كائنٌ فضائيٌ. لم يرد اسمي في أي من الموسوعات السينمائية. لم أكن موجوداً قطّ في نظر كثيرين. شيئاً فشيئاً، بدأتُ أفرض حضوري. الآن، هذا اعتراف رسمي بي، وهو يعني لي الكثير. أشعر انني أدخل إلى معبد السينما. كنت وحيداً، أشبه بغريب أينما حللتُ. اليوم، يتم قبولي كشخص يستحق جائزة سينمائية.

* ألا يهمّك ان تتم المحافظة على أفلامك من بعد رحيلك؟

– لا، لا أحب ان أكذّب عليك وأنا في مثل هذا العمر. آخر همّي. مع الوقت، كلّ شيء سيختفي، صحّ؟ حتى الكواكب. حتى النظام الشمسي. ما فائدة ماذا سأترك من بعدي؟ كلّ شيء مرحلي، كلّ شيء مستعار. هذا الكائن الذي نلقّبه بالله… لا نعرف ما هي هذه القوة، لا يفعل سوى بث الحياة وتدميرها، بشكل ممنهج. الأرض التي نعيش فوقها لا شيء، طولها ثانية. لهذا السبب، لا آبه بما سأتركه من بعدي. لا توجد تركة أصلاً.

* لكن أتخيل انك استمتعتَ جيداً في حياتك…

– آه، صحيح. لم أجنِ فلساً واحداً من السينما. السينما ليست مهنة. أقله لي. اشتغلتُ فيها للمتعة. انها عندي مسألة حياة أو موت. خرجتُ من فيلمي الأخير مريضاً، لا أقوى على المشي. أحياناً أمشي بلا عصا. انتهى التصوير منذ عام. بذلتُ جهداً كبيراً وأنا أُخرجه. لكن السينما تثير شغفي على الرغم من كلّ شيء. انظر إلى العصا التي باتت ترشدني. من كثرة الوقوف والجلوس بدأت ساقي تؤلمني. وجعٌ رهيبٌ في المفاصل. الإخراج يتطلب جهداً جسدياً كبيراً. كنت أنام أربع أو خمس ساعات يومياً. كلّ يوم تصوير يكلّف ٥٠ ألف دولار. لا أستطيع ان أخسر يوماً واحداً. عليّ ان أكون جاهزاً بإستمرار. لا يمكن ان أسمح لنفسي بأن يفوتني تفصيل، أمر كهذا يعني نسف مشهد كامل. اذا اخطأتُ في إختيار الممثلين، فهذا يعني انني أحكم على الفيلم بالإعدام. جسدياً، الأمر مضنٍ. لأننا مستعجلون دائماً. كلّ التصوير تمّ بـ٣٥ يوماً. سبعة أسابيع، كلّ اسبوع خمسة أيام عمل. للمقارنة، “سوبرمان” يتطلب ستة أشهر من العمل. أو سنة. هذا ليس متاحاً لنا. يوم تصوير اضافي يضخّم الموازنة. لذا، عليك ان تحبّ السينما أقصى درجات الحبّ، كي تقبل العمل في مثل هذه الشروط. فعلاً علينا ان نحبها وإلا… مستحيل! واذا امتهنتَ السينما، فعليك ان تبيع نفسك. أنجزتُ فيلماً واحداً “طبيعياً” يرضخ إلى شروط السوق، وهو “سارق قوس القزح”، مع بيتر أوتول وعمر الشريف. لم يسبق ان تألمتَ كما تألمتُ حينها. كان ألماً رهيباً. المخرج الذي يعمل في ظلّ هذه الظروف، هو نكرة! انه مجرد موظف. النجوم هم كلّ شيء. والمنتجون. الفنّ معدوم. تضحّي بكلّ شيء كي تبلغ الضفة. تجربة في منتهى القسوة. أنا أحب ان أكون شاعراً حتى عندما أقف خلف الكاميرا، والشعر بحث داخلي عميق جداً. أحبّ كوكتو وبازوليني ووَلز وبونويل. هؤلاء كلهم تعاملوا مع الفيلم كشأن شخصي.

* درستَ في باريس، صحّ؟

– نعم. بدأتُ العمل في الفنّ مبكراً. كنت في السادسة عشرة. في العشرين، كان عندي فرقة ممثلين إيمائيين. كنت أجهل وجود الممثل الصامت. أستطيع ان أدّعي أنني برعتُ في هذا المجال. ثم جاء فيلم “أولاد الجنّة” لمارسيل كارنيه. هنا، اكتشفتُ مارسيل مارسو. كنت أدير فرقة ضخمة من ٦٠ شخصاً. التقيتُ مارسو، فطلب رؤية دفتري حيث كمية كبيرة من صور لنا في جولاتنا. قبلني فوراً. هكذا دخلت إلى “كومباني مارسو”. كنت أجني ثلاثة دولارات يومياً. نويتُ تجاوزه في طبيعة الحال. كنت جد طموح. مع الوقت، بدأتُ أعي انه لا يمكن ان أقيس نفسي به. هو كان عظيماً بالفطرة. وُلد عبقرياً. كنت أسأل نفسي ما الذي أملكه لا يملكه هو. أدركتُ انني أملك الذكاء. فصرتُ أفعل شيئاً مغايراً لما يفعله. فعندما يقلّد شارلو بصيغة رومنطيقية، أقلّده بطريقة ميتافيزيقية. صرتُ أصنع الأقنعة له، إلى ان أصبحتُ كاتب نصوصه. كنت كاتبه الوحيد طوال حياته.

* لم تلتقِ في حياتك سوى العباقرة. أتعتقد ان سيرتك كانت أخذت منعطفاً آخر لو وضعتك المصادفة أمام أشخاص عاديين؟

– دعني أقول لك شيئاً. لم ألتقِ بهم بالمصادفة، بل بحثتُ عنهم. في سن مبكرة، أدركتُ انني لن أضيع وقتي بالكحول والمخدرات وقضاء الوقت عند المومسات في تشيلي. لم أفعل أياً من هذا، بل صممتُ على البحث عمّن كان قادراً على مدّي بشيء ما. سعيتُ لإيجاد معلّم ينير دربي. بدأتُ أكوّن صداقة مع أحد كبار الشعراء وقتذاك، انريكي لين، وهو مجايل لي. صرنا أعز صديقين. ثم تعرفتُ إلى نيكانور بارّا، ستيللا فارين. صوّرتُ هذا كله في “شعر بلا نهاية”. لم أبحث الا عن الذين غذّوني من الداخل. أنا أساساً، جئتُ من بيئة عمّالية، كان أبي تاجراً. كان يمكن ان أكون مجرماً، أميّاً… لا أحد تولّى تربيتي، اخترتُ طريقي بنفسي، بعصامية كاملة. لذلك، بحثتُ عن الذين كانوا قادرين على تأهيلي.

* أحياناً، نبحث ولا نجد…هل تؤمن بالقدر؟

– عالم النفس السويسري كارل يونغ طرح نظرية التزامنية. كانت نظرية عصيّة على التطبيق. انها لقاءات تحدث لك علماً بأنها يجب ألاّتحدث. وأنا التقيتُ مَن التقيتُ، لكني بحثتُ عنها كما سبق وقلت. في التزامنية، يكفي ان تتمنى الشيء، كي يحدث.

* اذا أمعنّا النظر في تطور سينماك، نرى انك تغيرتَ قليلاً مع مرور الزمن…

– أنا تغيرتُ، لذلك سينماي تغيرت أيضاً. لم أفعل هذا لمغازلة المجتمع. كما سبق ان أوضحتُ في بداية هذه المقابلة، كنت شخصاً مرفوضاً، خارج الصناعة السينمائية تماماً، لكني كنت أفعل ما أشاء. فيلمي الأول أنجزته بخلاف كلّ القوانين السينمائية السائدة. كانت النقابة تمنع أي شخص من إخراج فيلم إذا لم يحصل على إذن منها. تخيّل: نقابة من السينمائيين العجزة! كان المطلوب ان أتقدّم بطلب تصوير فيلم وأعطيهم السيناريو كي يطالعوه. هذه رقابة! فهم يفرضون عليك استخدام عدد معين من التقنيين. أنا قلت انني أريد ان أنجز فيلماً وأنجزته. كنّا، أنا والمصوّر وثلاثة أشخاص آخرين. أحدث هذا فضيحة كبيرة في تشيلي وقتها.

في الحقيقة، ليس لديّ استيتيك خاص بي. لستُ ذهنياً. كلمّا تغيرتُ، تغيرتْ معي وسائل التعبير. العمر لا يتقدّم ضدي، انه امتداد لي. السنوات شحنتني بكمية أعلى من الإدراك. لا أشعر بانهيار بسبب العمر. لا أدافع عن ذاتي، أوفر لك فقط بعض المعلومات عنها. العمر يغذّيني. أعتقد ان حتى الموت يغذّيك. ليس هناك أي شيء منحطّ في الإنسان، اذا عرف كيف يعيش. اذاً، كلّ الرموز تغيرت جراء التطور الحاصل في حياتي.

* عندما يشاهد المرء “الجبل المقدّس”، يصاب بذهول أمام كمية التابوهات التي حطمتها آنذاك، حدّ انني أتساءل هل من الممكن انجاز فيلم كهذا اليوم؟

– كان أصعب في أيامنا. ولكن كان علينا ان نتجرأ ونفعل. “الجبل المقدّس” احتاج ٣٠ عاماً كي يصبح متوافراً للمشاهدة. آلن كلاين الذي وزّع “ال توبو” لم يُرد توزيعه في الولايات المتحدة. لم يخرج الفيلم الا في صالات فرنسا وإيطاليا. ثم كلاين أخفى الفيلم. قال لي: “لا أحد سيشاهده، لا هذا ولا أي من أفلامك الأخرى”. لماذا؟ لأنه كان يريدني ان أنجز “حكاية أو”، رواية بورنوغرافية. رفضتُ. اقترح اعطائي فوراً ٢٠٠ ألف دولار كي أُخرجه، وفوقها غلاف “بلايبوي”.أصررتُ على الرفض، وهربتُ. رحتُ أسكن عند صديق في لوس أنجليس، وباشرتُ مغامرة تأليف “الجبل المقدّس”.

الفنّ الحقيقي يحطّم الأفكار المسبقة. علينا أن ندفع بالإنسان إلى حريته. عندما تساهم في ذلك، تسبق زمنك بثلاثين عاماً على الأقل. بعض الفنانين يُحتفى بهم بعد وفاتهم، لا في حياتهم. الفنان لا يعيش الحاضر، هو ابن المستقبل.

* هل تؤمن بالله؟

– سُئل راماكريشنا ذات مرة: “أتؤمن بالله؟”، ردّ: “لا”. استغرب السائل ان يكون أكبر صوفي في الهند لا يعترف بالله. فأوضح انه لا يؤمن بالله لأنه يعرفه. العلاقة مع الله ليست مبنية على الإيمان، إنما على المعرفة. الإيمان شيء فكري، بمعنى انني أدرك انني أؤمن بشيء ما. ولكن عندما أقول انني أعرف الله، فهذا يعني انه في داخلي، أراه فيّ. العقل يطرح الأسئلة، ولكن فقط القلب يملك الأجوبة.

* لكن ما موقفك من العلاقة الدوغمائية التي لدى بعض الناس حيال ما يُعرف بـ”النصوص المقدّسة”؟

– هناك دائماً في الأديان مستويات عدة. هناك المستوى الشعبي الذي يمكن ان يكون متزمتاً. تجده في الجهاد الإسلامي، وفي محاكم التفتيش المسيحية. المستوى الأول لطالما قام على التعصب الأعمى. ولكن، اذا “صعدتَ” قليلاً، فستجد “زبدة” الدين. في الإسلام، إنها الصوفية. لا علاقة لها بالجرائم والحروب والفتوحات وأشياء مشابهة. إنه تجلي الصوفية في الإلوهة. في كلّ الديانات، ستجد العفن: البوذي الذي يحرق نفسه، الكاثوليكي المرعب، اليميني المحافظ، الخ. ولكن هناك مستوى جميل في كلّ الأديان، وهذا ما ينبغي البحث عنه.

* هل تندم على أفلام كثيرة لم تنجزها؟ “دون” مثلاً؟

– لربما كان ندماً، أو بالأحرى الشعور بالخسارة. كلّ فن يرسم لك طريقاً. وإذا كنت خلاّقاً تجدها. عندما فشلتُ في إنجاز “دون”، بدّلتُ مساري وبدأتُ في تأليف الكتب المصورة. صرتُ نجماً في هذا المجال. في السنوات العشرين التي أبعدتني عن السينما، كانت حياتي مليئة. الآن مع عودتي إلى أحضانها، أشعر بأنني في ذورة طاقاتي التعبيرية. انني أفعل حرفياً ما أريد. أبلغ أحياناً الـ”سوبليم” حتى، وهذا شيء صعب جداً بلوغه في السينما. والـ”سوبليم” عندي يتمثل في الامتناع عن إنتاج نقد سياسي يطال الكائن “البغيض” الذي هو الإنسان، بل ان تقوم بتشريح جماله الداخلي. الـ”سوبليم” في الفنّ يرينا ان ثمة جمالا في الحياة.

* لستَ سينيكياً على الإطلاق.

– أنا ما أنا عليه، لا على النحو الذي يريدني الآخرون. حتى في هذه المقابلة، لستُ مجبراً على التحدث بصراحة مطلقة. تم توجيه سؤال إليَّ عن الإسلام. هذا يشكّل خطراً عليّ. تخيّل ان السائل إسلامي. يسألني ثم يرميني بقنبلة. الكثير من أصدقائي قضوا في باريس. كانوا يرسمون في “شارلي ايبدو”. كرسّام كاريكاتور، كان يمكن ان أكون من هؤلاء الضحايا. كوني لا أتعاطى رسومات نقدية، نفذتُ بريشي. لا أحد سينتقم مني كوني لا أنتقد أي شيء. الدين، اليوم، بالصيغة التي يُمارس، يشكّل خطراً مقلقاً. وخلف الحرب الدينية المزعومة، هناك حروب اخرى، منها حرب من أجل مصالح نفطية الخ. الخافي اعظم.

* هل شعرتَ بالخوف بعد مقتل أصحابك في “شارلي ايبدو”؟

– لا. القضية هي انني لم أتناول يوماً هذه المسائل. لو أردتُ لفعلتُ، لا أخاف من أي أحد. في المقابل، أذهب إلى العطلة في نيس. أذهب إلى هناك لأنني أحب فندق “نيغريسكو”، فندق فني ممتاز، أشعر فيه بسعادة، هادئ جداً. هناك عدد أقل من السيّاح. الناس، خصوصاً الأثرياء منهم، يخشون الذهاب إلى نيس بعد الأحداث الأخيرة، يعتقدون أنهم يجازفون بحياتهم. هم لا يدركون انهم يجازفون بحياتهم في أي مكان. الحقيقة انه ليس عندي ما أخفيه أو ان أعلن التوبة من أجله.

* يُقال ان “دون” أشهر فيلم غير منجز في تاريخ السينما، وألهم سينمائيين كثراً منهم جورج لوكاس…

– صحيح. ذات مرة، جاءني شاب مجنون اسمه فرانك بافيتش لم أكن أعرفه، يريد إنجاز وثائقي عن “دون”. وافقتُ بشرط ان يعطيني عشرة في المئة من الأرباح، كوني نجم الفيلم. في الأخير، لم أحصل على شيء، على الرغم من انه عرضه في كلّ العالم. السينما وقعت في يد اللصوص. يأخدون كلّ الأموال، ولا يعطونك حقك. وقّعنا عقداً، الا انه غيّر الشركة، فتبخّر كلّ شيء (ضحك). على كلّ حال، كنت سعيداً. تكلمتُ بصراحة ظاناً ان أحداً لن يشاهد هذا الفيلم. تكلمتُ كما أحادثك الآن. ثم، خرج الفيلم في الصالات وجمع إيرادات ضخمة، من خلالي أنا الذي أتحدث عن شيء لم أنجزه قط. لكن الفيلم شكّل فرصة لأدخل في إتصال مع المنتج ميشال سيدو، وهكذا أنجزتُ “رقصة الواقع”، وعدتُ إلى السينما بعد ٢٠ عاماً من الغياب.

* لماذا اخترتَ فرنسا مكاناً لإقامتك؟

– الظروف هي التي دفعتني بكلّ بساطة. كنت أعاني من ضائقة نفسية، لأنني عاجز عن إنجاز الأفلام. فعُرض عليَّ أن أُخرج فيلماً في فرنسا، وفي النهاية لم ينفَّذ. كان فيلماً تجري أحداثه بعد مرور عشر سنين على أيار ٦٨. مكثتُ في فرنسا، وبدأت أؤسس فيها عائلة.

* ألم تنخرط البتة في أي نشاط سياسي؟

– إطلاقاً. لا أؤمن بالثورات السياسية، بل بالتنمية الشعرية. ماذا يعني هذا؟ هذا يعني ان ما أمنحه أمنحه لنفسي، ما لا أمنحهأحرمني إياه. لا أريد لنفسي ما لا يكون للآخرين. السياسة في حياتي؟ أبداً. لم أنتمِ إلى الحزب الشيوعي. معظم كتّاب أميركا اللاتينية اشتهروا من خلال دخولهم معترك السياسة. لم أُرِد ذلك. مثلما لم أُرِد ان أبيع نفسي إلى السوق. لم أنجز يوماً إعلاناً. لم أبع نفسي لفكرة. أنا فنان، أفصل السياسة عن الفنّ.

بما اننا تحدثنا عن الأديان، دعني أخبرك هذه القصة… وأنا للمناسبة سعيد بالأفلام التي أنجزتها في حياتي، انها بالضبط الأفلام التي أردتُ دائماً انجازها. لو حققتُ “دون”، لأصبحتُ مليارديراً ينجز أفلاماً على نسق “سوبرمان” وكنت سأصاب بالاحباط. المهم: بعد “الجبل المقدّس”، كنت مفلساً وعاطلاً عن العمل، فأخبرني أحدهم ان هناك مجموعة من العرب يريدون تمويل فيلم عن النبي محمد، وهم شاهدوا فيلمك ومندهشون فيه. ومستعدون لإنفاق الملايين. أُرسلتْ إليَّ سيارة رولز رويس للتوجه إلى الموعد الذي كان مقرراً في فندق باريسي ضخم كانوا حجزوا فيه طابقاً كاملاً. أول ما رآني الشخص سألني: “هل تؤمن بأن المسيح هو الله؟” أنا الذي تربيتُ خارج الدين منذ طفولتي، أحرجني السؤال، وخصوصاً ان خلفه رولز رويس وأنا كان حذائي قديماً مثل الغرفة التي أعيش فيها، مع ذلك قلتُ له: “نعم، إنه الله”. فصرخ الرجل في وجهي: “أخخخخخخرج من هنا”(ضحك). ربما كان عليَّ أن أقول له شيئاً آخر. هل أندم؟ لا. أؤمن بأن كلّ شيء يحصل لنا هو لخيرنا.

https://www.annahar.com/article/627080-