لا نريد أن نضع مقدمة للسؤال الجوهري المتعلق بالخمر،إن كان حلالاً أو حراماً.ملايين من الأوراق امتلأت بمختلف الأفكار والتحليلات والتفاسير حول هذا الموضوع.ولكننا الآن،ناتيكم بالجواب من القرآن ذاته،لنغلق الطرق بوجه كل الذين يحاولون التجني على جوهر الحقائق الوارد في الكتاب السماوي،وبذلك لنقطع الطريق على كل من تسول له نفسه،فيعتقد بأن الخمر حرام خلافاً لما ورد في السور والآيات والنصوص.

 

1) الدليل الأول:

التفسير القرآني لكلمة “سَكَرْ” الّذي ذُكِرَ في آية (67) من سورة النحل من خلال آية (15) من سورة محمد:

سُوۡرَةُ النّحل :وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً۬ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِہَآ‌ إِنَّ فِى ذَٲلِكَ لَأَيَةً۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَسۡمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمۡ فِى ٱلۡأَنۡعَـٰمِ لَعِبۡرَةً۬‌ۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٍ۬ وَدَمٍ۬ لَّبَنًا خَالِصً۬ا سَآٮِٕغً۬ا لِّلشَّـٰرِبِينَ (٦٦) وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَڪَرً۬ا وَرِزۡقًا حَسَنًا‌ۗ إِنَّ فِى ذَٲلِكَ لَأَيَةً۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَعۡقِلُونَ (٦٧) وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِى مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتً۬ا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِى مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٲتِ فَٱسۡلُكِى سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً۬‌ۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٌ۬ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَانُهُ ۥ فِيهِ شِفَآءٌ۬ لِّلنَّاسِ‌ۗ إِنَّ فِى ذَالِكَ لَأَيَةً۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩).

سُوۡرَةُ محَمَّد مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَ‌ۖ فِيہَآ أَنۡہَـٰرٌ۬ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٍ۬ وَأَنۡہَـٰرٌ۬ مِّن لَّبَنٍ۬ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُ ۥ وَأَنۡہَـٰرٌ۬ مِّنۡ خَمۡرٍ۬ لَّذَّةٍ۬ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنۡہَـٰرٌ۬ مِّنۡ عَسَلٍ۬ مُّصَفًّ۬ى‌ۖ وَلَهُمۡ فِيہَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٲتِ وَمَغۡفِرَةٌ۬ مِّن رَّبِّہِمۡ‌ۖ كَمَنۡ هُوَ خَـٰلِدٌ۬ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمً۬ا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ (١٥).

أرجو مقارنة وربط آيات سورة النحل بآية (15) من سورة محمد

آية (65) من سورة النحل: “و الله أنزل من السماء ماءً…” = آية (15) من سورة محمد: “…فيها أنهار من ماءٍ غير آسن…”

آية (66) من سورة النحل: “…لبناً خالصاً سائغاً للشاربين” = آية (15) من سورة محمد: …وأنهار من لبن لم يتغيرّ طعمه…”

آية (67) من سورة النحل: “…تتخذون منه سكراً…” = آية (15) من سورة محمد: “…وأنهار من خمر لذّة للشاربين…” = (السَكرْ = الخمر، لا جدال في آيات الله تعالى)

آية (69) من سورة النحل: “…يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه…” = آية (15) من سورة محمد: “…وأنهار من عسل مصفّى…”

لقد فسّر الله تعالى معنى كلمة سكَرْ في سورة النحل من خلال آية (15) في سورة محمد على أنّها الخمْر لكي لا يتجرأّ أحد ان يفسّرها من خلال كتب التراث الباطلة او من خلال أهواءه.

2) الدليل الثاني:

إذا تدبرنا آية 25 في سورة البقرة، نجد فيها تأكيداً على أنَّ ما أعطانا الله تعالى إياه في هذه الأرض سوف يُعطينا من مِثلِهِ في الجنة:

سُوۡرَةُ البَقَرَة

وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتٍ۬ تَجۡرِى مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ‌ۖ ڪُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡہَا مِن ثَمَرَةٍ۬ رِّزۡقً۬ا‌ۙ قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُ‌ۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهً۬ا‌ۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَاجٌ۬ مُّطَهَّرَةٌ۬‌ۖ وَهُمۡ فِيهَا خَـٰلِدُونَ (٢٥).

آية (25) من سورة البقرة: “…ڪُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡہَا مِن ثَمَرَةٍ۬ رِّزۡقً۬ا‌ۙ قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُ‌ۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَـٰبِهً۬ا‌ۖ…” = كلّما رُزقوا من الماء و اللبن والخمر و العسل … في الجنّة، قالوا هذا الذي رُزقنا من قبل = الماء و اللبن و السَكرْ (الخمر) و العسل في الأرض.

“…و أُتوا به متشابهاً…”: الماء و اللبن و الخمر و العسل في الجنّة = الماء و اللبن و السَكرْ (الخمر) و العسل في الأرض، نفس الخيرات في الأرض = نفس الخيرات في الجنّة.

آية (25) من سورة البقرة: “…وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَاجٌ۬ مُّطَهَّرَةٌ۬‌ۖ…” = آية (15) من سورة محمد: “…و لهم فيها من كلّ الثمرات…”

أزواج مطهّرة = أنواع مطهرّة من الأكل و الشرب و الثمرات الخ… و ليس من النساء كما تقول كتب الأحاديث الخبيثة، لقد جعلوا و وصفوا أئمّة الكفر و الضلالة جنّة الله الطاهرة بأماكن للدعارة، تعالى الله عمّا يصفون.

:الدليل الثالث )3

سورة النساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴿٤٣﴾.

إذا قرأنا آية 43 من سورة النساء نجد فيها أمراً من الله تعالى للّذين آمنوا بأن “لا يقربوا الصلواة و هُمْ سُكارى حتى يعلموا ما يقولون” أي “إلى أن يعلموا ما يقولون”. في هذه الآية نجد و بوضوحٍ تام أنَّ الهدف من منع الّذين آمنوا القُرْبْ من الصلواة وهُمْ سُكارى هو أن لا يقولوا شيئاً من دون عِلْمْ. لذلك وضع الله تعالى أداة الشَّرْط “حتّى” لِكي يُعلِم الّذين آمنوا أنهم يستطيعون أن يقربوا الصلواة فقط في حال إستطاعوا أن يأخذوا ويتعلّموا عِلم ما يقولون عن كامل معرِفة وليس عن جهل أو عن نُقصان عقل، أي فقط بهدف أن يُطهروا أنفسهم بالصلواة أي بالقرءان. لأنَّ الإنسان الّذي يكون في حالة السُّكْرْ لا يكون صاحِيَ العقل، بل مُخدّر العقل أو مأخوذ العقل أو مسلوب العقل أي ناقص العقل، فلا يكون بحالة الوَعْيْ الصحيح الكامل الّذي يُتيح له أن يقرب الصلواة أو أن يفهم الصلواة أو أن يتدبر الصلواة، أي لا يكون بحالة الوعي الصحيح أو بالحالة الصحيحة الّتي تُتيح له أن يُطهِّرَ نفسه، أي لا يكون بالحالة الصحيحة الّتي تُتيح له أن يأخذ عِلْمْ القرءان أو يتحدَّث بِهِ، لأنه سوف يقول أو يتكلم بجهل من دون علم.

كيف يكون الإنسان سكراناً أو مُخدَّر العقل؟ يكون سكراناً إمّا بالمعنى الظاهِرْ أو بالمعنى الباطن أي بالمعنى التشبيهي. في هذه الآية لم يُحدِّد الله تعالى مِنْ ماذا يكون الّذين آمنوا “سُكارى”، فمثلاً لم يَقُل الله تعالى “وأنتم سُكارى من شرب الكحول”، بل قال فقط “و أنتم سُكارى”، مِمّا يدلُّنا على أن كلِمة “سُكارى” لا تؤخذ بمعنىً واحِدْ أي بالمعنى الظاهِرْ الّذي يعلَمُهُ عامَّة الناس. فالسكران ليس بالضروري أن يكون سكراناً فقط من شرب الكحول. إنَّ كل إنسان يتبع الحياة الدنيا شَبَّهَهُ الله تعالى في هذه الآية الكريمة بالسكران لأنه يكون مُخدّراً أو مأخوذاً أو مسلوب العقل، إمّا بِحُبِّهِ لِلمال، أو للجاه، أو لِلمَركز، أو لِدينِهِ الباطل الّذي يَتَّبِعَهُ، أو لغرائِزِهِ وشَهَواتِهِ وأهوائِهِ، أو لِعاداتِهِ وتقاليدِهِ، أو بحبه للظلم والفساد، أو بحبه للسيطرة في الأرض، أو بأنانيَّتِهِ، أوبتكبُّرِهِ، إلخ..

هذه الآية هي في الحقيقة أمرٌ من الله تعالى لكل إنسان مُخدَّرَ العقل أو لِكُل إنسان مشغول بالحياة الدنيا ولا يُريد أن يُطهِّرَ نفسه، بأن لا يقرب القرءان، لأنه لن يستطيع أن يَتدبره، بل سوف يتَحَدَّث بِهِ من دون أيِّ عِلمٍ أو مَعرِفة أي بِجهل، وسوف يُحرِّفُ بآياتِهِ على هواه ويتخذها هُزُواً ويلهو ويخوض ويلعب ويستهزىء بالله وبآياتٍهِ وبرسولِهِ. وهنا يُريد الله تعالى أن يقول لنا بوضوحٍ تام، أننا إذا أردنا أن نتعلم الصلواة ونُقيمها أي أن نتعلم القرءان ونُقيمُهُ، فهدفنا من ذلك هو طهارة أنفُسنا من أي تأثير في حياتنا يستطيع أن يُأثِّرْ على عقلنا وقلبنا لكي لا

نتحدث بالقرءان بغير علم ولا هُدى ولكي لا نستهزىء بالقرءان، إن كان هذا التأثير ظاهراً أم باطناً، لكي لا نُضِلّْ عن سبيل الله، ولكي لا نضل الآخرين عن سبيل الله. وإنَّ قول الله تعالى في هذه الآية: “حتّى تعلموا ما تقولون” تعني “حتّى تُطهِّروا أنفسكم”، أي “حتّى تغتسلوا”. لقد سمح الله تعالى لنا في هذه الآية القُرب من الصلواة فقط في حال أردنا بكامل إرادتنا وعقلنا أن نأخذ ونتعلَّم علم ما سوف نقوله، أي هو فقط بهدف أن نتدبر الصلواة، مِمّا يدلنا على أنَّ الصلواة هي القرءان، لأن القول الّذي علينا أن نعلمه أي أن نتدبَّرُهُ هو قول الله تعالى أي آيات القرءان. في هذه الآية ينهانا الله تعالى عن القرب من القرءان، أي عن تَعَلُّم القرءان وإقامَتِهِ إذا كنا سُكارى أي مأخوذين بتأثير الحياة الدنيا، وليست لدينا الرغبة في تطهير أنفسنا.

الدليل على أنَّ الّذين هم سُكارى ليسوا سُكارى من شرب الكحول نجده فيما يلي:

  • سورة الحج:

سورة الحج يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُمْ بِسُكَارَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢).

في آية 2 شبَّهَ الله تعالى لنا الناس من الّذين كفروا بأنهم سُكارى من عذابِهِ الشديد. إذاً فإنَّ عذاب الله الشديد يُسْكِرُ الإنسان من شِدّة الألم الّذي يشعر بِهِ.

  • سورتَيْ ق والأنعام:

سورة ق :وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴿١٩﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴿٢٠﴾ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿٢١﴾ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴿٢٢﴾.

سورة الأنعام وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴿٩٣﴾.

في آية 21 من سورة ق قال الله تعالى: “و جاءت سكرة الموت بالحق”.

وفي آية 93 من سورة الأنعام قال الله تعالى: “ولو ترى إذِ الظالمون في غمرات الموت”.

إذا قارنا هاتان الآيتان نجد تشابهاً كبيراً بينهما يُعطينا معنى سكرة الموت في سورة ق. الغمرة تعني الشِّدّة، وغمرات الموت تعني مكارهَهُ وشدائِدَهُ. إذاً في هذه الآية من سورة ق شبَّهَ الله تعالى لنا سكرة الموت للإنسان الكافِر بغمرات الموت أي بالمصاعب والشدائِد والمكارِه.

  • سورة المؤمنون:

سورة المؤمنون:يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿٥١﴾ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿٥٢﴾ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٥٣﴾ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴿٥٤﴾ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿٥٦﴾.

إذا تدبرنا تلك الآيات البينات، نجد أنَّ “غمرتِهِم” في آية 54 هي تحريفهم لكتاب الله وصناعتهم للأديان الباطلة والفِرَقْ والأحزاب بواسطة كتابتهم لأحاديث وأقاويل كاذبة. وهي أيضاً حبِّهم لدينهم الباطل ولجماعتهم وفرقتِهم وحزبهم (دينهم الّذي ينتمون إليه)، ظناً منهم أنَّ الله يُحبهم ويقبل دينهم، لأنه يُعطيهم كثرة المال والبنون والخيرات، وظناً منهم أنهم مهما فعلوا في الأرض سوف تكون الجنة لهم في الآخرة. إذاً فإنَّ “غمرتِهِم” هي سكرَتِهِم بزينة الحيواة الدنيا، كفرحِهِم بدينِهِم الّذي ينتمون إليه، أوكحُبِّهِمْ لِمِلَّتِهِمْ ولجماعَتِهِم، أوكحبهم للمال والبنون والسلطة والعِزّْ إلخ، أي حبهم لجميع أنواع الشهوات التي تُعطيهم الخيرات في الأرض من أجل تمتعهم بالحياة الدنيا وتفضيلها على الآخرة.

  • سورة الحجر:

سورة الحجر :فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ﴿٦١﴾ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ﴿٦٢﴾ قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿٦٣﴾ وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴿٦٤﴾ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴿٦٥﴾ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ﴿٦٦﴾ وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ﴿٦٧﴾ قَالَ إِنَّ هَٰؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ ﴿٦٨﴾ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ﴿٦٩﴾ قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٧٠﴾ قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴿٧١﴾ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿٧٢﴾ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴿٧٣﴾ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ﴿٧٤﴾.

في آية 72 قال الله تعالى: “لعمرُكَ إنهم لفي سكرتهم يعمهون”.

إذا تدبرنا جميع تلك الآيات البينات، نجد أنَّ سكرة قوم لوط في آية 72 هي تأثير قوم لوط بحبهم للحياة الدنيا، الّذي أدى بهم إلى الفساد وارتكاب الفواحش وفعل الخبائِث. لقد كان قوم لوط مأخوذي ومسلوبي العقل والإرادة والقلب بسبب حبهم للشهوات من الرجال، مما أدى بهم إلى حب وتفضيل الحياة الدنيا على الآخرة، فأدى بهم بالتالي إلى عدم طهارة أنفسهم وإلى عدم التوبة، فاختاروا الفساد في الأرض بدلاً من الإصلاح. إنَّ سكرة قوم لوط هي واحدة من أنواع وأمثال كثيرة ومختلفة للسُّكْرْ، فهناك أنواع وأمثال كثيرة تُسكِرْ الإنسان الكافر، بمعنى أنها تأخُذ قلبَهُ وتُسيطِر على عقلِهِ. مِثالاً لذلك ما ذكرتُهُ لكم سابقاً في آية 53 إلى 56 من سورة المؤمنون.

 

4) الدليل الرابع: سورة النساء من آية 43 إلى 58:

سورة النساء :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴿٤٣﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴿٤٤﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ

نَصِيرًا ﴿٤٥﴾ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٤٦﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴿٤٧﴾ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ﴿٤٨﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴿٤٩﴾ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ﴿٥٠﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴿٥١﴾ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴿٥٢﴾ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴿٥٣﴾ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴿٥٤﴾ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴿٥٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿٥٦﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴿٥٧﴾ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿٥٨﴾.

إذا قرأنا بتتابع آيات سورة النساء من آية 43 إلى 58 وربطنا تلك الآيات ببعضها بتدبر، نجد دليلاً قاطعاً على أنَّ آية 43 ليس لها أي دعوة بتحريم الخمر (ولا بالوضوء المزعوم أو إقامة الخمس صلوات فرض)، ونجد دليلاً قاطعاً للمقصود به من معنى “سُكارى” الّتي وردت في آية 43. بل نجد تأكيداً واضحاً على أن الغسل أو المسح من السكر أو النجاسة أو الوساخة هو في الحقيقة طهارة النفس، وعلى أنَّ الهدف الوحيد الّذي نستطيع من أجله أن نقرب كتاب الله أي أن نتقرب من كتاب الله هو لطهارة أنفسنا من الذنوب، أي هو بهدف إخلاص الدين لله وليس بهدف التحريف والضلالة والإستهزاء بكتاب الله والتكذيب بآياته بالكفر والنفاق والإشراك بِهِ.

:ما ذكرتهمن خلاله الدليل القوي يُثبت لكم فيها نجد حيث البينات تلك الآيات مجدداً تعالوا معاً نتابع

سورة النساء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا

صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴿٤٣﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴿٤٤﴾ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا ﴿٤٥﴾ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٤٦﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴿٤٧﴾ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا ﴿٤٨﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ۚ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴿٤٩﴾ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ﴿٥٠﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴿٥١﴾ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴿٥٢﴾ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴿٥٣﴾ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴿٥٤﴾ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴿٥٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿٥٦﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴿٥٧﴾ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿٥٨﴾.

من خلال تلك الآيات البينات نجد دليلاً واضحاً على أنَّ القرب من الصلواة أي من القرءان لا يكون إلاَّ بعدم إتباع الّذين أوتوا نصيباً من الكتاب لكي لا نضل عن سبيل الله. ولا يكون إلاَّ بعدم تحريف الكلم عن مواضعه، أي بعدم تحريف معاني آيات القرءان من خلال الأحاديث والتفاسير الكاذبة. ولا يكون إلاَّ بإيماننا بآيات الله. ولا يكون إلاَّ بعدم الإشراك بالله من خلال إيماننا بأحاديث وأقاويل بشر و باتباعنا لأديان باطلة. ولا يكون إلاَّ بعدم تزكية أنفسنا من خلال أديان باطلة كالدينين السني والشيعي وكأديان أخرى باطلة كثيرة. فالله هو وحده الّذي يُطهرنا من خلال آياتِهِ وليس دين البشر الّذي يُعطينا الطهارة. ولا يكون إلاَّ بعدم الكفر بآيات الله. ولايكون إلاَّ بالإيمان بالله والعمل الصالح.

ولا يكون إلاَّ بتبليغ الأمانات إلى أهلها وبالحكم بين الناس بالعدل، أي لا يكون إلاَّ بهدف طهارة أنفسنا، أي بهدف إخلاصنا الدين لله.

في تلك الآيات البينات نجد خطاباً مباشراً من الله تعالى للذين أوتوا الكتاب أن يُطهروا أنفسهم بإيمانهم بالقرءان مُصدِّقاً للتوراة والإنجيل. ونجد أيضاً تذكرة من الله تعالى لهم ولنا على أن نطهر أنفسنا بإتباعنا القرءان. ونجد أيضاً إنذاراً وتحذيراً منه موجهاً لأهل الكتاب ولنا لعدم الكفر أوإفتراء الكذب عليه. ونجد أيضاً تبشيراً منه بالجنة. فما هي إذاً علاقة الوضوء المزعوم والخمس صلوات فرض وتحريم الخمر بتلك الآيات البينات؟

5) الدليل الخامس:

سورة النحل وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَڪَرً۬ا وَرِزۡقًا حَسَنًا‌ۗ إِنَّ فِى ذَالِكَ لَأَيَةً۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَعۡقِلُونَ (٦٧).

إنَّ قول الله عز وجل في آية 67 من هو أكبر دليل على أنَّ السَكَرْ الّذي هو الخمر ليس مُحرّماً إذا ما استخدمه الإنسان بعقل أي من دون إسراف (مبالغة)، بدليل قول الله تعالى: ” إِنَّ فِى ذَالِكَ لَأَيَةً۬ لِّقَوۡمٍ۬ يَعۡقِلُونَ”، لأنَّ الإنسان العاقل هو الّذي يتعقَّل في كيفية شُربِهِ للخمر فلا يُجحف فيه فيقع في الإسراف.

أمّا إذا ما استخدمه الإنسان بإسراف وإجحاف من دون عقل أو تعقُّلْ (من دون حدود) فسوف يؤدي به إلى فقدان العقل والصواب وبالتالي إلى أضرار مختلفة ومتنوعة لها تأثيرات سلبية كثيرة على المجتمع والناس كالعداوة والبغضاء، وكالفحشاء والمنكر والبغي بسبب الصّدّ عن سبيل الله (الصدّْ عن سبيل الخير والإصلاح) وبسبب الصدّْ عن الصلواة (الصدّْ عن القرءان بعدم تطبيق آياتِهِ الّتي تنهانا عن الفحشاء والمنكر والبغي)، فيُصبح ضرره على الآخرين هو رجس من عمل الشيطان وعلينا اجتنابه، لأنه يكون في قيد العقل والصواب فيصبح في قيد فقدان العقل والصواب وبالتالي في قيد الشيطان (الشر)، بدليل قول الله تعالى في آية 90 و91 من سورة المائدة:

سورة المائدة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٩٠﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴿٩١﴾.

6) في الختام:

إنَّ كل شيء أو أمر أعطانا الله عز وجل إيّاه يكون حلال في حال استخدمه الإنسان ضمن الحدود الّتي أمر بها الله بالميزان من دون تخطي لتلك الحدود أو إخسار للميزان. أمّا إذا ما استخدمه الإنسان خارج عن نطاق حدود الله فأخسر الميزان فيُصبح من المُحرمات والمنكرات. مثالاً لذلك المال وأمثلة أخرى كثيرة، فالمال يكون حلالاً إذا ما استُخدِمَ في سبيل الخير والإحسان والعدل والإصلاح أي بالحق، ولكنه يُصبِح حراماً إذا ما استُخدِمَ في سبيل الشر والإسراف والبُخل والظلم والفساد أي بالباطل.