ناجح المعموري :

لابد من الإمساك بالشعر المختفي في الصورة ، هو شعر كثير، عميق، وبليغ ولا حضور للصورة بعيداً عن الشعر. هذا الفن السهل والصعب هو الذي يمنح الأنواع صفتها البليغة، فالشعر كامن في تفاصيل الفوتوغرافيا وهي تفاصيل كثيرة جداً فيها زوائد وحواجز. زوائدها قليلة وحواضرها كثيرة، خصوصاً لتلك التي لها علاقة بالجسد. وما يعنيه الجسد معروف ويومئ للنوع انه الجسد الايروتيكي. وينفتح هذا نحو ثنائية الذكورة / الأنوثة… لكن دلالة الجسد المقصود بالفوتوغرافيا هو الايروتيك / لوعة الأنثى وحضورها المستمر. الايروتيك، ذكوري / أنثوي ويتوزع الشعر بينهما، يستيقظ خاطفاً، مبرقاً، يومئ للغائب / المختفي، من اجل أن يطول بأن الشعر هو الحضور، والموجود هو الثنائي / الذكوري / الأنثوي، لأن الواحد منهما لا يقوى على اقتراح الكينونة الهايدجرية، للجسد حضور وفلسفة جديدة، وإعلان عن شعرية متسامية، هي نتاج الفلسفة المعاصرة التي قال بها المفكر الفرنسي الآن باديو، الذي ذهب باتجاه قلب ما تعارفت عليه الثقافة والمعرفة منذ لحظة ” مدح الحب ” ما هو المطلوب لأنه يقود نحو الايروتيكا، انه مدح العاطفة التي تذهب بعيداً ولا تتعطل عن تبادلها للحسيات وقد اخترق هذا المفكر ثوابت هايدجر حول الكائن والكينونة وأخذ العقل المعرفي نحو الكائن والحدث، وهو أمر معقد للغاية وأثار إرباكا ثقافياً، واستولد حواراً صامتاً حول إلغاء / أو تعطيل هايدجر من خلال كينونته وسحب مفهوماً صراعياً وحدثياً، فاعلاً ومفعولاً به، ليدخل فضاء الجدل، ليقول لنا بأن الحدث، هو البديل للكينونة، يتمظهر عن الثورة / العاطفة الحب، لذا كان الحوار مع الآن باديو عن مدح الحب، هو الإعلان عن انتصار الحدث على الكينونة الهايدجرية.
الثورة / والعاطفة، معاً ذهبا بما هو مستقر في الثقافة والمعرفة، لكن هذا لا يعني بأننا نلقي المستقر بالتداول والاتصال المتعارف عليه بين الأفراد والجماعات التي لها حضور حتمي، وجوهري، لأنها ـ الجماعةـ توفر ما يساعدها على التواجد والحضور، مثلما يساعدها على التباين مع الماقبل . واعني به هو أن الاختلاف حلقة ضرورية ومركزية، ولكن تشترط حضور العقل والمجاورة التي تأخذ المختلف نحو المحاورة التي تأخذنا باتجاه وتأكيد الاختلاف فالثقافات متعددة ، وهذا أمر معروف ومعترف به، لكن يشترط تعدد الثقافات تحقق حوار حضاري يتمتع بآفاق واسعة جداً .
فالتعدد الثقافي، هو تنوع معرفي / ديني، ويستحضر وجود تباين بين التعددات / والتنوعات، لكنه ـ التنوع ـ لا يخصي الحراك والسيرورة المتحركة باستمرار .
***********************
قال الآن باديو بأنه ناقش نص اندريه بروتون خفايا 17 ” فالحب كما قال الآن باديو هو الاستعارة . ومعروف بأنها مفتوحة وغير مغلقة، فالحب، هو العاطفة التي أشار لها باديو بوصفها الحدث، أي الكينونة بمفهوم هايدجر .
نحن نذهب نحو الانغلاق / الانفتاح، هذا التضاد الملحوظ والمعروف هو الذي يأخذ المخفي في شفرات الكائن لإعلان صحوة وحضور مدح الحب / العاطفة التي زاحمها فيلسوف الكينونة وعلاقتها بالزمان والوجود وما فعلته من تحولات خطيرة وسريعة في الثقافة والفكر / والفلسفة التي دائماً ما تومئ بأن الباب مغلق / مسدود لأنها ـ الفلسفة ـ شفرية صعبة / معقدة ومن اجل أن نتوصل الى الشفرات المحملة بالرسالة علينا الإعلان عن طاقة المسكوت عنه / المخفي / البياض المتمظهر بالرقيات المتآكلة…. وكل ما ذكرت وأكدت عليه، يجب الذهاب الى أن الايروتيك سرير / فراش وغطاء ، وحضور ثنائية الذكورة / الأنوثة. مثلما هو تخيلات / تصورات تستعيد تحققات واستذكار شعريات بتلك اللحظات الخاطفة، لكنها باقية كامنة، تستيقظ سريعاً عند خطفة الانثى .
السرد كامن في الفوتوغرافيا وضروري التذكير -وقد نشرته في احد أعداد تاتو-  فالإشارة للعلاقة القائمة بين الكائن والكينونة هي التي تمنح الكائن دوره الحيوي، وتجعله فاعلاً في مجاله الخاص . وهذا لا يوجد منعزلاً عن أشيائه وموجوداته المعبر عنه ، حتى في لحظة غيابه أو تغيبه . والتغيب يضفي عليه نوعاً من السرد التراجيدي لأن العلامات حسب مفهوم بارت هي عديد من الأشكال. والقراءة لا تبحث عن الشكل، لانه يزاول نوعاً من الكبت ويؤثر هذا أيضاً في نوعية السرد وعمقه. اختفاء السرد في عمق الفوتوغرافيا نوع من الاحتفاء بالجسد، ويوفر هذا الكمون فرصة للمتلقي من اجل تحفيز طاقته في النبش والحفريات .
الزمن قائم في الفوتوغرافيا، مختلف، مكتف بعلاقة ما، أو رمز سريع هو الذي يعطي للسرد فاعليته، فالزمن جوهر السرد، وكذلك هو طاقته، ويتداخل الزمن الظاهر مع الأخر المختفي واعني به الداخلي الملغز عبر شفرات الصورة وهذه دائماً ما تكون صامتة وهامسة وشعريتها هكذا .
الجسد هو الذي يومئ للجنس ويأخذ المتلقي نحو الكينونة، ليفحص جيداً تحققات بعض التنوعات التي توفرت بين الاثنين. الجسد / الآخر / الذي يرتضي أن يتحول ويأخذ دور غيره . ويلتقيان برسالة آدمية عالية، تؤكد على أن ثنائية الجسد، إعلان عن الحرية والذهاب نحو ممارستها لاختبار طاقة الرضا بالحب، الذي يعني ابتكار الحياة كما قال الآن باديو وله ـ الحب ـ تأثير انطولوجي كما قال لا كان، وأهم ما فيه لتأكيد على الغيرية وحضورها ومثل هذه اللحظة عند تحققها تفضي نحو الوجود الذي يتمتع به الآخر. من هنا تكررت موضوعة الآن بادية المثيرة والمختلفة مع هايدجر حول الحدث ودور الكائن فيه. لأنهـ الحب ـ تعددي، بمعنى ثنائيته. وحتى يعيش الإنسان حياة لائقة، ممتلئة، لا يشعر فيها الإنسان بالغربة توجب عليه ممارسة الحب والتعود على ابتكاره من جديد. أي لابد وان يتمتع الكائن بقدرة / مهارة على الابتكار والوصول الى حب مختلف عما كان معروفاً. فالحياة تفارق نمطها إذا وجدت الحب متجدداً ونازعاً قشرته التقليدية .
الحب في الفوتوغرافيا صامت ، لكن فياض بالشعرية التي يختلف من يراها بمكامنها . الحب دعوة للحرية وبناء لها . وهو أيضا صريح ، وغير مشكوك به والرضا به ذهاب نحو الموت ، انه أسرع تبديات العلاقة الحسية وعلينا أن نستعيد مقولة الآن بادية الشهيرة : الحب ابتكار للحياة . الفوتوغرافيا لغة ودائماً ما ترتبط اللغة والشعر بالحب ، تمنح الجسد في غيبوبات المدن قداسته ومهابته . أي متعة متسامية تلك التي تأخذ الاثنين في خطف زمن يفارق فيه الكائن إحساسه بالوجود كله ؟ هل هي غائبة تلك اللحظة ؟ أم حاضرة ؟ اعتقد بأنها غائبة وحاضرة . غائبة لان المغمور في الحب لا يعي شيئاً . الآن انه يعرف بالذهول وحضوره ” فالحب فكرة وان العلاقة بين تلك الفكرة والجسد علاقة فريدة تماماً ويعلمها دائماً كما يقول انطون فيتز : العنف الجامح . نختبر هذا العنف في الحياة . وحقيقي جداً أن الحب كما يمكن أن نلاحظ ليس نهراً طويلاً هادئاً …. الحب تراجيدي ، ورفض ، وغضب كذلك . أن العلاقة بين المسرح والحب هي كذلك علاقة اكتشاف للمتاهة التي تفصل الأفراد . ووصف كهشاشة الجسر الذي يرميه الحب بين كيانين منعزلين . لابد أن نعود دائماً الى هذا السؤال . أي فكرة تتكشف روحه وجيئة بين جسدين يمارسان الجنس / الآن باديو / في مدح الحبّ / ت : غادة الحلواني / دار التنوير / لبنان / 2014/ ص111//
تأخذ الفوتوغرافيا دائماً نحو فعالية الجسد وحضور الساكن وهنا فيضان الدهشة المسكوت عنها . انه حضور مبتكر ومعاود حتى الابد ومثلما قال رامبو : يجب أن نبتكر الحب من جديد….

((المدى))