كأنّني هو، عندما أقفز من بطاقة الهويّة وأركض مبتعدة عن أناي لأقترب منّي أكثر حدّ الالتصاق، يشبهني بدهشة توأم رأى أحدهما الآخر فظنّ أنّها المرآة تمارس انعكاسها وإذا ما سألوني عند الحاجز عن كينونتي كنت أتلفظ باسمه وأصف لهم تناقضنا الجميل فيصدقني الجندي ويضحك كثيرا، ثمّ يهزّ رأسه ذات اليمين وذات الشّمال ويتلقفني بنظرة شفقة، يكتب في دفتره “مجرّد مجنونة” يؤشّر للطريق الموصدة فتدعني أعبر إلى الضفّة الأخرى حيث هو يمارس طقوس الانتظار، أراه قبل الوصول بقليل فأقف مندهشة “أقسم أنّني هو” حتّى ظلّه يبادلني الصّفات ذاتها والحلم نفسه. كأنّه أنا، عندما يولد من ضلع مستقيم الاعوجاج وعندما أتكرّر في الصّور كبيت مكرّر في قصيدة نزاريّة فأسأل الحبر والورقة والحرف، أتراه يقصدني عندما يضيف تلك “الها” في آخر الكلمة؟ أتراه يربطني بالتّاء المربوطة في آخر اسمي ونحن من اعتدنا تجاوز الأسماء والألقاب والخروج من الماهيات والتّعريفات، هو من علمني كسر القوالب والخروج من سجن جسدي لأعيش حياتي الطيفيّة وأرفض الانسكاب داخل الصّور فعدسة آلة التّصوير لا تقوى ولا تتجرأ القبض على كلينا ونحن نهرب من جيوب البذلة الرسميّة ونكون في السّراب كحلم كابوسي بعيدا عن كينونتهم وعن قواعد الانتماء، وصفة التّكوين تركناها تكمل نضجها النّاقص وواصلنا السّير باتّجاه بعضنا البعض ننغمس في تناقضنا الظّاهر وانسجامنا المستتر والمستحيل، نحن ضمير مستتر لا يخضع لضوابط الإعراب ولا للتّصريف ولا للاتزان بميزان الخليل، ككفّة متأرجحة بين الثّقل والخفّة، أشكّ وبحدّة في أنّه كان مرآتي اللاكانيّة عندما حاولت ملامستي بأصابع الذّات واحتمالات الوجود، كما أشكّ وبنفس الحدّة في أنّني أنجبته في زمن آخر غير ذاك المحصور في دائريّة السّاعة ودقّات العدم، قبل المخاض وبعد الرّضاعة، هو جنيني الذي أجهضني لأكونه وليكونني، هدهدني في سرير العبث ليركل بي غصّة المجاز، ولأعيش وإياّه بعيدا عنكم وداخل النّص. كأنّنا نص لم يكتب بعد، عالقا في استقامة القلم وفي لامعقوليّة الكناية –حقيقة- لم يكن يشبهني البتّة، أنا من كنت أتشبّه به.

((الأوان))