ما بدا نصرا وفتحا مبينا انتهى بقبضة معاوية، ولا ينال من عظمة الرسالة أن يؤول الأمر إلى ابن هند آكلة الأكباد، ثم إلى ابنه وحفيده، وقد استباحوا دماء أحفاد صاحب الرسالة، وقذفوهم بالكفر.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من انتصار القوى المضادة لثورة 25 يناير 2011 مرتين، بعد 11 فبراير 2011، وبعد 30 يونيو 2013. ولا أحب وصف هذه القوى الكارهة للتغيير بأنها “ثورة مضادة”، فكلمة “ثورة” أكثر نبلا من أن تضاف إلى كارهيها وصِفاتهم. وكان صديقي الشاعر أسامة عفيفي، الذي غيّر عنوانه في 16 يوليو 2017 بعد عشرة أيام في الغيبوبة، متفائلا بما ترتب على 30 يونيو، ويقول إن ما جرى محطة مهمة في طريق الاستقلال الوطني. زلزال نسف خرائط أعدت للمنطقة، ويرى أنني أحمّل 30 يونيو فـوق ما تحتمل، وأنتظر منها تغييرا سريعا وعاصفا مثل ثـورة 23 يوليو 1952، وأن عبدالفتاح السيسي ليس جمال عبدالناصر، وأن سياسات الدول لا تشرح في صفحات فيسبوك، بل إن عبدالناصر نفسه اتهم بالخيانة بقبوله مبادرة روجرز عـام 1970، ولم يكـن من الحكمة التصريح بأنها “هـدنة”؛ لاستكمال بناء حائط الصواريخ استعدادا للمعركة.

كان أسامة عفيفي نموذجا للضمير اليقظ، يحرص على انتقاد مقالاتي بمجرد نشرها في صحيفة “العرب” كلما قلت إن الثورة فشلت، رافضا النظر إليها كقصيدة رومانسية، ولكن لها أثمانا وتفاعلات معقدة، ومسارات تتلكأ حينا ثم تحفر لنفسها مجرى لا يتوقعه أحد. ولم يفقد الإيمان بقدرة الشعب على استرداد ثورته في توقيت يحدده، كما ظل حريصا على تنبيهي إلى ما يراه قسوة أستهدف بها من يثورون بعد الثورة، ومن مواقع الأمان تحلو لهم المزايدة، وهم من بقايا المتعلّقين بذيل فستان سوزان مبارك، وممن لهثوا للحاق بموكب فاروق حسني لكي يلمحهم عرَضا في افتتاح معرض، فينعم عليهم بشيء من عطاياه وما أكثرها.

يذكّرني أسامة بقولي ذات مرة “الثورات يذهبن السيئات”، وأرد “لو نجحت”، فنبدأ النقاش من الصفحة الأولى، علي أحذف ما يراه مسيئا إلى “فلول” يشعر تجاههم بضعف إنساني، هؤلاء الذين تخلوا في اليوم التالي لرحيله عن معنى الوفاء.

لم يكن أسامة يقرب الخمر، وله في هذا مبدأ بسيط ومضحك لا مجال له الآن، ولم يمهله القدر لكي يدرك مسخرة حملت في مواقع الأخبار عنوانا غير مهني “سقوط شخص بحوزته زجاجات خمور”، في محطة السكك الحديدية بمدينة الأقصر، الأسبوع الماضي.

قارئ هذا العبث يظن مصر محكومة بالدواعش، وإذا سمع الخطاب الرئاسي يتأكد له هذا الظن، فبدلا من الاحتكام إلى دستور ينص على محاسبة رئيس الدولة، يحيل عبدالفتاح السيسي تقييم أدائه إلى العدالة في الآخرة، وأن الله وحده من يحاسبه، والراصد لأغلب خطاباته يحسبه واليا على إمارة إسلامية. خطاب السيسي كاف لإلهام رجـال الشرطة في مجتمع متأسلم، فيفرحون بما يسمونه “سقوط” مواطن يحوز زجاجة خمر لا يجرم القانون شربها ولا حملها.

ولا يعرف قاسم حسين، وهو اسم لواء شرطة يعمل مديرا للإدارة العامة لشرطة النقل والمواصلات في مصر ولا علاقة له بقاسم سليماني، أن البيرة المصرية “ستيلا” صناعة وطنية راسخة، قديمة قدم العبادات وتقديم القرابين في المعابد، ولا ترتبط بالمجون.

وكانت الصحف تنشـر إعلاناتها مـن دون حرج أو اتهام المنتج أو المستهلك بما يراه أي جاهل سقوطا. أحد إعلانات صحف النصف الأول من القرن العشرين يحمل عنوان “الوطن يناديكم.. ساعدوا بلادكم اقتصاديا”، ويقدم الإعلان تفسيرا لهذا الشعار/ الإعلان بأن “نداء الوطن تردد صداه في مجلس النواب”، ثم يحث الشعب على تناول “البيرة المصريـة”، “فأقبلوا عليها ولا تشربوا سواها، فذلك واجب الوطن، والوطن فوق كل شيء”.

ولكن رجال الشرطة، الذين فشلوا في معرفة مكان اختباء وزير الداخلية الحديدي السابق حبيب العادلي الهارب من تنفيذ حكم قضائي، نجحوا في مغازلة مجتمع أرهقه النفاق الديني والاجتماعي، فأعلن قاسم حسين عن تحرير محضر للمواطن الذي عثر معه على زجاجتي خمر، تمهيدا لعرضه على النيابة.

لم يكن “المتهم” ثملا، ولا متحرشا بامرأة في بلد يتصالح فيه التديّن الشكلي مع أعلى المعدلات العالمية في التحرش، ولا يقتصر على اللفظ واللمس، وإنما يتعداهما إلى القتل.

ففي الأسبوع الذي فرح فيه اللواء قاسم بالقبض على مواطن مسكين يجد في زجاجتي خمر بعضا من العزاء، لم تنتبه الشرطة في منتجع الغردقة السياحي إلى شاب طعن سائحتين فقتلهما، ثم سبح باطمئنان إلى فندق آخر لكي يطعن أربع سائحات أخريات، في غياب شرطة “النهي عن المنكر”، والمنكر في الاصطلاح الشعبي المصري يشير بسخرية لاذعة إلى الخمر والعياذ بالله.

رجل الشرطة يفترض أنه درس القانون، ويعرف الإجراءات الجنائية، وأن في صيغة “نجاح الشرطة في العثور على زجاجتي خمر” مخالفة إجرائية وانتهاكا للحرية الشخصية.

وفي هذه “الخَنْقة” العامة لا أملك من خلوّ البال قدرة على المناهدة لطمأنة الخائفين على الدين من زجاجتي خمر في حقيبة، وربما أزعجُهم بأن الخمر لم يحرّمها نص قرآني قطعي الدلالة، وأنني أحفظ الآيات التي تحث على اجتنابها.

وما يقال عن تحريم الخمر تأويلات بشرية قياسية، في مقابل فتاوى كثيرة تبيحها.

ووفقا للقانون الوضعي والفقه السلفي أستشهد بعمر بن الخطاب الذي اقتحم بيتا في ساعة صفاء، وضبط صاحبه وضيوفه في حالة تلبس بأكثر من زجاجتين، فما كان من رب البيت إلا أن واجه أمير المؤمنين بخطابه نفسه “أتينا واحدة (الخمر)، وأتيت ثلاثا”: قال الله “وأتوا البيوت من أبوابها”، وأنت تسلقت السور، وقال “لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها”، وأنت لم تسلم، وقال “ولا تجسسوا”، وأنت تجسست. فصمت عمر، وانصرف مقرا بأخطائه، وأرسى دعائم قانون الإجراءات الجنائية.

لم يكن في وجود الخمر مشكلة في التاريخ الإسلامي. في مراحل الصعود الحضاري لا تؤثر الخمر على صلاح الدنيا والدين، أما تحريمها فيرتبط بأزمنة الانحطاط التي تمارس العدوان على الحريات الشخصية. وفي الدول التي تخلصت من شبهات الحكمين العسكري والديني لا تعجز الشرطة عن القبض على وزير مطلوب للعدالة، ويكون من المساخر الموجبة للعرض على طبيب نفسي أن يعلن لواء عـن نجاح رجاله في ضبط زجاجتي خمـر بعـد “سقوط” حاملها. أمـا الذي أوصلنا إلى هذه الكوميديا فأرجئه أسبوعا للتدبر.

روائي مصري

سعد القرش

 ((العرب))