كيف نتغلّب على الألم؟ لا نتغلّب على الألم. نأتي إليه بالأمهات أوّلاً. بالآباء الأمهات. نتعايش معه. نضحك له. نهدهده. ندجّنه. نأخذه في نزهات. نلهّيه بالقصص والحكايات والخرافات والأساطير. نحمّمه. نشمّسه. نضمّخه بالزوفى والناردين. نصنع له عرزالاً في الصيف. نمشّيه تحت المطر. نُجلِسه على ضفّة نهر. تحت شجرة. نرقّصه. نستدرج له جوقة ثعالب وجوقةً مماثلة من العصافير. نقطف له العنب والتين. نهدي إليه النبيذ الفرنسي باباً أوّل. زجاجات ويسكي غير معلومة من العامّة، تقدمة صديقي الأعزّ من آل الحلو، موصى عليها مباشرةً من معامل سكوتلندا المخصصة للـvip. نُشرِّبه العَرَق البلدي المثلّث، صناعة آل حاوي وآل سابا وآل بدوي. نُسمِعه قناة “متزو”. السمفونية التاسعة. كارمينا بورانا. إديث بياف. جاز لويس أرمسترونغ. نُقرِئه شكسبير ريلكه بودلير رامبو محمد الماغوط أنسي الحاج وديع

سعادة بسّام حجّار. نغفّيه ليغفو. نغطّيه لئلا يُصاب بزكام. وفي المُقمِر الليل نسأل الغيوم أن تأخذ بيده لئلاً يضيّع الطريق.

كيف نتغلّب على الألم؟ لا نتغلّب عليه. بل يستولي. يستولي بجموح. بسلاسة. بنعاس. بحنكة. بإباء. بفروسية. بنبل. يصادق بشرف. يخاصم بشرف. يستملك. يصادر. يهجِّر. يكشف الحقائق بالأدلّة والبراهين. يطمس الحقائق بالأدلّة والبراهين. يمرّننا على الألفة. ألفة فضيحة الوجود والشرط البشري والهزيمة والموت. يحقننا بمورفين العدم. بالوجع الساكت المُحرِق. بالليل الأبيض. بالفجر المرعِب. بالقهوة. بالرعود. بالبروق. بالهلوسات. بالكتب. بالحبر. بالبلاد المستحيلة. برغبة الموت. لكنْ من دون انتحار. يجعلنا لا أعرف كيف يجعلنا هادئين صاخبين أشقياء صامتين شاردين عارفين هرِمين مجانين حكماء قدّيسين خطأةً عاهرين عزّلاً فلاسفةً مشّائين شعراء مهندِسي تعب وخيبات فقراء أغنياء أطفالاً عجزةً. ويجعلنا مطحنة. محرقة. قَتَلَة الذات. يجعلنا شهوداً. لا شيء. كلّ شيء. وتماماً.

كيف نتغلّب على الألم؟ لا نتغلّب على الألم. نكتب له الغرفة. المرأة. الإبن. القصائد. نؤرّخ له. نوثّق من أجله ما يحتاج إلى توثيق، لكي

يكون على بيّنة من كلّ شيء. نعوِّده على القراءة. والكتابة. والرسم. والنحت. والعزف. والرقص. والإنصات إلى البحر في الزمهرير. ونزول الهاوية سباحةً في الهواء الطلق. ونعوّده على الهرب. والرجوع. ثمّ الهرب. والرجوع. ثمّ نعوّده على الهرب والرجوع في الآن نفسه. حيث الكيمياء التي تهجّن وتصنع الفرق وتقيم العرس المفرد والفريد. على أن يكون عرساً للفجيعة الشخصية والكونية. لكنْ بدون رثاء. وبدون بكاء. تحت سلطان الشاهد القادر على أن يكون القتيل والقاتل.

كيف نتغلّب على الألم؟ لا نتغلّب عليه. لأنه جوهر هذا الشرط البشري الأرعن!

akl.awit@annahar.com.lb

جريدة النهار اللبنانية