إعادة إنتاج الصعلكة

 

-1-

ولد الشاعر عبد الامير الحصيري في النجف الاشرف سنة 1942م، وعاش فيها ردحاً من الزمن ، ثم انتقل الى بغداد متصعلكاً في مقاهيها وفنادقها ومات فيها سنة 1978م،واصدر ثمانية اعمال شعرية، هي:

1-اناشيد الشريد، مط النهضة ، بغداد 1970م.

2-بيارق الآتين، مط الاهالي، بغداد 1970م.

3-مذكرات عروة بن الورد، دار الحرية للطباعة، بغداد 1973م.

4-تشرين يقرع الاجراس، مط الغري الحديثة، النجف 1974م.

5-اشرعة الجحيم، مط الغري الحديثة، بغداد1974م.

6-تموز يبتكر الشمس، دار الحرية للطباعة ، بغداد، 1976م.

7-ديوان الحصيري ، اعده عزيز السيد جاسم، صدر بعد وفاته ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد 1986م.

8-فارس الحق، مطــــــولة شعرية، بغداد 1991م.

عُرفَ عبد الامير الحصيري، الشاعر النجفي، بأنه كان يتشبه بالشعراء الصعاليك منذ العصر الجاهلي، من امثال: عروة بن الورد، المعروف بعروة الصعاليك، والسليك بن السلكة ، وتأبط شراً. ثم احمد الصافي النجفي في العصر الحديث، ومن خطا بهذا الاتجاه من امثال قيس لفتة مراد، ولكن الحصيري تميز بانه شاعر عمودي بامتياز في زمن شيوع القصيدة الحرة (قصيدة التفعيلة)؛ فهو شاعر ستيني مقل جداً في كتابة القصيدة الحديثة، ولكنه نشر قصيدتين مهمتين في هذا الاتجاه احتوتهما مجموعته:( مذكرات عروة بن الورد) الصادرة  عام 1973م؛ وهما:(هبط الفارس، مذكرات عروة بن الورد)، وقد كشفت القصيدة الثانية محاولات الحصيري في اعادة تأصيل الصعلكة لدى شعراء جيل الستينات، مقتفياً خطى الشاعر المتمرد حسين مردان في سلوكه وتمرده، بيد ان مردان كان مندفعاً في ركب الحداثة والتجديد، لان الحصيري ولد وعاش في مدينة تعد نفسها موطن الشعر التقليدي منذ المتنبي حتى الجواهري.

لقد كشف الحصيري في قصيدته (مذكرات عروة بن الورد) بوضوح عن نزعة التمرد والتقليل من قيود الكتابة الشعرية ، محاكياً عروة الصعاليك، فكانت واحدة من تنهدات شاعر كبير يحس بالحرمان، بدأها بقوله:

توشحت الارض اكليلها الذهبي.،

ارتدت حلة العرس..،

وأزيّنت بشباب النهار

وزهر الربيع.،

وعطرت الريح انفاسها.،

واستقلت هوادجها..

في حدائق مجد الديار

[ ص76/ دار الحرية للطباعة، مط الجمهورية ، بغداد، 1393ه/ 1973م]

اذا كان الحصيري حاول الجمع بين صعلكة ابن الورد وصعاليك عرب وأجانب، ولا سيما انّ الشعراء الصعاليك العرب – عبر التاريخ – لم يرثوا تاريخ الصعلكة في محيطهم العربي، بل مجدوا معه تاريخ الصعلكة في حياة الشعوب وامم اخرى[ص131/ الحصري وكأس القصيدة: رزاق ابراهيم حسن] ؛ فثمة احساس بالبهجة واستقطاب لأجواء الربيع، وهذا ما عكسه ايضا قصيدته (هبط الفارس) التي تعبر عن هاجس سياسي خاص كان يشعر به الحصيري .وهو يكشف بوضوح في قصيدته (مذكرات عروة بن الورد) عن نزعته في التمرد، على وفق ميل للتراث ، او (مجد الديار)كما يسميها ،وكأنه يشير الى الاطلال ويبكيها كما يفعل الشاعر الجاهلي، فهو يمجد (نفح المطر/ آيات سكرى الاقاحي)، لان العنوان الذي اختطه لها والافكار تمثل جوهر تفكيره ،فهو مهموم الذات؛ ويعاني من صراع داخلي عميق بين الموروث العريق ونزعة التمرد والصعلكة، بين حداثة الزمن والقيود الت كبتله بها مدينته النجف، لهذا يتساءل في المقطع الثاني مشككاً اخضرار الربيع:

أثمة ما يتذكر بعد إخضرار الصباح؟

على شرفات الزمن

من التقاط المترصد غيم.،

ربيب الشجن

أثمة ما يقنص بشرك .. يا أرض

بعد احتراق الشباك .. ؟

وهو يشعر بالاسى من الاجواء المحيطة به ، لانه يود ان يغادر الاجواء التي اعتد عليها ، اجواء التوابيت والموت والحزن، كما في قوله:

ألما تزل بعد بقايا حراك

بلبل يغادر انفاسه … عبر  غاب الكفن

أقلتهُ نشوة الطّلّ ..

كفا الرياح .. [ص[77

المتأمل لمفردات وجمل هذا المقطع يشعر بان الحصيري : مازال ربيب الشجن، وان شباكه احترقت، فلا مكان له مع الصيادين ،وهو يستفهم استفهاماً انكارياً عن وجود بقايا الحراك، بعد ان اخذ الليل يغادر انفاسه، في غابات الاكفان(الموت/ المقابر) والظلام، فهو في مدينة النجف حيث يشيع فيها دفن الموتى،  وهو تقله الرياح، التي ربما يريد بها رياح السياسة، لهذا تبدو الجملة الاسمية مهيمنة على صوره ،وهي جملة متحجرة.

فالفعل يتذكر لديه يحاول ان يقمع حركة النسيان ،ويتوجه نحو الحاضر، ولكن زمنه متكابر يتعالى على الشرفات، والفعل (التقط) تحول الى اسم(مصدر)، مسبوقا بحرف جر، ومضافاً الى نوع من الترصد والمراقبة الحذرة، وضبابية مقترنة بالغيم، وهو ربيب الحزن، اما القنص المتولد من الفعل المضارع( يقنص) فانه مسلوب الارادة، ام الكف فهي واحدة من ادوات القمع تحضر في هذا المقام لتعبر عن القوة الالهية.

-2-

في المقطعين الثالث والرابع، عودة الى مهرجان (انتصار الربيع)، حيث الاحتفال بالأرض/ الخصب التي سماها بنت الاساطير/ بنت النهار، وهو يشعر بنشوة الحياة ببغداد، مستذكراً العصور القديمة:

خلال العصور التي فقدت اجنح الضوء .. طارت بريش الجراح

خلال العصور المريحة في القفر خضر السفوح

ونامت نواظرها المستباحة خلف كهوف الرياح …

عصور أضاعت مفاتيحها الذهبية ..

في غفلة .. ،

أضاعت نوافذها المطمئنة

في عاصف .. ،

أضاعت طريق النهار [ص [79

يذكرنا هذا المقطع برثائيات الاطلال التي كان الشاعر الجاهلي يرثي بها الديار النائية، وهو يتأمل بقايا الرماد والاثافي والعهن وما بقي من ديار الحبيبة، وهي تتأرجح بين حركة الرمل وسطوة الريح، ومن هنا تحتل الرياح موقعها المهم في هذه القصيدة، فهي تحمل العطر في الربيع ،وهي كف المتسلط، وهي مستودع النواظر عبر كهـــــوفها المتعددة، والريح ليست صوتاً، ولا رماداً او رذاذاً يحمله عبق الصباح على مسامات الزهور، وانما هي فعل للتغيـــــــــير والتأثير ،وربما لمصادرة الحريات، ولربما رافقت رحيله؛ وكلمة (ريح) قريبة من كلمة (رحى) وكلمة (رحيل)، وخصوصاً بعد تصعلكه في بغداد، التي يشير الى انتمائها الى جذور الحضارة والحياة الانسانية:

الى عالم صادرته  المغارب .. واختاره المستحيل

لسفح الاباطيل منفى

فصافح (( بغداد)) رونقها بعد ان هجرته

خيول الزمان

فطرز آفاقها الاقحوان

وراحت :

تسير البطولات في ظلها المتبختر

صفاً   .. صفاً  .. [ص[80

في محاولة لربط القصيدة بالمكان( بغداد)، وكأنه يطمح الى مغادرة وكره الابدي مع الخمرة والتمرد، وهو في اطار الحديث عن صنوه العربي القديم عروة الصعاليك، في وقت تأخذ بغداد السبعينات مساحة واسعة من فضاء القصيدة، وفضاء الربيع الذي يحيا فيه، مع انه يحمل في اعماقه صورة الانسان المتمرد، مطالباً ان يهجر الحزن ،ولكن وجه عروة الذي يحمله هو جرح 5/حزيران 1967م، اذ يقول:

وتخشى رؤاي الهزيمة .. يعبد زندي الامان

انا “عروة الورد” ..

شيخ الصعاليك ..

منذ ابتداء الزمان       [ًص[83

فهو لم يقل (ابن الورد)،وانما قال (عروة الورد)، حتى ينسجم الخطاب مع المقدمات الاولى التي طرحها، لتصبح سيرته هي سيرة عروة نفسه، وهو يعيش في بغداد:

أنا “عروة الورد” ..

كنت تعيشين بين ضلوعي

أموت على لمح وجهك ..

ان رف خلف المسافات ..

بين دموعي

وكنت وسادي . ،

ومائدتي وشرابي . !  [ص83]

فالتضخم  الذاتي والانا تتصاعدان في اعماق الحصيري ببغداد، وذاته هنا مقترنة بعروة، وهي تتراجع مع توهج حركة الماضي عبر الفعل(كنت)، ثم يأتي العل المضارع تالياً بعد الفعل الماضي، يتلو ذلك الفعل (أموت)، وبناؤه هذا  يقترب من بنية الاسم ويعود به الى الفعل الماضي (كنت)؛ مما يكشف عن صيرورة الماضي المتمثل بعروة على حساب صيرورة الحاضر. فهو يعود الى الصحراء والرمال، بحيث تسيطر حياة الصحراء على مقدراته، لهذا يقول:

أنا كنت حقل سنابل رمل .،

وكنت صواري

تشقُّ هجير القفار ..     [ص84]

مما يعني انّ حياة الهجير المقفرة هي السائدة، لانّ الخضرة والينابيع هي ملك (الخضر)ن ملك الاسطورة الصوفية التي تؤمن بظهور المنقذ، لهذا تصبح عباءته الوبرية هي التي تقاتل عنه، لكنه على حين غرة يعود صعلوكاً، يتبنى كل عيال الصحارى، حاله حل عروة بن الورد:

وكل جياع الصحارى عيالي

فيا نعمها من عباءه

توارثتها عن أبي عن أبيه

وعن كل آبائه في التوالي

مرقعة بعيون الوحوش الذين قد استنفدوا

كل ما في البوادي

من الخير . ، والنضاره ..

بدعوة الاماره .!    [ص [86

يقصد بالأمارة امارة الصعاليك،  وهنا يبدو ميالاً الى الجملة الاسمية ، بحيث انّ الجملة الفعلية أخذت تتراجع، كما تراجع لديه الاستياء من الزعامات السياسية التي ألمح  اليها بعمامات الشيوخ، ثم يعود الى تشرده في المقاطع التالية ، يسرد قصيدته على لسانه وعب  ضمير المتكلم، وعندها تعود الجملة الفعلية ال الظهور بالتدريج ، لذا يقول:

فأمضي اتنقل ..

بين حقول التمتع

غصناً فغصنا

وآنس بين الظباء النواظر في القفر ..

بين الجمال .. [ص [87

لماذا يشعر الحصيري بالأمن والوداعة بين احضان الضباء والجمال، ويشعر بالغربة بالمدينة ؛ لعل في طفولته بمدينة النجف الصحراوية التي عاش فيها بعض المؤثرات التي تدفعه لهذا الاحساس ، لان مشاعره الداخلية هي التي تولد لديه الجملة الشعرية المفعة بالحياة.

-3-

يعود بالتدريج الى قناعه عروة الصعاليك، محاولاً توظيفه، من خلال علاقة الماـــــــــضي بالحاضر، لهذا يتساءل: لماذا خــــــــسرت اذن لقب الامراء؟!.

وهذا التساؤل نابع من شعور واضح بالخسارات المتتالية، لهذا يقول:

لماذا خسرت اذن لقب الامراء؟!

لُعِنتُ  ..

اذا كان يسكن ذاكرتي .،

او يراود خفق دمائي

لعنت اذا كان فوق سمائي

خيوط هباء ..

ولكنها جذوة البحر اما دعاه الشقاء.

الى الصمت  .. ،  [ص [89

فالاتصال المباشر بين شخصية وقناعه عروة بن الورد، هو نوع من الهاجس الداخلي بالظلم، واحساسه نابع من وجود الفوارق الطبقية، ولكنه ينتقل من عكاظ سوق العرب في الجاهلية الى سواد العراق، على مقربة من الصحراء حيث موطن الحصيري في النجف، اذ يقول:

تأبط شراً ..

تعلّق في خطوه الريح ضارعه : ان

يبلّغها الحلم .،

وابن السليكة ..   [ص [92

ثم يقول:

فكنا صعاليك .. نحنُ الألى قد حبانا النهار

حبانا . ،

وملكنا عنفوان الربيع  ..

شذا .،      [ص[93

يحاول الحصيري ان يوهم قارءه بانّ عروة قد أقلق مع رفاقه مثل السليك وتأبط شراً  سلطات الاكاسرة والقياصرة الفاتحين، وابن ماء السماء، وهو كما يبدو يستعير ملامح الكثير من شخصية عبيد الله بن الحر الجعفي، الذي كان يجول مع رفاقه سواد العراق ابان العصر الاموي، الذي كان  يغرِّد منفرداً عن الآخرين ،وصورته هنا واضحة، لهذا يقول:

فكنا صعاليك:

نحن الألى كالصواعق ..

تحكم القياصرة الفاتحين

وتسكنُ رواح اعتى الاكاسير ..

رعبنا يشيخ في ناظريه الضياء

ويهجع عَرش ابن ماء السماء

الى الذعر .. ان ثار فينا الحنين  [ص[93

وينتقل من العصر الجاهلي وصعاليكه الى العصر الاسلامي، ثم يعود الى قناعه عروة بن الورد، في حركة لولبية، لكشف الصورة المتوغلة في نفسه، التي تمثل تمرده ،ثم يحصل الانتقال الزمني مباشرة من الماضي الى المضارع، فيقول:

وعدت آثار عروة الورد، بين القفار

يقيني وشاح التمرد من عريها .،

من لهيب احتدام السلاطين .،

من اصدارات الحصار

اقاتل .. لفح المظالم

تحت بنوده تبدده في تخافتها

وتظل الخليقهْ   [ص[96

فالتمرد ،والتعري، من الصفات التي تتصل بالسلاطين، والقتال ضد الظلم بقي هو قضيته المستديمة؛ لهذا يبرز التألق في الجمل لقدرتها على منح الحياة بهجتها والحواس ليونتها، وهواجسها المشبعة بالأمل، فالأفعال:( بقي ، أقاتل، تبدد، تظل)، وهذه كلها افعال متمكنة من الصورة الشعرية ومن الكشف عن قوة تأثير العبارة،  وخصوصاً وانها ترتبط به ذاتياً لملازمة ضميره المتكلم (أنا) لها الذي يتقاسمه مع قناعه عروة، فبعد ان فقد امارة الصعاليك اصـــــــبح شيخهم، فالأمير تعبير سياسي بينما الشيخ تعبير ديني، او تعبير عن مرجعية روحية وثقافية؛ وهذا الانـــــــــتقال من تعبير الى آخر يحمل معه دلالات واضحة على لسان الحصيري تكشف عن تطور الوعي الثقافي وعلاقته بوضعه النفسي الرافض للقوانين والحـياة المنظمة، لهذا كان يقول:

أنا “عروة الورد”

شيخ صعاليك أزمنة الارض .،

رمز بطولة هذا الزمان المكلل بالنار .،

رمز الجبابرة الكادحين !!

أنا (عروة الورد) مفتاح هذا الوجود.،        [ص[98

وهنا ينتقل الحصيري بعروة بن الورد من موقع الى آخر زمنياً ومكانياً؛ لهذا غالباً ما يردد الفعل (وعدت)،وه فعل ماضٍ محمّل بإحالات سياسية حول عودة الارض العربية، او عودة الفارس عروة، وهو ما تكشف عنه نهاية القصيدة:

وعدتُ أنا “عروة الورد” اختالُ

بين النجوم

أصرفُ من شأنها  .،

وأعيش انتصاري

واغسل ليل الغيوم

ببسمة ثأري   [ًص[99

فاثأر عن هزيمة حزيران هو غايته ،وقد تحرره الجزئي عن عمود القصيدة جزءاً من متطلبات هذا الاحســـــاس الذي يرى في الموقـــــف غايته ،وفي صنوه عروة ملاذا وقناعاً، ووسيلة شعرية للتغلب على عقبات الازمة ، والاحـساس بالخذلان.

((الزمان))