صفحاتٌ مشتركةٌ ما بين الفيسبوك وموقع الإمبراطور

الشيء الذي هو أنا ../ بورخيس

 

 

ذاكرة الزمن
مليئة بالسيوف و الأساطيل
بغبار الأمبراطوريات
بصخب الشعر
بخيول الحرب العظيمة
بالصّياح و بشكسبير.
أما أنا فأريد ألا أنسى تلك القبلة
التي منحتني بأرض آيسلاندا.

***

ما أكثر العزلة في هذا الذهب.
قمر لياليك ليس القمر
الذي رآه آدم الأول. فسهاد
البشر الموروث الطويل ملأه بدمع
أثري قديم. أنظري إليه. هو مرآتك.

***
منذ البدء كان الحقل ينتظر. وراء شجر الدرّاق، قريبا من الينابيع، حصان أبيض عظيم بعينين نائمتين يأخذ، كما يبدو، الصباح كله. العنق مائلة مثل منمنمة فارسية، الهلب و الذيل يهشان. مستقيم و متماسك بمنحنيات طويلة . أذكر سطرا غريبا لشوسر: حصان “حصانيٌّ” جدا. لا يمكن أن نقارنه بأي شيء و ليس على مقربة منا تماما، لكننا نعرف بأنه رفيع.
لا شيء الآن سوى منتصف النهار.
الحصان هنا و الآن : شيء ما مختلف، لأنه أيضا حصان في حلم الإسكندر المقدوني.

***
على مدار أجيال
أشاد البشر بالليل.
في البدء كان مجرد عماء و نعاس،
أشواك تخز القدم الحافية
و خوف من الذئاب.
لن نعرف أبدا من ابتكر الكلام
لحيّز الظل
الذي يفصل بين غسقين:
لن نعرف في أي زمن كان علامة
في فلك النجوم.
آخرون سينتهون إلى الأسطورة.

[…..]

الآن نشعر بأنه لا ينفد أبدا
مثل خمرة عظيمة معتقة
لا أحد يستطيع أن يتأمله دون أن يعتريه دوّار
و قد ملأه الوقت باللانهائي
أو أن نفكر بأنه لم يكن له وجود
لولا إلحاح هاتين الأداتين، العينا

***

ها هي مرة أخرى الشفاه التي لا تنسى، و لا يشبهها شيء كشفتيك.
ظللتُ أقترب من السعادة و أقيم في الظل بعيدا عن العذابات.
اجتزتُ بحارا.
و عرفت بلادا كثيرة: رأيتُ امرأة و رجلين أو ثلاثة.
أحببت فتاة منصفة بكبرياء، و مزاج إسباني هادئ.
رأيت أقاصي المدينة، تمتدّ بلا نهاية حيث لا تتعب الشمس
عن الغياب مرة بعد أخرى
تذوّقت طعم كلمات كثيرة.
أؤمن بعمق أن هذا كل شيء و أنني لن أرى و لن أنجز
أشياء أخرى جديدة.
أؤمن أن أيامي و لياليَّ بفقرها و غناها هي سواء بسواء
كأيام الله و لياليه و كل البشر.

***

لقد أخذوا منه العالم المتعدد
الوجوه، التي لم يتغير منها وجه واحد،
الشوارعَ القريبة، التي رحلت بعيدا،
السماء المقعّرة، التي كانت أمس قبة فسيحة.
كتبا من حوله. هل هي هناك؟
ذكراها استحالت إلى ما يشبه
النسيان و المعنى الذي كان وحده يهمه قد ضاع،
لم يبق سوى عناوين و أشكال.
رصيف مهدوم، و السقطة التي تترصدني
في كل خطوة. أنا آخر
سجين في عالم يغفو
لا البزوغ و لا الغروب سيوقفانه.
و في الليل، لا أحد، فأنا لا أملك سوى أشعار
لأشيّد عالما تافها بلا معنى.

***

لا تأمل شيئا من الكتابات التي تركها
المعلمون الأوائل الذين تفزع اليهم
لست سوى نفسك، سوى قلب متاهة
اقتادتك خطواتك اليها.
[……]
غبار هي السطور التي خطتها يدك
و هباء كلمتك
[……]
الوقت مادتك، هذا الذي لا ينتهي
و أنت في معزل ككل لحظة عابرة

***

هذه المكتبة، مكتبتي،
لا تحس بوجودي، لكن كتبها
جزء مني كهذا الوجه
بصدغيه الأشيبين، و حدقتيه الكئيبتين،
الذي عبثا أبحث عنه في المرآة
و أتحسسه بيدي الجوفاء.
و بدون مرارة مشوشة
أظن بأن أهم الكلمات
التي تعبر عني هي في هذه الصفحات
التي لا تعرف من أكون، و ليس
في تلك التي كتبت. و بلا شك
الأمر أفضل هكذا. ستظل أصوات الموتى
تقول لي هذا على الدوام.

***
لا حميمية نظرتك، و لا حاجبك الواسع كنهار بهيج،
لا مفاتن جسدك، التي ما تزال غامضة، كما هي و بريئة،
و لا ما يمسني من حياتك، في كلمات أو صمت
سيكون هدية مليئة بالأسرار
كالنظرة إلى نومتك ، تلفك
برفق ذراعاي.
عذراء ثانية، بأعجوبة ، براحة النوم العظيمة
هادئة و مضيئة كبعض المسرّات تستعيدها الذاكرة،
ستمنحينني ذلك الساحل من حياتك الذي انت نفسك لا تملكينه.
غارقا في صمت
علي أن أرى إلى شاطئك البعيد
و أن أراك لأول مرة، ربما،
كما الله ينبغي أن يراك –
خيال زمن مهدور،
حرة من الحب ، و مني.

***
[…]

لي ألفة بالعادات و الأرواح
و بذاك التجاذب في الأوهام
الذي يحوكه أي حشد من البشر.
لا حاجة لي إلى الكلام
و لا إلى الادعاءات الكاذبة.
فالذين هم حولي هنا يعرفونني جيدا.
يعرفون جيدا عذاباتي و ضعفي.
لبلوغ أسمى شيء
قد تهبه لنا السماء:
لا المجد او الانتصارات
و انما الرضا عنك ببساطة
كجزء من حقيقة لا يمكن إنكارها
كالحجارة مثلا و الأشجار.

***

أفكّر في الأشياء التي كان في وسعها أن تكون و لم تكن
في كتاب الميثولوجيا السكسونية الذي لم يؤلفه بيدا
الأثر الفائق الذي ربما قُدِّر لدانتي أن يستشفّه
بعد تشذيب آخر بيت في الكوميديا.
في تاريخ لا مساء فيه للصليب و لا مساء لزهرة الشوكران.
في التاريخ خاليا من وجه هلينا.
في الإنسان بلا عينيه اللتين وهبتانا القمر.
في أيام جتيزبيرغ الثلاثة لإنتصار الجنوب.
في الحب الذي لم نتقاسمه.
في الأمبراطورية الواسعة التي لم يشيّدها الفايكنغ.
في العالم بلا عجلة و لا وردة.
في رأي جون دون عن شكسبير.
في القرن الآخر لوحيد القرن.
في طائر إيرلاندا العجيب، و هو بمكانين في آن واحد.
في الإبن الذي لم أنجبه لنفسي.

***

الصداقة الصامتة للقمر
(أقتبس هنا خطا من فرجيل) رافقتك
منذ تلك الليلة الوحيدة او ذلك المساء
الذي ضاع مع الوقت، حين عيناك
المتعبتان خرجتا معها الى الابد
بمدخل البيت او الحديقة حتى اختفت تحت التراب.
إلى الأبد؟ أعرف أن أحدا ما
سيخبرك يوما بهذه الحقيقة:
” لن ترى القمر بعد الآن يلمع ثانية.
فقد بلغت حدك الأقصى الذي أتاحه لك
القدر. لا جدوى من نافذة تفتح
على هذا العالم. لقد فات الأوان. لن تعثر عليها أبدا. ”
فقد أهدرنا حياتنا في مكاشفة و نسيان
تلك العادة الرائقة لليل.
ألق نظرة طويلة الآن. لعلها نظرتك الأخيرة.

***

نسيتُ إسمي. لستُ
بورخيس ( بورخيس قضى في لافيرت
بالرصاص)، و لا أنا آسيفيدو،
حالما بمعركة و بالموت،
و لستُ أبي، منكبا على كتاب
أو راضيا بالموت صباحاً،
و لا أنا هاسلام متفحصا آيات
الإنجيل، بعيدا عن نورثهامبرلاند،
و لا أنا بسواريز معبئا الرماح
أنا بالكاد شبح يلوح
من التداخل الحميمي لهذه الطيوف.
أنا ذاكرتهم، لكني ذلك الآخر
كمثل دانتي و سائر الرجال
أقيم في الجنة الغريبة
و في أكثر من جحيم ضروري.
أنا الجسد، الوجه الذي لم يره أحد.
أنا، النهار المكتمل، هذا المتقشف
الذي في حوزته بعض كلمات قشتالية
ليقص الحكايات التي ترهق
ما نسميه بالأدب.
أنا من كان في القديم
يتصفح الموسوعات، لا زلتُ
المدرسي المتخلفَ بصدغين أبيضين
و أشيبين، سجين بيتٍ
مليئ بكتب لا أحرف لها،
تقطِّعُ في العتمة بيتا شعريا مشوشا
سداسي الوزن، حفظه قريبا من رون
ذلك الذي أراد بشيء من فيدرا و فرجيل
أن يخلّص العالم من اللهيب و فورات الغضب.
يمضي الماضي يهددني بالصور
أنا ذكراك المفاجئة، مدارات
ماغدبورغ، حرفان
من دوبيت لآنجلوس سيليسيوس.
أنا الذي حين يواسي نفسه
ليس له سوى الذكرى الجميلة
سعادة غير مستحقة أحيانا
أنا من يعرف أنه ليس شيئا آخر
سوى الصدى، من يريد كليا أن يموت
ربما كنت ما تراه في أحلامك
أنا الشيء الذي هو أنا .

[…]

***
لن يبقى هناك نجم واحد في الليل
لن يبقى هناك ليل
سأموت و معي جميع
هذا الكون المتوحش
سألغي الأهرامات و المداليات
و القارات و والوجوه
سأمحو الماضي المتعرم
و سيكون لي التاريخ غبارًا ، و الغبار غبارًا
أرقب الغروب الأخير
أصغي للطائر الأخير
و أترك هذا الهباء للاأحد

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏‏جلوس‏، و‏‏طاولة‏، و‏مشروب‏‏‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏