«إذا أهل العبارة ساءلونا/ أجبناهم بأعلام الإشارة»:

التصوّف فلسفة دينية تهدف إلى توحّد المخلوق مع الخالق، أو الذات الإلهية، أو المطلق الوجود. وهي معروفة في عدد من الديانات الإبراهمية والهندية والصينية. وقد دخل هذا المذهب إلى الإسلام عن طريق متصوّفة الفرس مثل فريد الدين العطار وسعدي شيرازي وحافظ وجلال الدين الرومي. والأبرز من متصوّفة الإسلام الغزالي ومحي الدين ابن العربي ورابعة العدوية والحلاج منصور.
في المعروف من كتابات هؤلاء الكبار، من شعر ونثر، نجد النزوع نحو العرفان والتوحّد مع الذات الإلهية، مما يفيد في ظاهر معناه خروجاً على المفاهيم الدينية، يؤدي إلى تكفير قائلها، كما حدث لمنصور الحلاّج الذي قال في إحدى حالات الغيبوبة: «أنا الحق» وهو من أسماء الله الحسنى، فكان بذلك مقتله، لكن أقواله وفلسفته الدينية بقيت حية مؤثرة في جماهير أتباعه في العراق في العهد العباسي، وفي بلاد أخرى.
برز الحلاج، أبو المغيث الحسين بن منصور، في العصر العباسي، وفي أوائل القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وقد عاش بين 858 ـ 922 في فترة كان المجتمع العباسي فيها يواجه صعوبات كبيرة، مثل ثورة الزنج وحرب القرامطة، ومثل الجدل الكلامي (الفلسفة الدينية) بين المعتزلة والحنابلة. لذا التزم المتصوفة التكتم على فلسفتهم العقلية ونظرتهم إلى الدين. يقول ابن عطاء، صديق الحلاّج وتلميذه:
« إذا أهل العبارة ساءلونا/ أجبناهم بأعلام الإشارة/ نشير بها فنجعلها غموضاً/ تقصّر عنه ترجمة العبارة». حسب هذا التحليل، يرى الحلاّج إلى العلاقة بين الخالق والمخلوق من كونهما شيئاً واحداً، لكن الإنسان مرهق بطبقات من الحواس والأعراف تحول عن الاحساس بالروحانية وتعرقل قدرته على الاتصال الدائم بالعالم العلوي. وبهذا المعنى يقول:
« سبحان من أطهر ناسوته/ سِرّسنا لاهوته الثاقب/ ثم بدا في خلقه ظاهراً/ في صورة الآكل والشارب/ حتى لقد عاينه خلقه/ كلحظة الحاجب بالحاجب/».
ومن إشارات الحلاّج إلى سموّ المخلوق للامتزاج بالخالق قوله: «أنا من أهوى ومن أهوى أنا/ نحن روحان حللنا بدنا/ فإذا أبصرتني أبصرته/ وإذا أبصرته أبصرتنا». ويقول العارفون بفلسفة التصوف إن هذا الكلام لا يفيد القول بالحلول، بل هي من الأشعار الحسّية، التي تعبّر عن مواجيد الحلاّج تجاه الذات الإلهية. ولا أحسب أن الجدل ومناقشة هذا القول وأمثاله، والتساؤل إن كان هذا يقع في باب الكفر أو هو محض مواجد، سوف ينتهي أو يتوقف، طالما بقي من الناس من يشغله، حتى في هذه الأيام الحالكة، ما ينطوي عليه كلام متصوّفة الشعراء من كفر أو من حلول الذات الإلهية في الذات البشرية، أو أنه محض تعبيرات بشرية بالغة الحساسية.
ومن النساء ثمة رابعة العَدَويّة (713 ـ 801) البصرية المولد، المدفونة في جبل الزيتون في القدس. كانت هذه الشاعرة المتصوّفة هي التي يعدها الباحثون «شهيدة العشق الإلهي» لأنها كانت «تدعو إلى حب من أحبّنا أوّلاً وهو الله» ومن أشهر أشعارها:
عرفت الهوى مذ عرفت هواكا
وأغلقت قلبي عمّن سواكا
أحبّكَ حُبّين: حُب الهوى
وحبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى
فشُغلي بذكركَ عمّن سواكا
وأما الذي أنت أهل له
فكشفك للحُجبِ حتى أراكا
وقد بقي الاهتمام بالتصوّف موضوعا لدى الشعراء العرب في العصر الحديث. ففي مجموعته الشعرية بعنوان «أغاني مهيار الدمشقي» (1961) يقول ادونيس (علي أحمد سعيد) المولود عام 1930 في قصيدة بعنوان «مرثية الحلاج»:
«يا كوكباً يطلع من بغداد/ محمّلا بالشعر والميلاد/ يا ريشة مسمومة خضراء/ لم يبق للآتين من بعيد/ مع الصدى والموت والجليد/ في هذه الأرض النشورية/ لم يبق الا انت والحضور/ يا لغة الرعد الجليلية/ في هذه الأرض القشورية يا شاعر الأسرار والجذور».
وثمة الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي (1926 ـ 1999) من روّاد الشعر الحديث في العراق والعالم العربي، كان يرى في الحلاج والصوفية رمزا لمقاومة الظلم، وفي معاناة المتصوّفة أمثلة للعمل الإنساني الذي يرمي إلى تحقيق العدالة في العالم الإنساني.
ومن قصيدة له بعنوان «عذاب الحلاج» من مجموعته «سفر الفقر والثورة» 1964 نقرأ:
«سقَطتَ في العتمة والفراغ/ تلطّخَت روحك بالأصباغ/ شربت من آبارهم/ أصابك الدوار/… / من أين لي؟ وأنت في الحضرة تستجلي/ وأين أنتهي؟ وأنت في بداية انتهاء؟/…/ وأين لي/ ونارهم في أبَد الصحراء/ تراقصت وانطفأت/ وها أنا أراك في ضراعة البكاء/ في هيكل النور غريقا، صامتا، تكلِّم المساء/».
ومن اهتمامات البياتي ادمانه على قراءة أعمال المتصوف الأندلسي الكبير محي الدين ابن العربي وكتاب «ترجمان الاشواق» بقي البياتي مدافعا عن المظلومين ومهاجما الطغاة على امتداد نشاطه الشعري، وما كان انحيازه إلى الفكر اليساري في خمسينات القرن العشرين سوى صورة انحيازه إلى الكفاح ضد الطغاة. كل هذا إلى جانب اهتمامه المستمر بالتصوف وشعرائه. وقضى البياتي أواخر أيامه في دمشق، قريبا من مثوى محي الدين ابن العربي، الذي اختار أن يقضي بقية أيامه في دمشق حتى دفن فيها. والبياتي أراد أن يقضي بقية أيامه في دمشق وان يدفن فيها، قريبا من مثوى ابن العربي، وكان له ما أراد، فدفن في تلة صغيرة، غير بعيد عن البناء الذي يضم رفاة المتصوف الأندلسي الشهير.
وفي الغرب، كان للتصوّف شأن آخر عند عدد من الشعراء منذ العصور الوسطى فصاعدا، وبخاصة لدى شعراء الكاثوليك. وهو تصوّف غير بعيد مما لدى شعراء المشرق والعرب منهم بخاصة. لكنهم يدعونه mysticism من الجذر الإغريقي الذي يفيد «الإخفاء».
وشعر المتصوّفة الإنكليز مثلا لا يتحدث عن الفناء في الذات الإلهية أو التماهي مع الوجود المطلق، لكنه يلتزم «الإخفاء» في المعاني، مما يتطلب كدّ الذهن لبلوغ فهم القصيدة، إما بالإغراق في الإحالات والرموز، أو بتلاعب لفظي، بياني أو بلاغي، في شعر جميل يكاد يرزح تحت المحسِّنات البلاغية. في قصيدة بعنوان «الجنازة» يقول جون دَنْ 1572-1631:
«أيّ من كان سيأتي لتكفيني، لا تجزعي/ ولا تكثري السؤال/ ذلك الإكليل الرقيق من الشَعر الذي يتوّج ذراعي،/ السرّ، العلاقة التي يجب ألا تلمسيها،/ لأنها روحي الظاهرة،/ نائبة ملكية عن ذلك الذي غادر إلى الجنة السماوية/ وستترك هذه للرعاية،/ وللحفاظ على الأعضاء، أقاليمها، من الهلاك/.
أكثر من سؤال يبرز هنا عن المعاني الغامضة في هذا المقطع الأول من ثلاثة مقاطع القصيدة، فما بالك بالقصيدة كلّها؟ هذا الغموض لا مفاتيح له من قراءة أولى، أو قراءات. لكن فيه عذوبة الشعر الغنائي كما في شعر المتصوفة، ولو أنه تصّوف من طينة أخرى.
وفي قصيدة بعنوان «البستان» للشاعر أندرو مارفيل 1621-1678 نقرأ تأملات فلسفية عن الحياة والموت، ومقارنة بين عالم بهيج في صورة هذا البستان في دار الشاعر الكبير، ملتن، وبين الجنّة في العالم الآخر كما يتصوره المؤمنون. ونبرة القصيدة عموماً «صوفية» في عزوفها عن الدنيا الفانية، وتشوقاً إلى عالم مثالي هو الجنة التي وعد بها المؤمنون. الناس في عالم الحاضر يكدحون من أجل مكسب تافه:
«ما أضيع ما يُجهد البشر أنفسهم فيه/ ليكسبوا غصن نخلة، أو غصن بلوط، أو غار/ ويرون مكافأة جهودهم الدائمة/ تتوَّح بعشبةٍ أو غصن شجرة/.
هذه الأغصان النباتية كانت عند الإغريق مكافأة الفوز في الرياضة، والخدمة المدنية والشعر. وتستمر القصيدة في هذه النبرة التنسّكية والعزوف عن لذائذ الدنيا بالإشارة إلى تفضيل الموعود به في العالم الأفضل. والإشارة إلى الشجر والزهر والثمر ايحاء بأن وعد العالم الآخر خير وأبقى.
هذه الأمثلة من « التصّوف» الغربي لا تنطوي على احتمال شبهة التكفير أو المروق عن جادة الدين الحنيف، ولم تؤدِّ إلى تعليق الشاعر على المشانق أو تقطيع أوصاله والطواف برأسه المقطوع مرفوعاً على رأس رمح كما حصل مع الحلاّج. فليس بين متصوفة الشعر الغربيين من قارع الحاكم أو ذوي الأمر. ولكن، الشرق شرق والغرب غرب، ولن يتلاقى الإثنان مهما امتد بهما الزمن.

http://www.alquds.uk