الشعر السياسي الحقيقي يرفض التبسيط والنَّمطيات السياسية

ترجمة: عادل صادق

يمكن القول إن مقولة هانس أنزنسبيرجر المؤمنة بقوة الشعر الاحتجاجية، “الشعر مدمّر من خلال وجوده بالذات”، التي صاغها عام 1962، قد  بطلت في سياق القرن العشرين. فهل الشعر المعاصر أعظم نقيض للسلطة أو القوة حقاً، حسبما يأمل القائلون بذلك؟
في عام 1914، وهي السنة التي اندلعت فيها الحرب العالمية الأولى، ما كان بإمكان المرء أن يعتمد على الشكوكية السياسية لدى الشعراء الألمان. وبقوله ” الفن؟ كل ذلك انتهى مع ما يحدث الآن وأصبح سخيفاً… فالحرب هي الشيء الوحيد الذي ما يزال يثيرني”، أعلن هوغو بول، الأب المؤسس للدادائية، في آب 1914 ، انسحابه من كل الطموحات الفنية وانغماره في سُعار حماسة الحرب. ولم يكن سياسيو أوروبا القوميون، في الحقيقة، وحدهم الذين استولت عليهم حمّى آب 1914 العدوانية الشديدة، بل وكذلك الشعراء أيضاً. فوفقاً لتقدير الكاتب جوليوس باب، كان هناك، في سياق الشهر الأول من الحرب في عام 1914، ما يقرب من 50,000 قصيدة تؤلَّف في كل يوم في ألمانيا. وكان معظم هذه القصائد ينطوي على جرعة جيدة من التأثّر العاطفي، تمجيداً للموت من أجل “أرض الآباء”.
ولم يواجه هذا الشعر الشوفيني إلا قلَّة من المؤلفين. وكان من بينهم، على سبيل المثال، تعبيريون مثل ألفريد ليشتينشتاين، وفرانز ريتشارد بيهرينس، وأوغست سترام، وجورج تراكل، الذين تمردوا على هوَس الحرب الأعمى. وقد عانى أوغست سترام (1874 ــ 1915) من متاعب نفسية شديدة بسبب تجاربه في الجبهة. وقد انتزع من نفسه، مع هذا، قصائد عن الحرب، اندمج فيها الرعب بالفتنة. وتوفي في أيلول 1915 في قطاع من الجبهة في بيلوروسيا.
وكان ألفريد ليشتينشتاين (1887 ــ 1914) يفضّل أسلوباً يتّسم بشيء من الغرابة  grotesque، وهو طريقة للكتابة تجعل كل شيء في العالم يبدو هيئة ثنائية الاتزان ومضحكة. بل ويوصف إعلانه عن موته في قصيدة “وداعاً” بأنه إيماءة هادئة للتواري عن الأنظار. فبعد أسابيع قليلة فقط من تأليفه القصيدة مات ليشتينشتاين عام 1915 على الجبهة الغربية.
ولقد أثبت الشعر السياسي الحقيقي الجدير بالاسم أيضاً أنه مرسمة الزلازل بالنسبة لكوارث التاريخ وهيجاناته بعد نهاية الحرب عام 1919. ففي أعقاب انتقال السلطة إلى النازيين عام 1933، كتب كارل كروس في العام نفسه، وكأنه يقرأ الغيب، ما ترجمته ” وهناك صمت، كأن الأرض انشقّت”. وفي ألمانيا الشرقية، كان بيرتولت بريخت (1898 ــ 1956) الشاعر السياسي الأكثر تأثيراً في ألمانيا. وظل التناقض بين الشعر والسلطة غير قابل للحل في شعر ألمانيا الغربية السياسي ذي العلاقة كما حدث له في جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشرقية). والدليل على ذلك نتاج أدولف أيندلَر (1935 ــ 2009)، الذي قدّم نفسه كفوضوي ماكر وأبطل الهوية “الاشتراكية الواقعية” لألمانيا الديمقراطية بالطريقة الساخرة التي عمل بها الشيء الألماني المعاد توحيده الجديد.وفي فترة التسييس حوالي عام 1968، كان الشعر السياسي الألماني يميل أحياناً إلى جماليات إيديولوجية محيّرة. وحين سقط الجدار عام 1989، ظهرت هناك ربما أشهر قصيدة عن إعادة توحيد ألمانيا ــ “مِلكية Property” لفولكر براون، المكتوبة من منظور عاشق مرفوض بازدراء. وجاء النظير الشعري لسوداوية براون المتجهمة مع قصيدة بربارا كوهلر ( المولودة عام 1958). وهي حول شعور المرء بفقدان بلده، وهو شعور انتاب الكثير من الشعراء الشباب في الطور الأخير من جمهورية ألمانيا الديمقراطية. حيث نجد في البنية الصارمة للقصيدة، أن عملية الاغتراب تجري كما يلي:
[ إني أتشبّث، غريباً بالنسبة لهذه الأرض،
وقد استبدَّ بي حبٌّ يدفعني عبر الحدود،
ما بين السماوات. فحيثما كنتَ كانت مراقبتك؛
وأنا أتشبّثُ بهذه الأرض وأحتال عليها؛ ]
إن كون الجماليات الأيديولوجية والشعر الجيد مقصورين على بعضهما البعض الآخر قد تجلّى في أحدث تبيان له على يد غونتر غراس (1927 ــ 2015). ففي عام 2012 ابتكر غراس نمطاً إشكالياً من قصيدة التاريخ التدخّلي حين شن هجوماً فظاً على ” إسرائيل القوة الذرية” بعنوان “ما يجب أن يقال”، ليكون بذلك قصيدة. فالشعر السياسي: لا يمكنه أن يوجد إلا حين يرفض الشاعر الإذعان لإغراء التبسيطات اللافتة للنظر ويتخلى عن النمطيات السياسية.
 عن: Goethe institute

(المدى)