نملٌ أحمر..مدخل إلى تجربة الشّعراء الشّباب في تونس

عمل للفنان السوري خالد تكريتي

لعلّ هذا ما يمكنُ أن يُسمعَ في نصوص الشّعراء التّونسيّين الجدد. وما ينحتُ اختلافها عمّا سبقها في أرضها وما يتزامن معها في الخارج. يفكّر الواحدُ منهم أنّه رسمٌ لشعابٍ لن تنبسط مرّتين وأنّ كلّ قصيدة تكتبُ ينبغي أن نحياها باعتبارها القصيدة الأولى والأخيرة. كلّ نصّ شعريّ لا يطمح إلى أن يعيدَ تعريف الشّعر لا حاجة إليه. وكلّ شاعر لا يسلّم بفشله في ذلك إثر انتهائه من كتابة قصيدة أخرى، لا أمل في مُضيّه إلى آخره ناحتًا داخل الزّمن عوالمه الممتدّة اللانهائيّة.

إنّهم كثيرون في دفاتر الإحصاء، قليلون في الكلمات التي تخفق بدواخلنا كلّما قرأناها ولا تمّحي. بل تسعى هناك في أمكنة مجهولة معتمة في أرواحنا. وتظلّ تتقدّم على نحو مّا. تُنمّي نورا أزرقَ، أو تورقُ شجرة في صخرة أو تهدمُ بيتا ذا أصنامٍ كثيرةٍ. ومع ذلك لا ندّعي أنّنا نحصيهم على آخرهم. كلّ ما نعرضهُ هنا هو بعضُ نماذجَ فقط من قصائد شعراء شباب، اختار كلّ واحدٍ منهم طريقا ثالثا لم تسْعَ في لحمه قدمٌ. وباختيارهم ذاكَ صار كلّ واحدٍ منهم صوتا صارخا في البرّيّة يكادُ يكون مسموعا. ولكنّه قادرٌ على خلخلة الأوثان.

تاريخيّا، يملكُ المشهد التّونسيّ خصوصيّة الشّجرة التي تحجبُ الغابةَ. فعند الحديث عن بدايات القرن العشرين، يتهافتُ الجميع على ذكر أبي القاسم الشّابّي أيقونةً لم تنل اعترافا في زمنها. وإنّما دُفعتْ لاحقا من ركن الهامشِ إلى دواليب التّكريس. ويتناسى الجميع في المقابل مبدعين مثل منوّر صمادح وعلي الدّوعاجي على أهمّيتهما القصوى وتفرّد تجاربهما الكتابيّة وطلائعيّتها. وعند التطرّق إلى تجربة الطّليعة الأدبيّة خلال الستّينيات وما لحقها، تُختزل الغابةُ تلكَ في أسماء قليلة. ويظلّ الواحد منهم يسعى إلى أن يكون الشّجرة.

في سياق كهذا، ظهر هؤلاء الشّعراء الشّباب مثل حشد من النّمل الأحمر قضّى سنواتٍ وهو يسعى في الملتقيات الأدبيّة الوطنيّة والتّظاهرات الثقافيّة القليلة التي استطاعت أن تستقبله في محاولة لتدجينه ضمن مشروع سياسيّ هو مشروع النّظام في تونس الذي قامت تحرّكات 2011 ضدّه.

بعدَ ذلك، كان على النّمل أن يتفرّق خارج الأطر المرسومة وخارج اجتماعيّته أيضا. وفي الطّريق إلى عوالمهم، أخذ كلّ واحدٍ منهم يتحوّل إلى ما هو كامنٌ فيه منذ البداية. مخلوقات عديدة بعضها يحمل اسما وبعضها الآخر يحتاج واحدا جديدا.

   أثناء ذلك، تشكّلت جماعاتٌ وفِرقٌ. وظهرت عناوينُ من قبيل “الحركة الشّعريّة الجديدة في تونس” “وحركة نصّ”. ومع ذلك، مكث أفرادٌ من بينهم على وحدانيّتهم في الكتابة والإقامة في العالم على نحو شعريّ أصيل يخصّهم من دون غيرهم. هؤلاء الذين نَمَتْ أصواتهم مثل شعاعٍ أحمر في صورة بالأبيض والأسودِ قد تمسّكوا بأمّ المعارك. كلّ واحد منهم سمع بشكل ما الشّاعر إي.إي.كامينغز يهتفُ في قلبه: “أن تكون لا أحد إلاّ نفسك في عالمٍ يبذلُ قصارى جهده ليل نهار، كي يجعلَك مثل الآخرين جميعا، يعني أن تخوض أشدّ المعارك التي يمكن أن يخوضها كائنٌ بشريّ ولا تتوقّف عن القتال أبدا”.

يكمن الأمر إذن في الجهد العظيم الذي تقاتل من خلاله دون توقّف وعلى امتداد زمنيّ هائل. هذا ما يعيه الشّعراء الشّباب في تونس اليوم أو لنقل معظمهم على نحو متفاوت. بلغة أخرى يكمن الأمر في أن يحافظ كلّ واحدٍ منهم على فتوّة قوّته ويوجّهها كافّة إلى النّقطة التي يتقدّم بثبات نحوها دون أن يعني ذلك أنّها محدّدة سلفا. بهذا المعنى نفهم مزيّة أن تكون شاعرا شابّا بعيدا عن المعارك الكلاميّة التي تخوضها الأصنام في تونس وخارجها. من يحاول اختزال الفرادة التي يشهدها الشّعر التّونسيّ اليوم في منطق الأجيال معلنا على نحو عبثيّ قصور جيل بأكمله عن كتابة الشّعر العظيم ينسى أنّ كلّ جيل يحسبُ نفسهُ أشدّ فطنة من سابقه وأكثر خبرة من الذي يليه. كما يتناسى أنّ ولادة تجربة شعريّة عظيمة قد تستفيد من حركة جيل بأكمله ومن سياق تاريخيّ معيّن. لكنّها لا تختزلُ فيهما.

الاستفادة تلك قائمة من خلال الحركيّة التي شهدتها البلاد التّونسيّة في مستوى مثقّفيها الشّباب منذ عقود قليلة. هناك انفتاح حادّ على التّجارب العربيّة التي كانت منسيّة على نحو مّا في تونس. نذكر من بينها مثلا تجارب أفراد جماعة كركوك (سركون بولص، صلاح فائق، مؤيّد الرّاوي، فاضل العزاوي…) وشعراء عراقيّين آخرين من بينهم مثلا باسم المرعبي، عبد الكريم كاصد… بالإضافة إلى التّجارب اللّبنانيّة المهمّة ابتداء من أدونيس وأنسي الحاج وفؤاد رفقة ويوسف الخال وخليل حاوي وصولا إلى بسّام حجّار ووديع سعادة وعبّاس بيضون وغيرهم دون أن ننسى شعراء التّسعينيات في المغرب الأقصى وغيرهم من المبدعين المميّزين في العالم العربيّ والذين لم يكن اسمهم غائبا عن المشهد الأدبيّ في تونس من قبلُ، وإنّما حدث اتّصال حميم مع تجاربهم وإيمانٌ بطرافتها وريادتها مع هذا الجيل الجديد أو بعض عناصره.  

ولم يتوقّف نهم هؤلاء الشّباب عند الشّعراء العرب، بل تجاوز ذلك إلى تجارب عالميّة لم يكن للذائقة التونسيّة تقاليد متينة معها. إذ اعتاد المثقّف في هذا البلد الصّغير المفتوح على المتوسّط أن يطّلع بشكل مباشر على منتجات الثّقافة الفرنسيّة ويكتفي بترجمات قادمة من أميركا اللاتينيّة وغيرها. لكنّ هذا الجيل قد فتح آفاقه نحو الشّعر الأميركيّ خاصّة. وعدّد من مصادره المعرفيّة والثّقافيّة، له في ذلك مزيّة التّطلّع إلى أبعد الآفاق كما لعصره مزيّة أن أتاح له ما لم يتحه لغيره من ثورة معلوماتيّة ومواقع التواصل التي مكّنت من الاقتراب أكثر من تجارب مختلفة في شتّى أنحاء العالم.

من بين هؤلاء اخترنا للنّشر على صفحات “ضفّة ثالثة” بعض النماذجَ نعدّها من أهمّ أصوات الشّعر الجديد في تونس عسى أن يتحوّل الصّوت على امتداد الزّمن والمراكمة إلى تجربة إبداعيّة أصيلة ولا يردم نفسه في ممكناته.

في مرآة أندريه تاركوفسكي/ عمارة 1819

أقف مثل عمارة لم تبنَ بعدُ،
مهيبًا إنما بلا أثر.
خطاطون لم يسمع بهم أحد
يمرّون بسباباتهم في الهواءِ
متخيلين مساحتي،
رخام الفِناء،
طرازَ نوافذي
وغيبوبة الضوء في البهو.
بناؤون يطيرون عبر السلالم
واصلين المطابخ بالماء والكهرباءِ.
آخرون يعشّقون الحديد في شرفتي
معرّضين للريح والبرد
فيما أنا، دون علم الجميع،
أنام في القبو
مستنفدًا من عناء النهار
.
.
أنتظر إلى أن يفرغ العمّال من هذا الهراءِ،
وحين تغصّ طوابقي بالذباب
أسدّ مخارجَ صورتي بقوالبٍ وإسمنتٍ مسلّح
ثم أفتح أنبوبة الغاز
وأخرج من حيث لا يعلم أحدٌ

 (زياد عبد القادر)

الموصوفة

حسنا، تريدين أن تكوني قصيدةً
ما عليك إذن سوى أن تتْركي جسدك قبالتي
وتخرجي فورا
حتى لا تشهدي مذبحة صدري ومشانق أصابعي.

سأبدأ بعينيك، تماما مثل “بدر شاكر السياب” في قصيدته أنشودة المطر
أقول:
عيناك حقلان من عنبٍ،
وأنا بينهما بستانيّ سكران
لا يزال يخلط بين امرأة وكرمة
فكلّما صحا من الأولى أسكرته الثانية.

شعرك الأسود مطر في الليل
وهذا الوصف يكفي ليجعلني محاصرا من جهاتٍ ثلاث
من جهة شعرك
من جهة المطر
ومن جهة الليل
فأين ولّيت وجهي أصابني الخبلُ والبلل والتّيه..

رموشك:
يا للرموش التي تشبه عاصفةً من فراشاتٍ
في جزيرة من الشرانق المهشّمة.

شفتاك
وما أدراك وأنت هناك ما شفتاك
أنا الآن أمامهما
كمن يعبر جحيما في طريقه إلى الجنة
يا نارا كوني بردا…
وكانت النار بردا حتى اصطكّت أسناني وارتعشت عظامي
يا بردا كن نارا…
كم يحتاج وصف شفتيك إلى هجرات بين الفصول.

هذي القصيدة يلزمها تفاحتان
حتى تثبت الأشياء الهشة مثل قلبي بجاذبيّتك
يلزمها كذلك أصابع معجونة بالتّوت والمطر
لتشير الى أبعد مسافة للرغبة.
قلت بلوعة نحات عجوز يرتعش الأزميل بين أصابعه
يلزمها سُرّة للنعاس،
وقدمان وخلخال من العنبر والفضّة
للرقص مع العرب والأمازيغ،

أمّا تلك الشامة
ستكون نقطة نهاية القصيدة.

وهكذا..
حين تعودين
سيلتبس عليك الأمر
فتأخذين القصيدة
وتتركين جسدك قبالتي.

(سفيان رجب)


 

بيت بلا طفل

حين كانت الكلماتُ صغيرةً كنتُ أسمّي النّافذة بابا. أخرجُ منها وأدخلُ.

لا مانع في ذلك سوى ما يقوله الكبارُ: “لستَ قطّاً أنتَ إنسانٌ”.

شكلي الذي لم يكنْ يعني لي شيئا صار يحرجني. فتركتُ النّافذةَ لدخول الضّوء وخروج الظّلمة…

أمّا الآن فلا حاجة لي بالباب أيضا. أنا خارج البيت دائما. وكلماتي الصّغيرةُ تطلّ عليّ من النّافذة.

كانت الكلماتُ صغيرةً وكنتُ أسمّي من لا أعرفهُ “عمّي”. كيفَ أصبح الجميعُ غرباء فجأة؟

لم تكبر الكلماتُ غير أنّها تخرج عليهم من كوّةِ “مردومةٍ”[1]، هذه الذي يسمّونها فمًا.

فمي يقولُ لي: “لقد كبرتَ. والفحمُ جاهزٌ لتشعل النّار وتتدفّأ في صمتٍ”.

لكنّ البرد كذلك ما زال صغيرا. سيتسلّلُ من طقْطَقَةِ الفحمِ ويتسلّق هسْهَسَةَ النّار.

 إنّه يحبو داخلي وأنا أردّدُ مثل طاردِ جنٍّ دجّالٍ: “أيّها القطُّ، أنتَ إنسانٌ أيضا”.

(أنور اليزيدي)

ثلاث هزائم

الشتاء يعضُّ بقبضته المدينة
الرجل الوحيد لم يكن وحيدا
هناك امرأة في مخيلته
لكنه سقط لوحده
من نافذة الفُندق
في الطابق العاشر

***
بعد أن اخترقت السياط أنفاسَهم
تركوا نساءهم وبناتهم في البيوت
أسرجوا البنادق على أكتافهم
قبّلوا التراب
ثم مضوا إلى الحرب
وانهزموا

***
بكى عندما شاهد رصاصة
تفتح قلب طفل في التلفزيون
وعندما غزى الجنود قرية
وأحرقوا بيوت القش والجواميس
بكى لعاشقين يأكلان لحم بعضهما البعض
ولأجل قطة ماتت في بئر
وعندما سقط في الشارع
ضحك الجميع

(محمّد النّاصر المولهي)

الجمل يشرب الكوكا والسياح يضحكون

يا ذات العينين العسليتين والشعر المتموج

لو أنك تسمعين تكسر مخالبي على بابك

البرد يعضّ مفاصلي

والليل مخيف

آه لو أنك تفتحين الآن

الحاضر كفّ غليظة تصفعني على قفاي

وذاكرتي ذباب يطنّ على أنوف القتلى

وعلى الرّماح الدّامية

منذ قرون أقف على أطراف الأصابع

كالجرو الذي يستطعم سيده

أضع الإبهام والسّبّابة في فمي وأصفّر

أقفز، ألوّح بكلتا يديّ

لكنّه يمضي بجوده النّافر بعيدا

أيها الفرح العابر كالشّهب اللّيليّة

إنّني أشتهيك

كما تشتهي الحوامل حبّات توت في الشتاء

إنّني هنا،

أنام تحت الجسور والسيارات

وآكل من القمامة

وأفكّر في هدنة مع الكلاب لأسقي زهرتي

آه لو أنك تفتحين الآن

أريد أن أستريح قليلا

(شاكر السّيّاري)

 

 

“الحكّاء الأعمى”

حَلَّقتُ عاليًا حَامِلًا بُذورَ فَنائِي بَيْنَ جَنَاحيَّ

أنا الحكّاءُ الأعْمَى يا إخْوتِي..

عبَرْتُ العالمَ بعصًا مبْتورَةٍ بَحْثًا عَنْ صَعيدٍ هَادِئٍ

أُحبُّكُم فَوْقَ أدِيمهِ

وبين جُدْران فُوهة البركان في أَسافِلِ هذِه البيئةِ المُؤْذية

وَضَعَتْ الفئرَانُ حدًّا لأسْفارِي..

أنا طائرُ “البراكيت” الحزين.

زَمَاني فوْضويٌّ وَأحْلامي غابَةٌ مَدَاريةٌ

تَعُجُّ بِمَخْلوقات مُخيفةٍ مُذهلة

أنا آخِرُ الذَاهبينَ إلَى حَتْفهم

أُمرِّغُ منقاري في تُراب البراكين الناعمِ

وَأُشيِّعُ صَامِتًا مَجْدَ سُلالَتِي السحيق

على وقْعِ السُقُوط المُدَوِّي لِصُخُور الماغْمَا

عندمَا يَحلُّ اللّيلُ في جزيرة “موريشيوس”

يَتَدلَّى حبْلُ خَسارتِكُم مِن أمامي

أوقِدُ نارَ مَحَبَّتِكُم في حُطام سفينةٍ

قَذَفَها الهُدامُ إلى ساحلي المَهْجور

وَبيْنَما كنْتُ أُربِّي خُدَّامًا سَماويّينَ لأَسْمائِكُم

كُنتُم تَصوغونَ المَراثِي ضَاحِكين

وُجوهُكُم ضَوْءٌ بَعيدْ

أصواتُكُم فقاقيعُ هَواء..

الطَريقُ طَويلٌ

وَأَنَا تَعِبْتُ مِنَ الحَكْيِ يَا إخُوَتِي الشُعراء..

(منى الرّزقي)


حَرارَة

حامَ الفَراشُ على يدَيّ..
وبَاسَني اليعسُوبُ
واختَصَمت عصافيرُ المَساء على قشورٍ
… عند نَعْلي
أنتَ أين
وَراحتاك تَشَابَكَان على اعْتِصَارِ البرتقالِ
كَمِثْل وَعْلٍ عَالق في قَرْن وعلِ…؟

وأنا أذُوبُ
هُنا أبَاريقي، هُنا وَرَقُ المُخدّر، والكُؤُوسُ
وَجَارُنَا البنَّاءُ
عِنْد البابِ…
مَرَّرَ
عيْنَهُ
مِنْ ثقْبِهِ
يَوما
لأَجْلِي

لَكِنَّها اعْتَوَرَتْ…

…كَتفِي وَظَهْرِي… مُتْعبَانِ
ورُبّما لَمّا يَزَلْ ذَاكَ المُحَنَّك
…مُبْدِعا فِي الفَتْلِ

وَأَسِرّتِي
كَاِلقدْرِ
تَغْلِي
أنْتَ أيْن؟

…يَدي تُحبّك
معصمايَ
وجوقةُ الزّغب المٌثرثرِ عند كعْبي…
أزهرتْ قمْصانك البيضاءُ يا دُبّي المدلَّلُ
والوسائدُ،
غُرفتي
وأنا
كحقل…
وتَصَايح التفاحُ في رَدَهات جسمي:
أنتَ أين؟

… أَنَا هُنا
دُبّي المُدَلّلُ…
أنتَ أين؟
وَأنْت تَعْبَثُ… لمْ يَزَلْ شَعْري الْـــ…مُرَتّبُ…
أنتَ أين؟
فَجَارُنَا بِالبَابِ يَسْأَلُ أَو يَئِنُّ ورُبّما يَبْكِي…

وأنا أُلَوّحُ بالرّغَائِبِ عنْد نافِذتِي..
الرّاغبُونَ يُلَوّحُونَ
وحَارِسُ المَبنَى يلَوّحُ لِي
ويَشُمُّ فُسْتانِي على حَبْلِ الغَسِيل

عُدْ رَغْبَة
أوْ حِشْمَة
أوْ غَيْرَة
مِنْ حُفْرَة في الرَّمْلِ…

هَلَّا تَعُود
وَكَيْ تَعُودَ…
أَنا أُصَلّي…
كَيْ تَقِيسَ حَرَارَتِي فِي اللَّيْلِ…

(نزار الحميدي)

ساعدني يا اللّه

إنّني زنجيّ منبوذ ووحيد

إخوتي ماتوا بالإيبولا

وأمّي خرجت تبحث عن دواء في بيت الكَهنة

وتركتني محموما أنام في كوخ صغير من القشّ والطّين

مقيّدا بتمائم يابسة تخشخش كلّما تقلّبت

وأهذي بأسماء أهلي الطّيّبينَ الذين ماتوا في الحرب

وشيّعهم البِيض إلى المقابر الجماعيّة.

يسلّمني البرد للدّفء، والدّفء للبرد

وتحفر الحمّى في جسدي حتّى تغيبَ داخله.

يا اللّه

ساعدني

الكهنة مرّوا في عربات الموتى

وأمّي لم تعد بَعد.

(وليد تليلي)

 

 

أجيبي يا هاجر

لقدْ تَمزّقَ صوتي منَ النِّداءِ.

أنَا الآنَ في طريقٍ جَبَليّةٍ،

أصعَدُ آخر صوْت سمعْتهُ منْكِ عنْدَما نادَيْتني باسْمي ومضيتِ.

صرْتُ أعمى مذْ رأيْتُكِ أوّلَ مرَّةٍ،

ولا أظنُّ أنّي سأبْصِرُ من جديدٍ

إنْ لمْ أسمعكِ ثَانيَةً.

صوتُك وَعرٌ،

وقَدَمايَ الحافيتان تكتبان المشقّةَ بالنّزيفِ فوقَ الحجارةِ المُسنَّـنةِ،

الشّمسُ غابتْ في ثيابي

والمَساءُ لفّني بوشاحٍ من اليأس الرَّماديِّ.

وها هو اللّيلُ يأتي منْ بعيدٍ

جارفًا أصواتَ الذّئابِ معَ الرّيحِ.

أجِــيـبـيـني يا هاجِرُ… كلّميني الآنَ

فاسمي شاهقٌ جدًّا بعد ندائكِ

وأنا الذي أصعدهُ بمكابدة الضّرير

سأتدحرجُ منه قبلَ صيْحةِ الفجر.

وكأيِّ حصاةٍ لم يعد يحتاجها الجبلُ.

سألاقي نفسي في مكاني حيثُ تركتني آخر مرّةٍ

قبلَ أن أصيرَ ضريرًا

وبلا اسمٍ.

(عبد العزيز الهاشمي)

لعبة الماء

يرسمُ دائرةً

ينفخُ في الرّغوةِ داخلهَا

فتصيرُ فقاقيعَ ملوّنةً..

على أطرافِ أصابعهِ

يَنطُّ الطّفلُ

يُحاولُ أن يُمسكها

أن يُمسِكَ وجههُ

في لونٍ من قوس قُزَحٍ..

لاَ يحدثُ شيءٌ

يَرتعشُ الماءُ

يَمدُّ أنامِلهُ الغضّة كيْ يحضنهُ

إذْ يتلاشَى

وتضيعُ مراياهُ الكرويّةُ

بينَ يدَيْه..

يقُول اللّه:

العالمُ هشٌّ مثلَ فقاعة ماءٍ

 تتَفجّرُ في يَدهِ..

يَبْكي الطّفلُ كثيرًا،

يَقولُ: أنَا أيضا..

(ناظم بن ابراهيم)

نصيبي في عالم الشجر

لم يَتَسَنَّ لي أنْ أكونَ بجمال شَجَرِ الكَرَز

ولا برهافةِ الصفصاف

إنَّما كانَ نصيبي في عالمِ الشَّجَرِ

أنْ أكونَ من سلالة الصَّبار والأشواك

لا عاشقينَ يَتَشابَقونَ تحتي

ولا أمانيَ تُعَلَّقُ على أغصاني

ولا رُعاةَ يَكْسِرونَ الظَّهيرةَ في ظِلِّي..

لكنني عندما تَخْتَرِقُ صيحَةُ الصيادينَ موسوعةَ الشَّجر

وتُغادرُ الطيور أعشاشها والسناجبُ أغصانها

أتَسَمَّرُ أنا على الأرضِ كمصارعِ السومو

ومخلوقاتي مُطْمَئِنَةً داخلي تَطوفُ بقلبي وتُرَدِّدُ

“فَلْيَعْبُدوا رَبَّ هذا الشَوك الذي أطعمهم من جوعٍ

وآمَنَهُم من خوف”.

(صبري الرّحموني)

1 المردومة: طريقة تقليديّة لصنع الفحم الخشبيّ بردم كومة من الخشب تحت القشّ والتّراب وإشعال النّار في جزئها السّفليّ.

https://www.alaraby.co.uk/diffah/hereno