لئن كان الفكر الإسلامي، في مجمله، قد أبان عن ميل هادر إلى تسييج الخيال بسياج العقل الصارم، عدا ما حصل مع عرفانية المتصوفة، فإن البلاغة العربية القديمة سوف تؤسس أنساقها على فرضيات هذا الفكر العقلاني ومنطلقاته بدون تردد، والتي ترتهن بالعقل كرقيب لكل عملية شعرية، خوفا من طغيان القوة التخييلية وسقوطها في المحظور الديني «الكذب»، وهي- فرضيات العقل- بفعلها هذا أقفلت الأبواب بإحكام في وجه عرفانية المتصوفة المتحررة من قيود العقل، لأنهم «لم يكونوا الممثلين الرسميين المتفق عليهم في العالم الإسلامي، خاصة في عصور المد العقلاني الذي اكتملت في ظل سيطرته كل أنسقة التفكير البلاغي والنقدي عند العرب، لقد اكتمل التفكير البلاغي والنقدي عند العرب في غيبة من المتصوفة، بعد أن نسج خيوطه وأقام صرحه متكلمون تأثروا تأثرا لا سبيل لإنكاره بالفلاسفة، وبنظرتهم الخاصة إلى العقل، أعني تلك النظرة التي لا تثق إلا في العقل وأحكامه، وتلوذ بأحكام التحسين والتقبيح العقليين».
كما كان لهذه الولادة الاضطرارية للتفكير البلاغي في أحضان الفلسفة الإسلامية في ارتباطها بما هو عقدي- ديني، بحيث كان المرتكز الديني عاملا جوهريا في مجمل التمظهرات الإبستمولوجية التي مارسها العرب ومنها علوم البلاغة، دور كبير في الزج بالرعيل الأول من البلاغيين العرب في خندق السلطة الأخلاقية لمقولة «الصدق والكذب» التي ستشكل في ما بعد عائقا إبستمولوجيا أمام تنامي وعي بويطيقي متحرر في نقدنا العربي القديم.

أولا – حدود الخيالي عند الجرجاني

لقد كان عبد القاهر الجرجاني، واحدا من النقاد العرب القدامى الذين خرجوا عن هذه القاعدة وأحدثوا انقلابا كبيرا في الدرس البلاغي. فهو القائل «وإذ قد عرفت هذه الجملة فها هنا عبارة مختصرة وهي أن تقول معنى/ ومعنى المعنى. تعني بالمعنى الظاهر للفظ الذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقد من اللفظ معنى يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر».
مسألة أخرى تؤكد ألمعية الجرجاني في هذا المجال، وهي عندما يؤكد على أن جمال الألفاظ لا يكمن في ذاتها بقدر ما يكمن في اتساقها الذي يخلق عوالم دلالية تخييلية عجيبة. «فلا جمال إذن في اللفظ من حيث هو صوت مسموع، وحروف تتوارى في النطق، وإنما يقوم ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب». من هنا يتجلى واضحا، عند الجرجاني، الدور الأساس الذي تقوم به البينات اللغوية في إنجاز الطبقات اللغوية وهو ما يؤلف عقد أطروحة «النظم» لديه. إلا أن الانتماء المذهبي (الشافعي) والعقدي (الأشعري) للجرجاني سيجعلانه يتردد ويرتبك في اتخاذ موقف صريح بخصوص عملية التخييل، فالسلطة الأخلاقية لمقولة «الصدق والكذب» جعلته يقسم المعاني إلى قسمين: عقلية وتخييلية، معتمدا في هذا التقسيم على أقيسة المطابقة لواقع الحال.
وما يمكن ملاحظته بخصوص موقف الجرجاني من المعاني التخييلية، هو الارتباك والتردد. فحينما ينظر إلى هاته المعاني من زاوية الرجل المنطقي، فإنه يتخذ موقفا أخلاقيا صارما لا يمكن إلا أن يرفض التخييل كقوة جارفة للحقيقة والصدق، جوهر الخطاب الديني. أما عندما ينظر إلى التخييل من الزاوية النفسية، فقد ينتصر فيه الرجل البلاغي بحدسه ووعيه العميق بطبيعة الظاهرة الأدبية، وكذا مكوناتها الفاعلة ودور العلاقات السياقية في بلورة عنصر التخييل، يقول الدارس العربي الذهبي في السياق ذاته: «فإذ يشيد عبد القاهر بشساعة المجال التخييلي يشترط معرفته بتأمل نسبه أي رده – معرفيا- إلى أصوله، كما يشترط متابعة تعيناته الفرعية المتعددة، وهما فعلان يقودهما القياس العقلي». إن عبد القاهر الجرجاني ينتهي في نهاية المطاف، إلى أن التشبيه والاستعارة فعلان يقتربان من المصادق فيما التخييل يخرق قاعدة الاستدلال العقلي على المعنى المقصود، والحاصل أن التخييل عنده «مناف للحقيقة وضرب من الكذب والخداع».

ثانيا- المنهاجُ وعيٌ حقيقي بالمحاكاة

ومن المتشبعين بالفلسفة الأرسطية في أصولها ومقاصدها، والذي أعاد قراءة أرسطو على نحو سليم، إذ سيهتم اهتماما شديدا بالقوة التخييلية، نجد بوجه خاص حازم القرطاجني، إنه في نظره عبد الرحمن بدوي: «أول من أدخل نظريات أرسطو وتعرض لتطبيقها في كتب العربية الخالصة». ويستطرد الدكتور بدوي قائلا بأن مجالي النقد والبلاغة العربيين لم يستفيدا من هذا السبق الفطن «ويا ليت من أتوا بعده أخذوا عنه». فلقد استطاع حازم بأستاذية وألمعية نادرتين، إدراك الدور التعويقي الذي لعبه علماء الكلام والمناطقة وعسس الاستدلال، لما أقحموا الشعر في مقصلة «الإسناد والإحالة»، أو ما يعرف اليوم «بالواقعية التسجيلية» انطلاقا من السلطة الأخلاقية لمقولة «الصدق والكذب»، هذا الكلام يعني أن الإحالة ليست فعلا تخييلا، لننصت إلى ما يقوله حازم في هذا الباب «فإن المعاني التي تتعلق بإدراك الحس هي التي تدور عليها مقاصد الشعر، وتكون مذكورة فيها لأنفسها، والمعاني المتعلقة بإدراك الذهن [الفكرية، المعرفية…] ليس لمقاصد الشعر حولها مدار، وإنما تذكر بحسب التبعية المتعلقة بإدراك الحس». إن غاية الشعر بالنسبة له، كما يتجلى واضحا في كتابه «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» أسمى بكثير من المقدمات الصادقة والكاذبة الخارجة من رحم المقولة الأخلاقية إياها في تشوفها إلى الإحالات التحقيقية، هي غاية تروم النسغ المرن للقوة التخييلية والمشدود بعصب القدرة على صوغ فضاءات تخييلية تؤثر في النفوس، عمادها المجاز الخلاق والاستعارة المجنحة. «ولعل الغلط إنما جرى عليهم من حيث ظنوا أن ما وقع من الشعر مؤتلفا من المقدمات الصادقة، فهو قول برهاني وما ائتلف من المشهورات فهو قول جدلي، وما ائتلف مع المضمونات المترجحة الصدق على الكذب، فهو قول خطبي، ولم يعلموا أن هذه المقدمات إذا وقع فيها التخييل والمحاكاة، كان الكلام قولا شعريا لأن الشعر لا تعتبر فيه المادة، بل ما يقع في المادة من التخييل». داخل هذا الفهم للشعر، تمكن حازم أن يميز بين نسقين مختلفين في القول الشعري، نسق إخباري، وآخر إنشائي. غير أن النسق الخبري لا يمكنه إلا أن يلعب دورا هامشيا في العملية الإبداعية الشعرية، في حين أن النسق الإنشائي يعني من ضمن ما يعنيه، التمثيل والرؤية والتخييل، وبناء كل ما لم يحدث بعد بواسطة هذه القوة السحرية الخارقة، أقصد «التخييل». لقد استطاع حازم أن يرد بذلك الاعتبار للشعر من خلال تخليصه من المقولات الخانقة لآفاق الخيال الرحبة، كمقولة «الصدق والكذب». فالخطاب الشعري هو غير الخطابات الفلسفية، إنه خطاب تخييلي بامتياز.
وفي المحصلة، لقد دافع حازم القرطاجني عن مقولة التخييل بتفنن وإتقان نادرين، بدون السقوط في إسار النظرة الخانقة لمقولة «الصدق والكذب» وداخل مجال هو في أمس الحاجة لفضاءات رحبة، فضاءات منطقُها الخاص هو التخييل الخصب.
بقي أن نشير إلى أن سياج الحسّي الذي شكل مرتكزا مهما في العملية التخييلية في الدرس البلاغي العربي القديم، إضافة إلى سياج الماصدق والتشبيه ، سيحُدّ من اندفاع هذا المشروع، يقول حازم «إن الأشياء منها ما يدرك بالحس، ومنها ما ليس إدراكه بالحس، والذي يدركه الإنسان بالحس فهو الذي تتخيله نفسه لأن التخييل تابع للحس».

٭ شاعر وكاتب مغربي

http://www.alquds.uk/?p=811031