تقف هذه الزاوية مع شاعر عربي في علاقته مع قارئه وخصوصيات صنعته ولا سيما واقع نشر الشعر العربي المعاصر ومقروئيته، هنا وقفة مع الشاعر التونسي محمد الغُزّي.
■ من هو قارئك؟ وهل تعتبر نفسك شاعراً مقروءاً؟
– هو كلّ متحمّس للقصيدة الحديثة، لطرائقها الجديدة في تصريف القول وتشكيل الصورة وبناء الإيقاع، ولكلّ متابع للقصيدة المغاربيّة، تغويه “نبرتها” المختلفة عن القصيدة المشرقيّة. وإذا اتخذنا مبيعات الدواوين مقياساً للمقروئية، فأنا أعتبر نفسي شاعراً مقروءاً، فكل دواويني قد نفدت من السّوق التونسيّة، واضطررت في أحيان كثيرة إلى إعادة طبعها، لكن إذا علمنا أني لا أطبع من الديوان الواحد أكثر من ألفي نسخة أدركنا عندئذ نسبية أحكامي وربّما تهافتها.
■ كيف هي علاقتك مع الناشر، هل لديك ناشر وهل هو الناشر الذي تحلم به لشعرك؟
– دعني أجبك بطريقة غير مباشرة. أنا متفائل بالجيل الجديد من الناشرين، الذين قدِموا إلى النشر من عالم الأدب أو الصحافة، هؤلاء ربّما كانوا مختلفين عن ناشري الحقب السابقة، فهم في الأصل مبدعون عرفوا مضائق النشر ومآزقه، لهذا يحاولون عقد علائق جديدة مع الكتّاب والكِتاب. أرجو أن يكون تفاؤلي “في محلّه” كما يقال. ليس لديّ ناشر خاص، ما أبحث عنه لدى أي ناشر هو حبّه للكتاب، والأهم أن يتجلى هذا الحب في صناعته وفي طباعته. فالكتاب عامّة والديوان الشعري على وجه الخصوص، في حاجة إلى عين عاشقة، حتى يخرج للناس في طباعة لائقة تحفّز على القراءة لا أن تنفّر منها.
■ كيف تنظر إلى النشر في المجلات والجرائد والمواقع؟
– هذه الوسائل على أهمّيتها، هي مجال القراءة السريعة لا القراءة المتأمّلة. القراءة العجلى لا القراءة الناقدة. قراءة السطح لا قراءة الغور. لكن ميزة هذه الوسائل ربّما، تمثلت في التعريف بالشاعر أو بإنتاجه الجديد، فوظيفتها “دعائية” لا معرفية.
■ هل تنشر شعرك على وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف ترى تأثير ذلك في كتابتك أو كتابة زملائك ممن ينشرون شعرهم على وسائل التواصل؟
– طبعاً، أنشر شعري في هذه الوسائل، بل إنّ لي صفحة تضم مختارات من قصائدي. ومن خلال هذه الصفحة تمكنت من عقد علاقة مع الكثير من الشعراء العرب والأجانب.
■ من هو قارئ الشعر العربي اليوم في رأيك؟
– ينبغي الاعتراف أولاً، أن قرّاء الشعر يتضاءلون باستمرار، لأسباب عديدة لعل أهمّها انتشار الشعر في أجناس من القول عديدة. فالشعر لم يعد مقتصراً على القصيدة، مكتفياً بها، بل أصبح منتشراً في أقاليم لغويّة أخرى منها الرواية والقصّة والمسرح؛ أي إنّ الحاجة إلى الشعر أصبحت تلبّيها أجناس أدبيّة عديدة. أضف إلى ذلك أن الخطاب الشعري الحديث بات خطاباً “مثقفاً”، يسترفد مجالات معرفيّة وفكريّة شتّى، يستمدّ منها رموزه وصوره، ممّا يفرض على القارئ أن يكون مزوّداً، هو الآخر، بثقافة شعرية ومعرفيّة تمكنه من التفاعل مع القصيدة الحديثة وعقد حوار معها. وهذا الصنف من القراء آخذ في التضاؤل.
■ هل توافق على أن الشعر المترجم من اللغات الأخرى، هو اليوم أكثر مقروئية من الشعر العربي، ولماذا؟
– أعتقد أن الشعر المترجم بات يحظى باهتمام الشعراء، و قرّاء الشعر على حدّ سواء، ويمكن أن أشرح هذه الظاهرة انطلاقاً من تجربتي الذاتيّة. فأنا أُقبل فعلاً على قراءة هذا الشعر، لأنّه يطلع قارئه على تجربة روحية مختلفة، وعلى آفاق تعبيرية جديدة، وعلى أساليب في الكتابة غير مألوفة. وإذا اقتصرنا على القصيدة الغربية، قلنا إنّ شعراءها ما انفكّوا يوسّعون من معنى الشعر، أي من معنى الكتابة. فهذه القصيدة مختبر دائم يجرّب من خلاله هؤلاء الشعراء، إمكانات اللغة/ إمكانات الإيقاع.
■ ما هي مزايا الشعر العربي الأساسيّة وما هي نقاط ضعفه؟
– مزاياه كثيرة، لا يمكن أن نحيط بها في هذا الحوار السريع. لكن أهمّها على الإطلاق أنّ القصيدة الحديثة لم تعد تتحدّر من الشعر فحسب، بل أصبحت تتحدّر من مجالات معرفية وفكرية كثيرة.
■ شاعر عربي تعتقد أنّ من المهم استعادته الآن؟
– سأتحدّث عن تجربة لا عن شاعر. أرى أنّ أَولى التجارب بالاستعادة الآن، هي التجربة الصوفيّة، سواء أفصحت عنها الأساليب النثرية أو الشعريّة. هذه التجربة العميقة التي ظلت على هامش ثقافتنا فلم تؤثر فيها، قادرة إن قرأناها قراءة متأنّية، على ضخّ دماء جديدة في أدبنا.
■ ما الذي تتمناه للشعر العربي؟
– أن يكون مختلفاً عن نفسه باستمرار، لأنّ التكرار نقيض الشعر. كلّ كتابة هي في أصل تكوينها، خروجٌ من الأماكن الآهلة ودخول إلى الربوع الخالية. ففي ذلك المكان القصيّ يسكن الشعر.

بطاقة: شاعر تونسي ولد في القيروان عام 1949. وحصل من جامعة تونس على درجة الدكتوراه في الأدب عام 1989. يعمل حالياً أستاذاً بجامعة نزوى في عُمان. صدرت له سبع كتب شعرية، بعضها مجموعات وبعضها مختارات: “كتاب الماء، كتاب الجمر” (1982)، و”ما أكثر ما أعطى، ما أقل ما أخذت” (1991)، و”كثير هذا القليل الذي أخذت” (1999)، و”سليل الماء” (2004)، و”كالليل أستضيء بنجومي” (2006)، و”ثمّة ضوء آخر” (2007)، و”استجب إن دعتك الجبال” (2015).

يضع محمد الغزّي كثيراً من شعريته في القصص التي يكتبها للأطفال، حيث صدرت له كتب عديدة في هذا المجال، من بينها: “صوتُ القصَبةِ الحزين”، و”كان الربيع فتىً وسيماً”، و”علّمني الغناء أيّها الصّرّار”، و”الأرض وقوس قزح”، و”ليلة بعد ألف ليلة وليلة”، و”النّخلة تمضي جنوبا”، و”حكاية بحر”، و”القنفذ والوردة”، و”رسالة إلى الشتاء”، والأخير فاز بجائزة “أفضل كتاب تونسي للطفل” من “معرض صفاقس لكتاب الطفل” عام 2013.

https://www.alaraby.co.uk/cultur