ثلاث صور استقرت عليها الشعرية العربية المعاصرة استقراراً نسبياً؛ صورة سواحل القصيدة التقليدية المألوفة، ذات المنارات والصوى والتعرجات الهادية، أعني الصيغ الإيقاعية والمعجمية التي حافظت عليها قصيدة الشطرين أو “مصفوفات الطابوق” المنتظمة، ولدينا صورة قصيدة التفعيلة التي عبثت بهذه المصفوفات، فجاءت على غير انتظام عند بعضهم (السياب وحاوي وأدونيس والبريكان وحجازي ودرويش…إلخ) وجاءت على شيء من الانتظام الذي يوحي بسلفها ذي الشطرين (نازك الملائكة، وعبدالصبور وفدوى طوقان…إلخ).
ولدينا في الجهة المقابلة صورة القصيدة النثرية غير المألوفة؛ صورة بحرٍ حيث لا منارات ولا صوى ولا تعرجات هادية، بل حركة ايقاعية تتخلق مع كل سطر، بل ومع كل شاعر، كما هي لدى محمد الماغوط وأنسي الحاج وتوفيق صايغ، ومن يتابع هذه الحركة من شبان مطلع القرن الحادي والعشرين، ارتداداً الى أوائل القرن العشرين كما هي عند جبران خليل جبران وأمين الريحاني.
في هذه التقابل، تبدو لنا عدة فروق جديرة بالانتباه، أولها، وفاءُ الصورة الأولى، والى حد ما الصورة الثانية، من قصائد المصفوفات (التفاعيل) للصيغة، للقالب الوزني والمعجمي. ذلك الذي يسند الإنشاء الشفاهي في القصيدة التقليدية، والذي تواصل عصراً بعد عصرٍ حتى دخل في القصيدة المكتوبة (البارودي وشوقي والجواهري وبدوي الجبل والبردوني…إلخ).
وثانيها، خلاصُ قصيدة النثر من القوالب الشفاهية بكل صيغها، واعتمادها على ذبذبات الشعور والتجربة الخاصة بكل شاعر. وقيل في تعليل هذا الفرق الثاني الجوهري أن قصائد المصفوفات مكتوبة للأذن، والثانية مكتوبة للعين، ولكن الفرق أعمق من ذلك؛ إنه التطابق بين الصيغ الوزنية والمعجمية في المصفوفات وغياب هذا التطابق في قصيدة النثر.
صحيح أن قدرة شاعر المصفوفة على تحوير الصيغة وتوليد صيغ أخرى ملحوظة، إلا أنها قدرة محدودة، أي أن مغامرته محكومة بقواعد، وانحرافه أو انزياحه مشروط بهذه القواعد، سواء تعلقت بطبيعة المجاز أو الأعراف الإيقاعية (انتظام الأشكال أو الحفاظ على التفاعيل). ولهذا نلاحظ امتلاك شعراء هذا النوع القدرة على التطريب.
منشأ التطريب هو البناء على المألوف أو نصفه، إيقاعاً وصوراً. المستمع يستطيع إكمال العبارة قبل أن ينطقها الشاعر في غالب الأحيان بمجرد معرفته أو إحساسه بالمذهب (الوزن). والسبب هو أن الشاعر يخاطب هنا صيغا مركوزة في ذاكرة المستمع (مذهباً وفكراً)، وحتى إذا حاد عنها قليلا يظل مربوطا بها مثل البندول جيئة وذهابا، مما يساهم في استنهاض قدرة المستمع على استكمال المعنى والصورة الثابتة من حيث الجوهر والاهتزاز طرباً.
في قصيدة النثر كل شيء يجري عكس هذا أو ضده بالأحرى. فالتطريب مفقود، ونعني به شكل التوصيل المعتاد الذي تحول إلى قيمة “جمالية” دالة على ضحالة ذوق، لأن الشاعر يقطع الخيط الذي يشده الى الصيغة المألوفة، ولا يعود يتذبذب مثل بندول الساعة، بل يتحرك مثل خيط في فضاء. إنه طائرة ورقية، أفلتت من يد المستمع وما عاد يدري أهي طائرة ورقية أم عقاب تائه أم غيمة.
ما نعنيه بهذا أن شاعر قصيدة النثر لا يدفع بصورٍ مكتملة، أو أفكار تسمح للمستمع بالزهو أو الاعتزاز بقدراته، بل بصورٍ تبدو منبتة الصلة بكل ما يعرف، لا حدود لها وتحويراتها وانحرافاتها لا قاعدة مفهومة لها. إنه شاعر لا يقول، لا يتكلم، بل ينطق عن “صبابة” على حد تعبير قدامة بن جعفر في تمييزه بين نوعين من الشعراء، أحدهما ينطق عن صبابة والآخر يتكلم. ويكاد شاعر النثر المعاصر أن يكون الأكثر وفاء لمطلب حازم القرطاجني الذي هاله خروج الشعراء من “مهيع الشعر الى محض التكلم” فعاد الى الشعر تاركا محض التكلم.. لغيره.
لماذا أتذكر أشياء من تراثنا الشعري؟ لماذا قدامة بن جعفر والقرطاجني؟ أو لماذا تذكرني شعرية أصدقاء شعراء من أجيال عربية مختلفة بهذه الملتقطات الذهبية في غبار القرون؟
لأن الشعرية اختلطت لدينا بغيرها؛ بالصيغ التقليدية، بالقواعد المقررة، بمقولات تحاول دائماً أن تبرّر الشعر بغيره، وكأنه لا يحمل تبريراً بذاته. هل لأننا لم نفهم الشعرية؟ هل لأن هذا الطائر العجيب الذي نلمحه أحياناً في قصائد تراثنا غيّبته العادة وغيّبه المكرور، أو حوّله الاعتياد إلى طائر حجريّ في متحف، توزع منه نسخٌ تباع في حوانيت الأكاديميين والكسالى وأعداء الشعر والشعراء؟
كل هذا وغيره يقف بين القارئ وبين الشعرية، وتقف حالة ثقافية منحدرة فقدت حتى قدرتها على تلمس الابداع والجديد (الكثير من الكشوف لا يجد صدى في وضعية ثقافة متعبة). إننا نمجد الإيحاء والإشارة والتلميح والتصوير ولكن بشروط، وهنا نفقد القدرة على رؤية وتقييم ما يخرج على شروطنا.
ترابطت القصيدة في ذاكرتنا الشعرية بالطرب، مقصية التجربة والممكنات، ما أغرقنا في أغاليط مكرورة. وحين يأتينا شاعر عابرٌ بالإحساس بالأشياء لا بالمفاهيم، نضيع ويفلت منّا خيطُ القصيدة وعصفورها معاً. وحين يأتينا شاعر بمعنى الكلمة لم يولد من المعجم والديوان العتيد، بل من اختلاطاته والحمّى التي تأكله، لا نحاول أن نسأل أو نشك، بل نرجع إلى مرجعياتنا المألوفة، بل وإلى أكثرها فجاجة.
إنني احترم رأي القرطاجني في الشعر مثلما أحترم تجارب المغامرين على حدود مجهولة بالنسبة لي، وأعطيهم حق أن ينتسبوا إلى “الشعرية” من دون حاجة إلى الانتساب إلى “القصيدة”. القصيدة، تقليدية أو تفعيلية، إنجاز متحقق، ولكلٌّ أن يرقص في سلاسلهِ، ولكن الشعرية بحر من الممكنات يمكن أن تتجسد في أشكال لا تُحدّ. يمكن أن تكون في سطور حكاية أو حكمة أو رؤية أو لوحة.
لا يقين في عالم الشعرية، إلا أنني على يقين بأنها لم تكن يوماً مما تهتز له الرؤوس وتطرب أو تصفق الأيدي وتتعب من التصفيق إلا في عصور انقضت بما لها وعليها، حين كانت تتلبّس الشعرية حالاتٌ غريبة عنها؛ حين كانت “محض التكلم”.

 

 
https://www.alaraby.co.uk/cu