“دمشق مهلكة من الخمول..”

رامبو

كان لدى زوج خالتي ، الضابط السابق ، سيارة (شيفروليه) زرقاء كبيرة ..بحجم غرفة من المنزل ، وحين يعود ويجدنا معا – أنا وابنه في مثل سني – سرعان ما يقع في فخ إصرارنا ولا يجد فكاكا سوى أن يقود سيارته بنا إلى لا مكان..عبر شوارع متلألئة..حيث نكون في منتهى السعادة ونحن وسط السحر..الذي اسمه: دمشق ، وهو..الرجل الحازم ، مذعن لرغباتنا. وفي زمن كان قلة من الرجال يمتلكون السيارات وكان جميع الأطفال مسحورين بركوبها ، كانت (ميمي) وحدها..امرأة تملك سيارة وتقودها بنفسها أيضا..! نكركر ونزقزق إلى أن نقف.. قبالة السيارة ذات اللون الناري..وتلحق بنا ( ميمي ) بوجهها البرونزي وشعرها الأشقر وضحكتها الساطعة كنهار صيفي.. تفتح باب سيارتها لنا.. تنظر (ميمي) إلينا تضحك لضحكنا.. وتبتهج لابتهاجنا..في النهاية أجلس على المقعد الأمامي قرب (ميمي) التي تقود السيارة.. وعلى العكس من سيارة (الشيفروليه)..كانت سيارة(ميمي) الحمراء صغيرة ومنمنمة.. تشبه (ميمي) نفسها. هي التي كانت تقترح اصطحابنا..ولم يكن والدانا يعترضان.. لأن هذا بقدر ما يسبب لنا السعادة فأنه يسبب السعادة للآنسة ( ميمي ) ضيفة سكان الحارة، أو..على الأقل..أصدقاء السيد( محي الدين )..ابن الحارة العريق.

لماذا كان وجه (ميمي) برونزيا ؟ كل نساء دمشق لهن وجوه بيضاء من دون سوء..يقولون: بسبب ماء دمشق..أكثر مياه العالم عذوبة..ويقولون بسبب هوائها العليل..رجما بالغيب..! ويقولون بسبب غوطة دمشق..وقد يكون السبب ذلك كله ..فهذه هي معجزات دمشق.. ولايمكن القول أن (ميمي) معجزة دمشقية، فقد كانت صغيرة الحجم ، تفيض أنوثة، ومنطلقة، لكنها لم تكن دمشقية، بل لبنانية.. وقد التقى بها السيد ( محي الدين ) واغرم بها وعرض عليها الزواج فورا.. بينما طلبت (ميمي) مهلة للتفكير..وكان شرطها..عدم تحديد المهلة.. أما السيد (محي الدين) فقد كانت النصيحة الذهبية التي حصل عليها من أصدقائه..عدم الإلحاح..يكفي أنها موجودة، وأنه يراها..ويكفي أنها سعيدة بزياراتها لأصدقائه، واصطحاب أطفالهم معها إلى بيتها..أليست (ميمي) مغرمة بالأطفال ؟! فلماذا لا تتزوج وسوف يكون لها أطفال قدر ما تشاء ؟..

تنطلق السيارة بنا وسط الحارة، من اليمين صف من العمارات الحديثة تبدأ بالعمارة التي يقع بيتنا في طابقها الثالث والأخير، وتنتهي بالعمارة حيث بيت جدتي لأمي في الطابق الأول، ومن الشمال صف من البيوت الطينية الصفراء المعجونة بالقش اللامع تحت شمس النهار الحارقة، تنتهي بصورة متناقضة ببيت مكعب، من طابقين، مبني من الأحجار والخشب مقابل بيت جدتي ويدعى (بيت الراعي..) تلتف الطريق حول بيت جدتي نزولا نصف دائرة، فتبلغ الحارة التي تقع خلف العمارات والتي يجري بمحاذاتها نهر صغير، هو أحد فروع (بردى)..وهناك نلعب بعد الظهيرة كل يوم،.. أما إذا سرت أماما – وهو الاتجاه الذي تأخذه ميمي – فإنك تعبر طريقا فوق النهر بمحاذاة أسوار طينية تحجب خلفها بساتين الصبار، وأسوار توازي انعطافات النهر وأخرى تحجب مالا ندري بسبب قصر قاماتنا وعجزنا عن النظر من فوقها، بعدها تقودنا (ميمي) عبر طرقات أخرى وسط أفياء وأنوار.. ساحرة ومسحورة..أعجز بعدها عن تحديد الأمكنة وأفقد حس الاتجاه مهما كان عدد المرات التي سلكت فيها الطريق نفسها.. التي ترتفع ببطء إلى أن نبلغ منزل (ميمي) في مكان ما من دمشق.. مكان عال.. نجلس في الصالة بينما ( ميمي ) تضحك لنا أيا كان ما نفعله أو نقوله.. نقفز هنا وهناك وعلى الأرائك في بيت كأن كل جدرانه من زجاج لأنه كان ممتلئا بضوء الشمس، شمس دمشق الاستثنائية.. بحيث كان ممنوعا على الأطفال الخروج إلى الحارة في الصيف عند الظهيرة، حيث تقف الشمس في وسط السماء.. وتحرق كل من يتحرك.. كان الكبار ينامون، وتعم السكينة، البيوت ومداخل العمارات.. والحارات..ثم الشوارع، والمدينة كلها..كما لو كان الوقت منتصف الليل، بينما الأطفال الذين يعجزون عن النوم، يتعذبون بصمت، محشورين خلف الأبواب يتهامسون ويبتدعون ألعابا خالية من الضجيج والصراخ، وحتى إذا تجرأوا على الخروج خلسة فلن يجدوا أحدا في الخارج، فيعدون الدقائق إلى أن تميل الشمس عصرا ويستيقظ الرجال والنساء، ويطلقون سراح الأولاد وتهب نسائم دمشق الرقيقة وتنبعث المدينة كلها من جديد..نلاقي بعضنا بعضا ونركض مع النهر صارخين، ندخل بيوت رفاقنا.. الذين يسكنون في بيوت قديمة حين تنفتح أبوابها يصادفك فرع من النهر داخل البيوت..عليك أن تحاذيه، وأحيانا أن تعبره، قبل أن تصل إلى باحة البيت..تم إلى الغرف..وعند الغروب ينعكس الضوء الوردي على النوافذ وعلى إسفلت الطرقات قبل أن يهبط الظلام تماما.. لكن بيت (ميمي) كان مضاءا بنور لم أعهده في بيتنا.. ولا غرابة أنني لم أستطع في ذلك الوقت – ولا اليوم حتى- أن أحدد المكان الذي يقع فيه، فمنزل الآنسة (ميمي) لا يمكن

تحديده عبر جغرافيا المدينة بل..عبر جغرافيا الحلم والذكرى.. تغيب (ميمي) عنا لدقائق تعود بعدها حاملة طبقا عليه أكواب بللورية مليئة بشراب حلو..لذة للشاربين.. ماذا كان ؟! ( ميمي ) تفعل أي شيء لإسعادنا، تقدم لنا الشراب على طبق كما لو كنا كبارا.. نجلس على الأرائك متقابلين ونشرب العصير و(ميمي) تنظر إلينا بعينيها الراقصتين، وتسألني: هل أنت سعيد؟ أنا سعيد يا (ميمي) سعيد.. ولكن، هل كانت (ميمي) سعيدة..؟ إنها تفكر.. وتفكر، والسيد ( محي الدين) يتعذب:

الرجل البدين.. الأنيق واللبق، وجهه مستدير، حليق الذقن، له شارب قصير وثابت، لا يطول ولا يقصر، بحجم الابتسامة الأبدية على شفتيه وهو يلقي التحيات، أو حين يتلقاها، أثناء عبوره الحارة إلى محله وسط دمشق.. فقط لو أن الآنسة ( ميمي) تمنح السيد (محي الدين ) نصف الحنان الذي تمنحه لنا نحن الأطفال.. لكن..كل ما يحصل عليه هو النصيحة نفسها: اصبر.. ولا تلح.. إنها تذهب وتعود إلى الحارة وهي بصحبة الأطفال.. هذه إشارات إيجابية..

* * *

كان عالما مليئا بالمسرات..لكن مسرتنا التي لا تنتهي، كانت استكشاف محيط الحارة..بعد (بيت الراعي) تصبح الحارة من خلفنا، ولا يتبقى أمامنا سوى بيوت غامضة متفرقة لها حدائق وأسوار، بعدها تضيق الطريق بجانب سهل ترابي مليء بالحصى، ثم تنعطف فتختفي الحارة من ورائنا، ولا تظهر (الربوة) من أمامنا بعد، فتسري قشعريرة لذيذة في جسدي، يرتفع من جهة حبل صغير، بعد السهل، ومن الجهة الأخرى سور طيني، تحته وادي الربوة..ومن خلال انهدامات وفتحات السور، نرى أحياء بعيدة من دمشق..لا يمكن الوصول إليها – من وجهة نظرنا الطفولية – لكن، يمكن رؤيتها فقط، كالأحلام..يمتد بيننا وبينها صوت الصمت وخرير المياه في الأسفل ونشوة تعبق بالمكان كله..ثم تنحدر الطريق بعد انعطافها، انحدارا شديدا، نحو جسر خشبي فوق نهر نعبره إلى المقاهي ونسير على طريق ترابية ضيقة نزولا وسط الربوة وحتى طريق (بيروت) المحاذي لسكة القطار التي تحاذي نهرا آخر.. بين جبلنا الصغير، وجبل (قاسيون).. في هذه المنطقة يقال أن القطار انقلب بـآخر الأتراك الذين حملوا كل ما يملكونه وهم يغادرون دمشق، بعد ثورة الشريف (حسين)..وكان هناك حتى زمن طفولتنا من يبحث عند ضفة النهر، على طول السكة عن الذهب الذي كان الأتراك يحملونه معهم..

كانت هناك مسرات أخرى.. المجلات المصورة. شقيقي الأكبر كان مولعا بصور الطائرات، ينتزع بالمقص كل ماتطاله يده من صور: طائرات فرنسية وبريطانية وروسية..ويقوم بإلصاقها على أبواب الخزائن في البيت..لكن أمي كافحت هوايته بشدة، مما اضطره إلى حصر نشاطه العسكري على باب خزانته الخاصة ، حيث تجد معركة جوية كاملة : طائرات تنقض ، تقابلها طائرات صفراء معترضة وتحتها طائرات مناورة باللون الأزرق.. أما شقيقي الثاني الذي يليه في العمر، فقد كان مولعا بالمجلات المصورة للفتيان: (بساط الريح) و(سوبرمان) ولم نكن نحن الصغار نستطيع القراءة بعد ولكن كنا مسحورين بالرسوم الملونة والمتقنة، وبعد فترة وجيزة أخذت أنسخ تلك الرسوم، وتعلمت الرسم قبل أن أتعلم الكتابة، لكن، ولعنا الأساسي- نحن الشقيقان الصغيران- كان ما يعرضه التلفزيون الذي كان حدثا جديدا: أفلام الكارتون (باباي) وصور الفدائيين الفلسطينيين والمغاوير السوريين..كانوا (سوبرمانات) حقيقيين بالنسبة لنا.. في أحد الإعلانات التلفزيونية نرى مغوارا يأكل أفعى..كانت بدايات كل شيء..بداية الزمن أيضا..

الأمهات قادرات على إطعام أطفالهن دون عناء أمام التلفزيون.. لكن، في أحد الأيام أحضرت أمي طعام الغداء وهي مرتبكة،..لأن شاشة التلفزيون تعرض أشياء غريبة في وقت عرض (باباي).. وتجاهلت أمي الأمر وحاولت إشغالنا لكننا رفضنا وصرخنا معا –أنا وشقيقي- : “..باباي..أين باباي ؟” والمضحك أن أمي لم تجد سوى أن تخبرنا بالحقيقة مع أنه كان من المشكوك فيه أن نفهم، حين قالت:” نحن متخاصمون مع أمريكا..ولن يعرض التلفزيون باباي بعد اليوم لأنه أمريكي..وعليكم أن تأكلوا..!” والمدهش أننا نظرنا إلى بعضنا البعض- أنا وشقيقي- وتناولنا طعامنا كما لو أننا فهمنا..وفوق ذلك مضت أيام لم تزرنا ميمي..

* * *

ذات يوم، أفقت من النوم عند الظهيرة بينما كان شقيقي الأكبر يحملني عن السرير بيد، ويحمل حذائي بيده الأخرى، وسمعت صوت أمي من مكان ما في المنزل يقول: “..انزل به إلى القبو..فورا ” وعلى سلم العمارة ، كان شقيقي يحاول إدخال قدمي في الحذاء.. ومن غير أن يتوقف عن الجري بي، فبكيت، كما يبكي طفل يحاول أشقاؤه الكبار إشراكه في لعبة خشنة لا يريدها، لكن شقيقي نهرني بشدة..لم تكن لعبة.. وحينها بدأت أسمع أصوات مهولة لم أسمع مثلها من قبل: أصوات انفجارات وهدير و.. أدركت العلاقة بين عصبية أخي وهذه الأصوات المجنونة..وبلغتا القبو.. وهو الطابق تحت الأرضي مكون من شقتين متقابلتين مثل الطوابق العليا، لكنه الأكثر أمانا وهو الآن ملجأ مؤقتا لكل سكان العمارة..أبواب الشقتين مفتوحة على الغارب.. للداخلين والخارجين..دخلنا إحداهما..وهي التي وجدنا شقيقي

الثاني قد سبقنا إليها مع ابن جيراننا في مثل سنه..كانا جالسين على الأرض وقد وضع كل منهما إلى جانبه رزمة كاملة من مجلات (سوبرمان) و ( بساط الريح ) التي هربا بها من الطابق الثالث إلى هنا..والآن وقد وصلا بأمان وأنقذا مجلاتهما..جلسا على الأرض بين الأقدام وسط الهرج والمرج وأخذا يتصفحانها مجلة..مجلة..ولم يرفع أي منهما رأسه كي يرى ما يحدث حوله أو ماهي أخبار الحرب في الخارج..وقد أصبح تصرفهما موضع تندر الجميع بعد الحرب، لكن.. حينها لم ينتبه أحد إليهما، كانت طريقتهما للتعبير عن الخوف.. تركني شقيقي الأكبر في القبو حيث لحقت بنا أمي مع شقيقي وشقيقاتي الثلاث، وصعد السلم نحو مدخل العمارة الذي كان مسدودا بأجساد كبيرة: أبي وبقية رجال العمارة..الذين كانوا بوقفتهم يشيرون إلى مواقع يتصاعد منها الدخان وأخرى تنقض عليها الطائرات..من جهة، ويحجزون الصغار ورائهم من جهة ثانية، وكان شقيقي الأكبر مغتاظا فهو لن يفوت حربا جلبت طائرات حقيقية إلى مقربة منه، ولا يستطيع الخروج إلى الحارة لمراقبتها بنفسه، لأن أبي كان شديد الحذر من ميوله واهتماماته وكان يتعمد احتجازه وراء ظهره..أمسكتني أمي بيد وشقيقي باليد الأخرى، وأخذت تركض بنا من مدخل العمارة إلى بيت جدتي للاطمئنان عليها وهناك كان أحد أخوالي، بينما كان خالي الآخر يؤدي الخدمة العسكرية، ومن المفترض أنه على الجبهة، ومع وصول الطائرات الإسرائيلية إلى فوق رؤوسنا، اشتد القلق بالجميع، ونذرت إحدى خالاتي كبشا له قرن واحد إذا عاد خالي سالما من هذه الحرب..ذهابا وإيابا..المرة تلو المرة..بين مدخل العمارة وبيت جدتي..أنا وأمي وشقيقي..ركضنا عشرات المرات وسمعت أصوات الرصاص القريب ..والإنفجارات..أنظر إلى وجه أمي فأراها مهمومة وقلقة لكنها ليست خائفة..فلا أخاف..ومرة رأيت طائرة إسرائيلية سوداء، على ارتفاع منخفض تعبر سماء الحارة ورأيت الطيار..نظر إلي..طوال لحظة بطيئة ورأيته يضحك ثم..اختفت الطائرة فوق عمارتنا بالضبط..

لا أتذكر أن زوج خالتي صاحب (الشيفروليه)- في هذه الأثناء- قد علق عل ما يجري، مع أنه الأجدر بذلك وهو الضابط من عهد الوحدة ، كان غاضبا كالآخرين لكنه كان يراقب بصمت كأن ما يحدث قد سبق ورآه في أحلامه..! مع ذلك كان يفكر بأمر لم ندر نحن الصغار ماهو ؟.. أمر سيتم مع أذان المغرب..أخذتنا أمي إلى السيارة (الشيفروليه) ركبنا جميعا باستثناء أبي وشقيقي الكبيرين، ثم جاءت خالتي- التي نذرت ذبح الكبش وحيد القرن- مع أولادها دون زوجها أيضا، ثم خالتي زوجة الضابط وأولادها وانطلقت السيارة الزرقاء محملة بثلاث عائلات تقريبا، واخترقنا دمشق تحت أذان المغرب، كان الوقت رماديا كأن الغبار غطى كل شيء لم تكن الشوارع مقفرة، بل عل العكس.. رأيت رجالا يجلسون على الأرصفة، وعلى عتبات المحلات المغلقة، كان معظمهم ملثمين بكوفيات رغم حرارة الجو في حزيران..بعضهم كان يلصق على أذنه جهاز (ترانزيستور).. هذه المشاهد هي محتوى التعابير التي سوف أسمعها في السنوات التالية: (هزيمة الـ67) و( نكسة حزيران)..ثم غادرنا دمشق ، المدينة التي تجري من تحت حاراتها وبيوتها الأنهار..وعلى الطريق كانت اسطوانات معدنية تحترق..خزانات وقود ضخمة. وبدأت تظهر على الطريق سيارات تحمل النساء والأطفال وهي تنأى عن دمشق.. التي يستطيع أبناؤها أن يعرفوا الطريق إليها على مسافة ساعة، حتى وهم معصوبي العيون، بسبب الرائحة الزكية التي لا تشبه أية رائحة..! شرط أن يكونوا قد ولدوا فيها.. مثل سماء (القدس)..التي لا يعرف زرقتها سوى الفلسطينيين الذين نزحوا عنها..

ثم أخذت سيارتنا تسافر بنا وسط الظلمة، إلى أن وصلنا في الليل إلى بلدة تبعد ثلاث ساعات عن دمشق، ظننت أننا هاربين ، إلى أي مكان بعيد عن الحرب، لكنني اكتشفت أننا نعود إلى البلدة التي تنتمي إليها عائلاتنا الثلاث..كل وله أعمام وعمات هنا، أوصلنا زوج خالتي إلى بيت عمي، عندما نزل لكي يساعدنا على إنزال حقائبنا، كادت السيارة تتعرض لأضرار لم تصبها أثناء الغارات في دمشق..لأن ابن خالتي الذي في مثل عمري، اغتنم فرصة نزول والده فلعب بدواسات السيارة والمقود، كرت السيارة إلى الوراء فصرخت الخالتان مذعورتين من داخل السيارة، كما صرخنا نحن من خارجها، وأسرع زوج خالتي ..محاولا تفادي وقوع حادث، وتعالت صيحات لم أسمعها أثناء الغارات الإسرائيلية في النهار، والآن نحن في مكان غير مألوف لنا ، وسط العتمة وأبناء عمي الذين مازالوا غرباء عنا، واقفين على باب بيتهم، لكن السيارة ارتطمت بجدار وتوقفت..وما أخاف الجميع وقتها كان الشيء الوحيد الذي أسعدني في ذلك اليوم الحزيراني الكئيب..بل شعرت بالفخر، لأن ابن خالتي، رفيق طفولتي وشريك ذكرياتي استطاع وحده تحريك السيارة الكبيرة المليئة بالخالات والأولاد والحقائب، رغم كل شيء..وأيا كان الظرف..

هكذا..كانت حرب الـ(الأيام الستة) التي شنتها إسرائيل، حربا شخصية جدا وكانت (غولدا مائير) و(موشي دايان) غريمان لنا.. اخترقت طائراتهما السوداء ملعب طفولتنا.. وكانت ساعة الصفر: وقت قيلولتنا في يوم حزيراني..ولم تتوقف الغارات إلا بخروجنا قافلة من ثلاث عائلات في سيارة واحدة..عند المغيب. وفي الأثناء سقطت فلسطين، وأجزاء من مصر وسوريا تحت الاحتلال الإسرائيلي.. عاد خالي من الحرب سالما.. محملا بالغبار والصمت.. وأصدر بعد عشر سنوات.. ديوان شعر أسمه (مونادا دمشق).. فما معنى (مونادا) ؟ كان يشرح

دوما:”..ليس منادى..بل مونادا.. أي جوهر..”.. لكنه ديوان شعري مليء بصور النساء العاريات بالتقابل مع الصفحات المكتوبة وقد أشاحت أمي وخالاتي بوجوههن عن الديوان بينما كنا نحن أبناء شقيقاته نضحك من شقاوة خالنا الشاعر، واليوم أنظر للأمر على أنه عري الهزيمة، ووفت خالتي النذر بذبح كبش بعد عشر سنوات أخرى. الآنسة (ميمي)..لم يرها أحد، ولم تودع أحدا، ولم تقل لأحد شيئا، لقد اختفت- هكذا ببساطة- هي وسيارتها الحمراء..حاولت لكنها لم تستطع إقناع نفسها بالبقاء.. ظل السيد (محي الدين) يعبر الحارة في طريقه إلى محله وسط دمشق لكن أصدقاءه لاحظوا أن المحل يظل مغلقا.! وأكد آخرون أنهم رأوه يبكي دون أن تفارق الابتسامة وجهه، بعد ذلك.. اختفى (محي الدين)..

* * *

أخذت تجذبني صور وأسماء لم أعرف – في البداية- ما الذي يربط بينها.. لكن كنت مشدودا إليها بقوة الغريزة: صور (قصر الحير) الغربي والشرقي في البادية..مئذنة (الجيرالدا ) في اشبيلية..جنة العريف..قصور الحمراء.. مملكة غرناطة..قرطبة ونهرها.. أحببت كل طفولة.. مقطوعة عن أصلها، طفولة تعيش على أرض وتحن إلى أرض أخرى.. طفولة الأندلسيين والفلسطينيين وطفولتي.. وقلوبنا التي أصبحت بوصلات، تؤشر إلى مكان واحد: غرناطة.. أو القدس.. أو دمشق..وأخذت أرسم.. وأرسم.. موضوعا واحدا متكررا..في القسم العلوي من اللوحة طائرات سوداء يقودها طيارون وجوههم بادية من القبة الزجاجية.. تواجهها طائرات عربية بيضاء أو ملونة.. وعلى أرض اللوحة مواجهة بين فدائيين ملثمين يطلقون نار رشاشاتهم على جنود إسرائيليين يتمايلون على أهبة السقوط قتلى.. أدهشني هذا التطابق بين الأشكال والموضوعات: كيف ساعدني الإسرائيليون على الفرز بين الخير والشر.. بين الأسود والأبيض..حين جعلوا طائراتهم سوداء، وقائدهم يضع عصبة على عينه كالقرصان..! بينما طائراتنا بيضاء مما جعل الأمر سهلا علي..وفيما بعد دهش الجميع من اكتشاف زواج القائد الفدائي ( أبو حسن سلامة ) من ملكة الجمال (جورجينا رزق) لكنني وجدته زواجا طبيعيا من خلال الرموز.. مثل أبطال الحكايات الذين يتزوجون أجمل الأميرات.. كأن قوة عليا كانت تقوم بتأمين هذه التقاطعات الرمزية دون حاجة مني لفعل ذلك رغم أن شقيقي الأكبر قال لي:” لون الطائرات الإسرائيلية-في الحقيقة- بني داكن..وليس أسودا “..وفي رسوماتي لم يمت أي فدائي حتى أنهيت المرحلة الثانوية.. حين وقع (حصار بيروت) هكذا بعد حرب الخامس من حزيران بيوم واحد وخمسة عشر عاما قامت الطائرات السوداء بالإغارة على (بيروت) في السادس من حزيران، بينما كانت الدبابات الإسرائيلية تتقدم لتطويق العاصمة، والتصقت بالراديو ثلاثة أشهر، وكانت نتيجة المعركة مختلفة عن معارك الرسوم بسبب سقوط الكثير شهداء.. لكن جزءا من نبوءة اللوحات قد تحقق بوقوع معركة ملحمية بين: الفدائيين والإسرائيليين.. ولأن فدائيي (بيروت) لم يكونوا أقل شجاعة من فدائيي الرسوم.. كانوا يواجهون الجيش الإسرائيلي بـ(الكلاشينكوفات) والكوفيات المرقطة.. مثل حلم، أو مثل رسوم طفل لم يكن قد أتقن الكتابة ؟ مرة أخرى لم أعد قادرا على التمييز بين الحلم والواقع؛ ترى أين كانت ( ميمي) حينها ؟ هل نزلت إلى الطوابق السفلية في بيروت وتذكرت دمشق والطفل الذي كانت تأخذه بسيارتها الحمراء إلى بيتها الشمسي؟ أليس من الممكن أن تكون قد فكرت بـ(محي الدين) وربما أحبته، من بعيد، بينما كانت القذائف تنهال على المباني؟

 

 

– موقع الاوان –