لا شيء أكثر إرعاباً من أن ترى كيف يعمل دماغك، أستطيع أن أرى ذلك” قد تمنح هذه الكلمات مفتاحاً لمسيرة الشاعر الأميركي جون آشبيري (1927-2017) التي استمرت لأكثر من ستة عقود واختتمت برحيله الأحد الماضي، مخلفاً وراءه أكثر من عشرين كتاباً شعرياً ومساهمات كثيرة في النقد والفن.

هذه الكلمات من إحدى رسائله التي كتبها عام 1950 يعبّر فيها عن هواجسه من الكتابة إلى الرسامة الأميركية “جين فريليتشر”، ليتنقل بعدها عبر الصحافة والأكاديميا والشعر والنقد، مثيراً الكثير من عواصف النقاش حول مجمل أعماله. يقول: “عملي في الصحافة حسّن مهارة مخاطبة القارئ من خلال القصائد، ثم جاء عملي في النقد الذي حسّن قدرتي على الانتباه إلى التفاصيل الدقيقة وتأملها، هذا كله يقودني دائماً إلى أسئلة نقطة الصفر حول الأشياء من خلال كيف ولماذا”.

ولعل أبرز ما تمتاز به قصائد صاحب “أنهار وجبال” (1966) هو محاولته إعادة الاعتبار لأشكال شعرية تخلّى عنها مجايلوه من الشعراء، والتي تجلّت بالانكباب على كتابة القصائد الرمزية التي تستدعي مراجع دينية وأدبية غامضة، الأمر الذي جعل ناقديه يصفونها بالمستعصية على الفهم، بالإضافة إلى ملاحظة النقاد في أن شعر آشبيري أخذ شكله متأثراً بحركة التعبير التجريدي الفنية، وهي اتجاه فني في الرسم الأميركي الحديث يؤكد على الأساليب غير التمثيلية لتصوير الواقع.

لكن اللافت في أعمال آشبيري هو تحدّيها لذهن القارئ في الانقلاب على الافتراضات الثابتة والسقوف التي تحدّ الأشياء في بيئة القصيدة التي يقدّمها، إذ إن صاحب “حلم الربيع المزدوج” (1970) دأب في مسيرته على تقديم مواقف مغايرة ورافضة لأنماط الحياة المستهلكة التي غزت نموذج الحياة الأميركية عبر انشغاله في النقد والكتابة، وهو رفضٌ عبر عنه في ذلك الخيط الذي ربط ثيمة أعماله ابتداءً من ديوانه “بعض الأشجار” (1956) وانتهاءً بـ”ضجة الطيور” (2016).

تنطلق عملية الكتابة لديه من وعيه الذاتي تجاه الأشياء والتي اعتبرها في أكثر من مقابلة “إحدى الدينيمات” المحركة للكتابة الشعرية من خلال مراقبة تطور الوعي تجاه الأشياء في إنتاج مادة شعرية حولها.

يقول في إحدى قصائده: سؤالي لك الآن هو: “كيف بمقدورنا التهرب من الولد البدين بالبزة الليمونية/ الشاهق بطول عشرين مبنى/ وبقدم قطرها حوالى منزلين؟”.

ثم يضيف: “هل كانت تلك مجرد خطابات حماسية –عن الرغبة/ بواسطة الطبيعة لتخفيف موجات المد/ حتى تتحول إلى رغوة/ وتعلن عن الجمال الطاعن في السن والذي تتستر عليه البيوت؟”.

تعتبر قصائد جون آشبيري بمثابة إضاءة على مشاعر الإنسان الأصيلة في مسرّاته وأحزانه وانزوائه ولايقينه المرافق لحياته القلقة في العالم الحديث. وقد استطاع أن يحصّن اللغة بالكثير من الكلام اليومي، وشظايا ثقافة البوب، مقترضاً الكثير منها من الفن والأدب، بالإضافة إلى استيلائه على الكثير من المحكيات الشعبية، إذ برع في جعل الأشياء التي تبدو تافهة في الحياة اليومية قابلة للتوظيف والاستخدام في أعمق مستويات الشعور وهو الأمر الذي وصفه النقاد في أكثر من مكان بأن شعره يتكون من “أي شيء وكل شيء، ويمكن أن يعني أي شيء وكل شيء”.

يقول هنا: “لا أعتقد أنني أقدم قصائد بصرية، كل قصائدي كتبتها على إيقاع الأصوات، الأصوات القادمة من المقاهي والشوارع وأحاديث السيارات، إنني أحاول أن أعيد كتابة لسان الشارع في قصائدي، صحيح أن لسان الشارع يؤدي إلى خفة القصائد وتحررها من الرمزية العالية، لكننا نعيش في زمن المستهلكات التي يتوجب علينا مواجهتها بالقصيدة”.

في ديوانه “صورة ذاتية في مرآة محدبة” (1975) وهو الاسم المستوحى من اللوحة العالمية التي تحمل نفس الاسم للفنان الإيطالي فرانشيسكو مازولو، قدم آشبيري صورة للذات قائمة على تتبع خطوط الوعي لديه من خلال استخدام صوت شعري منفصل عن صوت الشاعر كمتكلم، أي وكأنه وظّف صوتاً خارجياً للحديث عن الذات.

وفي مقابل ديوانه “صورة ذاتية في مرآة محدبة” التي انشغل فيها آشبيري في تتبع خيوط الوعي الذاتي، كان ديوانه الأول “بعض الأشجار” (1956) سعى إلى تمثيل مجموعة من المقاطع الموسيقية “سوناتات” بمقاطع نثرية وشعرية. وعلى الرغم من فوز المجموعة بجائزة “يال لشعر الشباب”، إلا أن محكم الجائزة الشاعر ويستن هوج أودن اعترف لاحقاً بأنه لم يفهم جملة واحدة من المخطوطة الفائزة، لكنه أضاف أن المخطوطة إياها قد طوّعت الطبيعة في الفعل الإبداعي بشكل مذهل.

في العام 2016 أطلق آشبيري آخر دواوينه الشعرية “ضجة الطيور” إلى جانب افتتاحه معرضاً لصور الكولاج، وقد قدّم من خلال ديوانه فسيفساء للأصوات الإنسانية الصافية التي تعبر عن حالاته البشرية في أكثر المواقف انفعالاً وتجرداً.

 

 

https://www.alaraby.co.uk/culture