بعد خمسين عامًا على رحيل الشاعرة الايرانية فروغ فرخزاد المفاجئ العام 1967، يخرج مواطنها وعشيقها القاص الايراني ابراهيم كولستاني المنعزل في بريطانيا، متحدثًا عن علاقتهما الجدية، واصفًا إياها بالشاعرة التي كتبت بصدق عن أكثر المشاعر الإنسانية جوهرية. ونقلت صحيفة”الغارديان”أن كولستاني اعترف أن علاقتهما كانت متبادلة..”أنا آسف أنها ليست موجودة كل هذه السنوات”،
وأضاف:”كنا مقربين جدًا، لكني لا أستطيع قياس مشاعري تجاهها، هل أستطيع؟ بالكيلومترات؟ بالأمتار؟”.

يحكي كولستاني أن صديقين قدّماه إلى فروغ في أواخر الخمسينيات، حينها وظّفها كسكرتيرة في مكتبه، قبل أن تتحوّل العلاقة بينهما. وأجمع عدد من الباحثين على تأثر فروغ بكلستاني الذي عرّفها على الأدب الغربي الحديث، قبل أن تخرج معه فيلم”البيت أسود”. بعد سنوات من مقتل فرخزاد، في بحادث سير، غادر كولستاني إيران، بسبب استيائه من المناخ السياسي تحت حكم الشاه، وعاش في ساسكًس – بريطانيا منذ العام 1975، ولم يعد إلى بلاده قط…
يعترف كولستاني أنه أحب الكاتبة الشابة مثلما أحب زوجته، التي كانت تعلم بعلاقتهما:”تخيل أن لديك أربعة أبناء، هل ستتوقف عن حب أحدهما لأنك تحب الآخر؟ تستطيع أن تحمل مشاعر لكليهما، تستطيع أن تحب شخصين”. ونشرت الكاتبة والباحثة الإيرانية، فرزانه ميلاني، مؤخّراً، كتاباً عن الحياة الأدبية لفرخزاد، تضمّن رسائل غير منشورة للشاعرة، منها رسائل عاطفية كانت قد بعثتها إلى كلستاني، وفي واحد من تلك الخطابات التي يعتقد أنه كتب قبل عام من وفاتها، أرسلته من لندن، حيث كانت في زيارة لها، كتبت فروغ:”شاهي (اسم التدليل لكولستاني) أنت أعز ما لديَّ في الدنيا، أنت الوحيد الذي أستطيع أن أحبه، شاهي، أحبك، أحبك إلى حد أنه يرعبني ماذا قد أفعل إن اختفيت فجأة.. سأصير بئرًا فارغة”. واجه كولستاني انتقادات لعدم نشره ردوده على رسائلها، وعندما سئل عن ذلك أجاب بأنه لا يملك هذه الرسائل:”عندما تكتب رسائل لأحد هل تفكر في المستقبل وفي الاحتفاظ بها؟ أو تصنع نسخًا منها؟”.
لا جديد في أقوال كلستاني، فهو يؤكد المؤكد عن علاقته بشاعرة لامتناهية في قصصها وقصائدها وحكاياتها ودراميتها ومواقفها، وتشبه في سيرتها الاجتماعية والابداعية الى حد ما سيرة الشاعرة سيليفا بلاث، والأديب اللبنانية مي زيادة، والشاعرة المصرية جويس منصور. فهي مبدعة”بين الشيطان والملاك”، وحياتها الاجتماعية بين المجد العاثر والدراما الحتمية، بين الشعر الفريد وشائعات العشق الكثيرة.
وفي كل الأحوال، تعتبر فروغ فرخزاد أول شاعرة إيرانية”وصفت الحبيب بأدق تفاصيله بينما تنغمس معه في حالة العشق من دون ضوابط”. وانتبه المشهد الثقافي الإيراني لفروغ التي كانت تمثل”صرخة نسويّة تضج بحدّة لم يعهدها المشهد الثقافي الإيراني”، اذ تصف قبلة الحبيب وتتهكم على العادات والتقاليد بشعر قوي لم يجعل منها كاتبة”شاذة”عن الجمع فحسب، بل صاحبة رؤية خاصة كانت كافية لتجعل كتبها معرضة للرقابة في زمن الملالي والحرس الثوري. ومَن يتابع شاعرات اليوم في طهران، سيلاحظ أثر نظام الملالي في لغة الشعر، إذ بدت الرقابة الذاتية أقوى من أي شيء، وغابت الاعترافات والصراحة لمصلحة الكلام الفضائي والعرفاني….
لم توفَّق فرخزاد في حياتها الاجتماعية، مصيرها مصير مي زيادة وإن كان شعرها تخطى الحدود الايرانية الى الكثير من البلدان واللغات. فقد كان والدها عسكرياً تغلّب واقعه المهني على أي نوازع ثقافية قد تنميها في نفسه مكتبته العامرة بكتب الأدب، والتي التهمت فرخزاد كثيراً منها، خصوصاً دواوين الشعر. وهي تزوجت في السادسة عشرة من قريبها رسام الكاريكاتير الشهير، برويز شاهبور، وانفصلت عنه بعد ثلاث سنوات أنجبت خلالها ابنها الوحيد كاميار. وظلّ طفلها نقطة ضعفها الوحيدة، ومن جرّائه أصيبت بانهيار عصبي، أدخلت على أثره مصحّاً نفسيّاً مكثت فيها شهراً، وأشيع عنها أنّها قد جُنّت. كانت هناك ضغوط مختلفة على فروغ أثقلت كاهلها، فكتبت قائلة:”أردت أن أكون امرأة، أي أن أكون – كائناً بشريّاً- أردت أن أقول إنّني أنا أيضاً لي الحقّ في أن أتنفّس وأن أصرخ، لكنّ الآخرين أرادوا أن يخنقوا ويخرسوا صراخي على شفتَيّ، وأنفاسي في رئتَيّ”. قبل وفاتها، كتبت فرخزاد قصيدة لابنها كاميار، الذي ربما علمت أنها لن تتمكّن من تربيته، بالإضافة إلى أنها حُرمت من حضانته بسبب طلاقها، وكانت نتيجة الغرام زواجاً”مضحكاً”كما عبّرت في رسالتها لكلستاني.
تقول في القصيدة:
هذه آخر التنويمات على مهدك،
لعلّ الصوت المتوحّش لصرختي
صدى في سماء شبابك.
ليكنْ ظلي التائه منفصلاً وبعيداً عن ظلك
وإذا، يوماً ما، التقينا ثانية
فلن يفصل ما بيننا إلا الله.
أعلمُ أن صراعي لم يكن سهلاً أمام هؤلاء الزهّاد الأتقياء الكذبة
إن مدينتي ومدينتك،
أيْ طفلي الحلوَ،
كانت على الدوام عشاً للشيطان.
سيجيء يوم ترتعش فيه عيناك بحزن أمام هذه الأغنية الموجعة
ستفتش عني في كلماتي
قائلاً لنفسك:
هذه كانت أمي

كان طبيعياً أن تكثر الشائعات حول حياة فرخزاد الخاصة بعد طلاقها، مثلها مثل كل النساء الشرقيات، فكيف الحال إن كانت من المشهورات، ويزيد الطين بلة مع فروغ بسبب الصراحة التي تضمّنتها أشعارها، ولأن عدداً من الأدباء كان يدّعي إقامة علاقات عاطفية معها. وقد ارتبطت فعلاً بعلاقة صداقة بالشاعر نادر بور، قبل أن تتعرف الى كلستاني. ويقول الباحث مايكل هلمان في كتابه”امرأة وحيدة: فروغ فرخزاد وأشعارها”(ترجم لدى سلسلة ابداعات عالمية):”يروي عارفوها أنها كانت عدائية، جامحة، تهين الآخرين في مناسبات اجتماعية كثيرة”. أما سبب فشل زواجها وطلبها الطلاق فيظن هلمان، نقلاً عن شقيقها، أنه عائد الى أن العلاقة بين الزوجين وصلت الى حيث لم تعد الشاعرة بحاجة الى أن تحتمل طباع زوجها الأبوية، فشعرت أن عليها الانطلاق بمفردها.
على رغم غيابها، ما زالت فرخزاد بمثابة نجمة مضيئة ليس للشعر النسائي فحسب، بل للشعر االعالمي عموماً. فقد ظهرت في عصر ليس للمرأة فيه أي مكانة أو حقوق في إيران… عارفو فرخزاد منذ أواسط الخمسينات وما تلاها، يصفونها بأنها تلبس الثياب الملوّنة باستمرار، وتتصرف بهدف إظهار فرديتها أحياناً ورفضها تقليد ما ينتهجه المجتمع. وكانت تأخذ طفلها في نزهة يومية وهي تجر عربته مرتدية ثياباً ضيقة بعض الشيء وتنانير قصيرة، وهذا امر لم تجرؤ على فعله سوى نساء قليلات جداً العام 1954… لقد كُتب الكثير حول فروغ فرّخزاد، كونها تمردت على المجتمع الذكوري الشرقي بأفكارها النسوية المثيرة للجدل. ولا يمكن فصل قصائدها عن المضمون الاجتماعي الذي تضمنته هذه القصائد. روى مايكل هلمان كيف أن العديد من الكتّاب والشعراء الايرانيين ضربوا على صدورهم وقاموا بقراءة المراثي وأظهروا الكثير من الحزن على زميلتهم الراحلة، في حين أن هؤلاء أنفسهم هم الذين آذوا فرخزاد في حياتها، وشهّروا بها وبسلوكها المتحرر الى اقصى حدود التشهير. وينقل هلمان عن بوران، شقيقة الشاعرة الراحلة:”لم يكن أصدقاؤها ليتعدوا أصابع اليد الواحدة، لكن بعد مماتها، أي شخص كنت تلتقيه كان يخبرك عن علاقته بها. في كل جريدة كنت تتصفحها تقرأ يميناً وشمالاً مقالات تتذكر فروغ ومراثي وتنهدات وندماً، كل هذا كان يصدر عن أشخاص لم يؤدوا أي دور في حياتها، بل قاموا بمضايقتها قدر الإمكان ودفعوا بها تدريجياً نحو الدمار”.
وتقول فرزانة ميلاني:”حصر التحليل النقدي لشعر فرخزاد في استغراق وحيد بجانب واحد، للحب، ألا وهو الجنسي بصورة رئيسة، ليس إلا تتفيهاً لشعرها وإهمالاً لميزاته الأخرى الكثيرة.‏ وإحدى النتائج الدقيقة لهذا الإفراط في تصوير الحب الجنسي هو رفض شعرها من البعض بوصفه”عاطفياً و”شهوانياً”وبالتالي”غير مهم”. فعندما اخترت دراسة”نسوية”لشعرها كموضوعٍ لأطروحتي في منتصف السبعينات، دُهِشت تماماً لرد فعل الناس. وقد تراوح الجدل ضد ذاك الخيار بين السلطوي المحض والجنساني”. هكذا كانت نظرة المجتمع الى فرخزاد في زمن حكم الشاه، فكيف سيكون الحال في زمن حكم الملالي؟ ربما هذا الحكم جعلها في دائرة المخفيات اللواتي لا مكان لهن، برغم أن إيران تقدس الرموز الشعرية من الشيرازي الى عمر الخيام.
فروغ العشيقة الايرانية التي عاشت المأساة، نشعر بمتعة فائقة في قراءة كتبها.

 

((العرب))