كان والدها الجنرال العسكري الصارم ”محمد باقر فرخزاد” يقف بحزم أمام رغبات العائلة التي يبدو انها غادرت بشكل نهائي طموحاته الفجة، لم يكن يعرف أن الصغرى فقط ستلطخ شاربيه الضخمين بالشعر، لكنه عار.
الضوء كهذا يعني اسمها في الفارسية، لكنها ضوء لم يحب والدها أو أقرانها أن يشع كثيراً، لكنه شع رغم المأساة التي عاشتها فروغ فرخزاد الشاعرة الايرانية المجددة.
احتفاء بمرور اربعين عاماً على مقتلها بحادث سير بعد ان شعرت بمرارة خيانة طهران التي طالما أنشدت اشعاراً بحبها، فطهران الانثى الفارسية الزرادشتية المانوية البهلوية والاسلامية أسلمت نفسها للرجال، عرضت عن نسائها الجميلات و المسجونات قسراً و هجرت احلامهن.

اصدر المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الاداب في الكويت ضمن سلسلة ابداعات عالمية في اكتوبر 2007 كتاباً عن الشاعرة الايرانية من تأليف مايكل هليمان و ترجمة د.بولس سروع و مراجعة أ.د فكتور الكك.
أجنحة بطعم النهد

يتبين من الرسائل و الحوارات التي كتبتها و اجرتها فروغ انها كانت مجبرة على ان تضع حداً و نهائياً لحياتها من البداية، لانها لم تكن تؤمن يوماً ان تكون مجرد دمية بريئة، او تفتعل البراءة بينا روحها اكبر من ان تحتويها زنزانة اسمها التقاليد.
و على الرغم ان هيلمان اراد ان يكون باحثاً حياديا، لكنه صورها في جزء كبير من الكتاب على انها مجرد عاهرة يتلاعب بها الشبق، و التمرد الجنسي، فيما اعطى الحق كله للعائلة التي حرمتها من طفلها الوحيد كاميار (في الفصول الثلاث الاولى)، و لم يبين المحاولات”الحتمية”لفروغ في ان تجمل صورتها امام طفلها او تسترده، والا كيف يمكن ان نفهم قصائد كتبتها لكامي و خصوصا في مجموعتها الشعرية الرابعة و الاخيرة و الخلاقة ميلاد اخر.
ليس ذلك طبعاً من العدل و الانصاف، و ليس من الانصاف حتماً ان يشعرنا الكاتب ان مجرد شعور فروغ بالاسر و خنق حريتها تجعلها تترك زوجها وطفلها في الاهواز جنوب غرب ايران، دون اية مشاعر بألامومة او الحب او العرفان لشابور الذي انقذها من احتمالية موت موهبتها في بيت الجنرال، وهي ابنة الستة عشر ربيعاً.
لايمكن ان يحدث ذلك قطعاً لان شاعرة مرهفة و مجددة و محبة، ان تفعل ذلك دون الشعور بالذنب، او تكون انانية بشكل شيطاني.
ويبدو لي ان الوصف الاقرب لموتها هو انها قتلت في ريعان الشباب و الشعر عن عمر لم يتعدى 32 ربيعاً، أما لما قتلت، لان الذي دفعها للقتل هو عشيقها كلستان الذي توثب على موهبتها و بنى له مجداً زائفاً من خداع فروغ، و هيلمان ايضاً مشارك فعلي في تلك الجريمة المستمرة ضد الشاعرات فهو مثلا لم يعطي لرواية اختها”بوران”اهمية تذكر – في النصف الاول من الكتاب- من انها اكتشفت رسائل لكلستان ارسلها لزوجته الفعلية يقول فيها ان فروغ مجرد امراءة للتسلية و العمل، الا يعد ذلك جرحاً غائراً في ذات و قلب فروغ، انها شاعرة لا هرة متوحشة.

لكنه يعود في الفصل الرابع ليقف مناصرا لفروغ و يكشف لنا عن صورتها الحقيقية، غير ان هذا الامر ربما سيكون انتصارا متأخرا جدا بعد 200 صفحة، رسخت في ذهن المتلقي فكرة الشاعرة”الساقطة”.
و ليس كلستان المهووس بانتاج الافلام الوثائقية، الدافع الوحيد الذي حمل فروغ على اختيار الموت سبيلاً للانعتاق، فقد كانت الخيانات المرة رمزياً، و شعورها الدائم بالرفض و الاضطهاد الذكوري و الضيق من اظهار الحقائق مهما كانت معادية للمجتمع التقليدي، اضافة الى ما يمكن ان نجده قاسماً مشتركا لدى كل الشعراء و هي مهيمنة التوق الى الموت كمعادل موضوع لحب الحياة لديهم، تقول فروغ مما نقله هيلمان في كتابه (أمراءة و حيدة) :
“لا يمكن تفسير كتابتي للشعر، اظن ان جميع من خاضوا غمار عمل خلاق مدفوعون بدافع واحد على الاقل، هو الحاجة الى الغاء كينونتهم و النضال من اجل الابقاء على عليها، هؤلاء يحبون الحياة و يفهمونها اكثر من سواهم، كما يحبون الموت ويفهمونه، العمل الخلاق نوع من الصراع على البقاء / افكر احياناً : صحيح ان الموت هو احد قوانين الطبيعة، إلا ان الكائن البشري ينتابه شعور واحد بأنه مهان وتافه ازاء هذا القانون”.

خطيئة بلون الياسمين
اقتناص سيرة فرخزاد،كانت طيعة، بالنسبة لهيلمان بل كان ذلك صراعاً خانقاً مع المؤسسة الثقافية الرسمية و المحيط الثقافي و النسوي الايراني على حد سواء، فالفترة التي عاشت بها القتيلة من اعقد مراحل تشكل السلطة واستقرارها في ايران”اللعوبة”سياسياً.و المرحلة التي كتب بها هيلمان مؤلفه الثاني – على ما اعتقد – عن التجربة الشعرية الايرانية بعد كتابه الاول (وحدة الغرض الشعري لدى حافظ)، مرحلة اكثر قسوة و خنق للحريات الفكرية و خصوصا اذا ما كان الامر يتعلق بفروغ، حيث صدر الكتاب بطبعته الانكليزية عام 1987 في فترة حكم المرشد الاعلى للثورة الايرانية روح الله الخميني. كانت محاولة هيلمان خطيئة بلون الياسمين.
ويقع مؤلف مايكل هليمان”إمرأة وحيدة.. فروغ فرخزاد واشعارها”، في 5 فصول على امتداد 303 صفحة من القطع المتوسط، بعنوانات رمزية (من الميلاد الى العصيان، من ميلاد ثانية الى الموت، الصوت الانثوي الاول في ايران، الشعر الفارسي الذي هو الحياة، حياة ايرانية شعرية).

الكتابة : الاثر
يعنون مايكل هليمان المهتم بالادب الفارسي الحديث، الفصل الاخير من مؤلفه عن فروغ بـ (حياة شعرية ايرانية) والذي يمكن عده مرجعا مهما يسلط الضوء على التحولات الكبرى للشعر الفارسي نحو الحداثة وما بعدها على القتيلة و الشاعر يوشيج نيما، في انه يحكي مسيرة ذلك التطور الدراماتيكي السريع و المصاحب لثورة التمدن التي بدات مع عودة الحكم البهلوي و انقلاب مصدق، ويوضح دور فروغ الكبير في ريادة المشهد التجديدي حتى وفاتها عام 1967.
ويقول مجايليها اضافة الى هيلمان ان القدر لو لم يخطف فروغ بكل صلافة من عوالمها، لغيرت وجه الثقافة الايرانية بشكل يدانيها من العالمية، و اسست لخطاب حضاري كوني عابر للحداثة على المستويات : الشعري و السينمائي و النسوي النضالي.

ولعل ما كتبته مجلة ”سُخن” الايرانية بعد موت فروغ بأيام فقط كان نموذج معبر عن ردة الفعل الجماعية للاوساط الايرانية على تلك الخسارة بقولها :”كانت فروغ اول كاتبة في الادب الفارسي تعبر عن المشاعر و الاحاسيس الرومانسية في قصائدها بأسلوب تميز بالصراحة و الاناقة، وعليه فقد استلهمت فصلا جديدا في الشعر الفارسي، قبلها كانت الكاتبات… يعبرن عن مشاعر عامة لا تنطوي على خصائص انثوية مميزة،… لذا جاء موتها المبكر في وقت لا تزال فيه قادرة على ابتداع اعمال مدهشة مدعاة لأقصى مشاعر الاسف والاسى”.

نهار 15 فبراير 1967 اعلن نعي فروغ التي اطلقت صرختها الاولى في طهران في الخامس من يناير 1935، عن 32 ربيعا حافلا بالاسى و الخيانات، لتدفن بمقبرة اشترى جزءا منها عشيقها الاكثر حظا منها بالحياة ابراهيم كلستان، ولتصاب طهران بعنجهيتها السافرة ضد النساء بصدمة لم تكتشف للحظة انها تقتل رسولاتها دائما، غير مبالية انها انثى رائعة مثلهن.

و تعد مجموعاتها (الاسيرة، ميلاد اخر، لنؤمن بفصل البرد) اهم اعمالها الشعرية.
((المدى))