ترجمة: لميس إسماعيل عمر
حوالي منتصف القرن العشرين نشأ في إيران إرثٌ جديدٌ من شعر النساء، إرث نساءٍ منهمكاتٍ بشدة في عملية التأمل الذاتي والبوح الذاتي وغير مستتراتٍ أو مقيداتٍ بالهوية المجهولة أو الغموض الكامنين في الحجاب، إرثُ نساء لم يكتفين بالكشف عن أنفسهن فحسب بل قمن أيضاً بكشف الستار عن الرجال في كتاباتهن.
وتتضمن القائمة من بين العديدات زاند دوخت شيرازي (1911-1952) وجالة أصفهاني (1921) وبارفن دولاتا بادي (1922) وسيمين بحبحاني (1927) ولوبات فالا شيباني (1930) وماهين اسكندري (1940) وفروغ فرخزاد (1935-1967) وطاهرة سافرزادي (1936).‏
كتبت تلك النساء عن أفكارٍ وأحاسيسَ،”حقائقَ”كانت حتى ذلك الوقت خاصةً وذاتيةً. وبجسدٍ غير متسترٍ وقلمٍ باليد، مضَيْنَ بالقارئ إلى خلف جدرانٍ وأحجبةٍ حيث يكمن عالم الخاص، وناضلن من أجل التسوية بين الجوانب العاطفية والحسية والاجتماعية للذات الأنثوية.
وفي أعمالهنّ، لا يخضع صوتُ الكاتبة لأفكارٍ مبتذلة ولا يتوارى خلف قوانينَ مفروضةٍ ذات بعدٍ نفسيّ واجتماعيّ. فالمشاعر غير خاضعةٍ للعقلنة، والانفعالات غير مشوبة، والعواطف غير سطحية، والتفاصيل غير متجنبة، والرجال غير غائبين. لقد خلقت تلك الكاتبات وبدرجاتٍ متفاوتة نوعاً من الذات المنفصلة عن التعريف التقليدي للأنوثة في إيران، وهي في الغالب ذاتٌ مهددة في مجتمعٍ أصبحت فيه الجدران والأحجبة اعتيادية وغدت مراقبة وسائل الاتصال الموضوعة شغل الناس الشاغل حيث”يهمس الناس حتى خلف الجدران الشديدة الارتفاع”، حسب تعبير الروائي شارنوش بارسيبور.‏
وترفض معظم تلك الشاعرات الرائدات الهمسات الصامتة للمرأة في عزلة المنزل. فبمشاركة قرائهنّ في تجاربهنّ الشخصية والإفضاء عمّا في أنفسهن إلى الورق لا إلى الحجر الصبور (The Patient stone)، هؤلاء الشاعرات يقلن ما لا يقال ويحاولن أن لا يستسلمن إلى الرقابة الخارجية أو الرقابة الذاتية التي تنمو معها، وبعفويةٍ وتميزٍ أيضاً يرفضن مزج أصواتهن مع تصوراتٍ أو طموحاتٍ جماعية.‏
وقد تنوعت ردة فعل المجتمع تجاه هذا الصوت الأنثوي الجديد وهذه الذات الأنثوية، فبالنسبة إلى المسلمين المتشددين، كان الإخلال بالتقاليد دوماً أكثر بروزاً وأقلّ قبولاً في مجال تحرر المرأة. وكان موقفهم واضحاً تمام الوضوح وراسخاً منذ البداية. فقد ردوا على تحرر المرأة وإلغاء التفرقة بينها وبين الرجل وبصورةٍ خاصة على عدم تسترها الجسدي بغضبٍ وعداء. وبرأيهم إنّ أيّ انحراف عن العلاقات التقليدية بين الذكر والأنثى يدلّ على فسوقٍ ويدمّر الأصالة الثقافية ويبعد الناس عن الإسلام”الحقّ”.‏
وحتى نخبة المثقفين والمجددين الذين ادّعوا أنهم يدعمون التغيير لم تستطع أن تتقبل التغيرات التي تؤثر في وضع المرأة فقد كان يُعتقد أن تغيرات السلوك ذات خطورةٍ لا سيما فيما يتعلق بالسلوك الجنسي والعادات الجنسية. كما حافظت العادات القديمة على سيطرتها حتى لدى نخبة المتحررين الذين دافعوا عن حقوق المرأة. فالكاتب علي شريعتي، وهو كاتبٌ اجتماعي أتمّ تعليمه في الغرب ومعروفٌ بشكلٍ خاص بين صفوة المثقفين، رفض الوضع الجائر للمرأة كما أدان بشدة استعباد الرجال لجنس الأنثى. وفي رأيه:‏
“عامل الرجل المرأة كما يُعامَل حيوانٌ متوحشٌ لا يمكن ترويضه أو تعليمه أو السيطرة عليه. وحاول السيطرة عليها بحبسها.. فكانت المرأة كالسجين الذي لا يُسمَح له بالانضمام إلى المدارس أو المكاتب أو الميدان العام”. إلا أنّ النساء المتطبعات بالطابع الغربي أَثَرْنَ الهلع في نفس شريعتي:‏

“هذه الدمى المصنّعة في الغرب، الفارغة من الداخل، المزيفة والمقنّعة لا تملك مشاعر نسائنا في الأمس ولا ذكاء نساء اليوم الغربيات، إنهنّ دمى آلية لا هي آدم ولا هي حوّاء! لا هي الزوجة ولا هي المحبوبة، لا هي ربة المنزل ولا الموظفة. إنّهنّ لا يشعرن بالمسؤولية تجاه أولادهنّ أو تجاه الناس. لا، لا، لا ولا! وهنّ كالنعامات اللواتي لا يحملن أي ثقل بحجة أنهنّ طيور ولا يطرن بحجة أنهن كبيرات الحجم كالجمال. وهذا نوعٌ هجينٌ من النساء متراكمٌ في سوق الصناعات المحلية مع لاصقٍ كُتب عليه”صناعة أوروبا”.‏
وحنين شريعتي لماضٍ كانت فيه القيم والهوية الأنثوية الأصيلة غير عرضة للشبهة وكانت فيه”النساء نساء”يمثل الشعور بالضياع والانحطاط الذي يسود أعمال الكثير من كتاب منتصف القرن العشرين رجالاً ونساءً على حدّ سواء. هذه الشخصية الأنثوية المغايرة لأصولها التقليدية، هذا التقليد الرديء القادم من الغرب، هذه الصورة المزيفة للنساء الإيرانيات التقليديات، هذا الهجين لم يكتفِ بدحر السلطة والسيطرة الذكرية فحسب بل جسّد أيضاً الخسائر المؤلمة التي تكبّدتها الهوية الثقافية. وكما هو مزعوم، فإنّ انحطاط الثقافة الإيرانية بالنسبة إلى الكثير من الكتاب كانت قد تسببت به هذه المرأة”المتطبعة بطابع الغرب”،”نصف المتعرّية”، أي”غير المحجبة”و”الفاسقة”.‏
لقد تحدى”تسمّمها بالطابع الغربي”كلّ إيمانٍ بالفروقات الجنسية الثابتة وشوّهت الجنسانية”الطبيعية”والاستقرار الثقافي وهددت النظام الشرعي، وتحدّت التماسك والهوية الحقيقية لكلمة”مذكر”ذات الامتياز الخاص والتي عُرفت تقليدياً بأنها نقيض كلمة”مؤنث”. وبصعوبة السيطرة عليه وتصنيفه وتعريفه وتحديد مكانته، لم يبدُ جنسُ الأنثى هذا أنثوياً على الإطلاق.‏
هذا النظام الجديد الذي جعلت فيه النساء وجودهنّ ملموساً بدا مفتقراً لأيّ نظامٍ كان. فقد شعر كثيرٌ من الناس بقهر الفوارق بين واقع حياتهم أو حياة أولئك الذين من حولهم وبين مثالياتهم التقليدية. ومع أنّهم كانوا مفعمين بالحنين لعالمٍ ونظرةٍ عالميةٍ أكثر تماسكاً ومفتونين بالتغيير والحداثة والديمقراطية، إلاّ أنّهم أظهروا بوادرَ لطموحاتٍ متناقضة لا يحلّ أحدها محلّ الآخر. فعلى سبيل المثال، علي شريعتي الذي رفض وضع المرأة الجائر لم يحمل إلاّ الازدراء لتلك النساء الهجينات،”النعامات”.‏
فقد أسماهنّ”نساء العدم”(Zilch-women)، أي عديمات القيمة وعديمات الفائدة وعبدات الروح التجارية والاستهلاكية الحمقاوات والمهتمات بالمظاهر فقط وإشباع رغباتهنّ التي لا حدود لها. كانت كل إنجازاتهنّ في رأيه صفٌ من الأصفار غير المسبوقة برقمٍ آخر، فقد بلغت هذه الإنجازات اللا شيء (Zilch).‏
ومما هو واضح أنّ شريعتي لم يكن مفتوناً بالمرأة الإيرانية التقليدية ولا بالمرأة العصرية. غير أنّ تصويره للمرأة المثالية فيه التباس، فهو من جهةٍ يلقي باللوم على وسائل الإعلام لأنها لا تعرض للنساء الإيرانيات صوراً لنساءٍ متحرراتٍ ومثقفاتٍ وذكياتٍ من أمثال آنجيلا ديفيس أو لنساءٍ مفكراتٍ بارزاتٍ وشخصياتٍ علميةٍ من الغرب من أمثال مدام كوري. ومن جهةٍ أخرى يقدّم فاطمة الزهراء ابنة النبيّ محمد (ص) كأنموذجٍ مثاليٍّ يُحتذى به. إلاّ أنّ تصويره لفاطمة الزهراء هو تصويرٌ محدودٌ ومقيِّدٌ نوعاً ما فهو يخصّص لها أدوارَ الإحسان والمساعدة ولكن بشكلٍ أساسي يقرنها بأدوار التفاني والتضحية من أجل أفراد عائلتها الذكور: والدها وزوجها وولديها.‏
فالنموذج التقليدي للمرأة كأمٍّ وزوجةٍ وابنة يبقى حجر الزاوية في نظام القيم عند شريعتي. وقد يكون شريعتي مفتوناً بحريّة المرأة واستقلالها وتطوّرها الفكري، بل هو بالفعل كذلك، إلاّ أنّه لا يستطيع أن يستسلم بالتنازل عن القيم العائلية التقليدية المطلوبة من المرأة. بناءً على ذلك فهو يعزو العزلة المتصاعدة في إيران إلى استقلال المرأة وانخراطها خارج دائرة العائلة.‏
ولم يكن شريعتي وحيداً في تحليله. ففي كتاب”الهوس بالغرب”Westomonia الأكثر حظوة وذي الطابع الجدلي يعتبر جلال الأحمد تحرر المرأة أحد”الشروط الضرورية”لـ”الهوس بالغرب”، ففي رأيه:‏
“نحن الإيرانيين رضينا بنزع النقاب عن وجوههنّ وإنشاء عددٍ من المدارس من أجلهنّ. ولكن ماذا بعد ذلك؟ لا شيء… إذاً ما أعطيناه للمرأة بالفعل هو حقّ استعراض أنفسهنّ أمام الملأ لا غير. لقد اجتذبنا النساء، صائنات التقاليد والعائلة وأجيال المستقبل إلى الفراغ والتسكع. لقد أجبرناهنّ على التفاخر والعبث وعلى أن يجددن مظهرهنّ كلّ يوم فيجرّبن زياً جديداً ويأخذن بالتجوّل. ماذا عن العمل والواجب والمسؤولية الاجتماعية والسيرة الحسنة؟ بعد الآن لا يوجد إلاّ القليل جداً من النساء المهتمات بأمورٍ كهذه”.‏

وبصورةٍ ضمنيةٍ وفي بعض الأحيان صريحةٍ تماماً، تمّ إلقاء اللوم في أمراض المجتمع جميعها على اتصالات المرأة الجنسية غير الشرعية والتي كُتِب عليها أن تصبح بسرعة مرادفةً لتحرر المرأة. فإحدى الفقرات المأخوذة من مقالٍ نُشر في”صحيفة العمل”Kar وهي الصحيفة الناطقة باسم حزب”فدائيي خلق”الأكثر يسارية (وهو حزب الأقلية) تدّعي أنّ:‏
“نساء وطننا الكادحات يعلمن جيداً أنّ التحرر الذي يعد به مؤيدو البرجوازية، أولئك الخانعون للإمبريالية ونظام الشاه المعادي للشعب ليس إلا سماحاً باستغلالٍ أكبر لبيع الإمبرياليين المترفين بضائع على حساب الكادحين المسلوبي الحقوق.‏
إنها ليست إلا نشراً لتغلغل الثقافة الإمبريالية المنحطة. دفاعهم عن تحرر المرأة يعني دفاعاً عن البغاء والإدمان على المخدرات وإنشاء بيوتٍ للرذيلة والآلاف من المظاهر الأخرى للثقافة الرأسمالية”.‏
وليس بمحض الصدفة أن يلجأ كتابٌ معاصرون بارزون إلى استقاء صورٍ من عذرية المرأة عندما يريدون تصوير نهب بلادهم على يد قوىً خارجية. ذاك أنّ فقدان العذرية يمثل فقدان الشرف والموارد الوطنية. وكلّ من”بارفن ابنة ساسان”بقلم صادق هداية”وداندل”بقلم سعيدي مثالٌ على ذلك. الفكرة الأساسية للكتاب الأول هي نضال الإيرانيين البطولي ضدّ العرب واستحضار لحظات مقاومتهم الأخيرة؛ فرغم أنّ موقف الإيرانيين الراسخ باء بالفشل إلاّ أنّه حظي بالتمجيد، وساحة قتالهم التي تشكل فرضاً المعقل الأخير للتصدي في وجه ثقافةٍ غازية حظيت بدرجةٍ عاليةٍ من التبجيل.‏
غير أنّ لحظة السقوط تأتي عندما يتمّ اغتصاب بارفن بطلة المسرحية على يد عربي.‏
أما”داندل”فهي قصةٌ قصيرةٌ جدلية كتبها الكاتب المسرحي البارز سعيدي وقد نُشرَت في عام 1968 وأصبحت ممنوعة لدى نشرها، ولها حبكةٌ بسيطة. تُؤخذ عذراء تبلغ من العمر خمسة عشر عاماً إلى بيتٍ للبغاء في حيٍّ أحمر (الحيّ الأحمر: منطقة تكثر فيها المواخير) في بلدةٍ صغيرةٍ تدعى داندل.
وعندما تبحث صاحبة الماخور عن زبونٍ ثري لبضاعتها التي اقتنتها مؤخراً يشير رجلُ الشرطة المحلي إلى ضابطٍ أمريكي”يكون قادراً على إنفاق المال بجنون شريطة أن ينال بعض التسلية”. يلقى الزبون الثري الذي ينشد التسلية استحسان الجميع وفي يوم وصوله يتدفق الداندليون إلى الشارع تملؤهم الرهبة والتوقعات؛ إلا أنّ البهجة لا تلبث أن تتحول إلى اشمئزاز والدهشة إلى رعب. فلدهشة الجميع سرعان ما يغادر الأمريكي حتى دون أن يؤدي الأجر المتعارف عليه. وبذلك يصبح على الداندليين الخائبي الأمل والذين لا حول لهم ولا قوة أن يواجهوا كابوساً: فقد ضاعت عذرية الفتاة وضاع معها شرفهم أيضاً.‏
لقد خلقت مطالبات المرأة بحقوقها الشخصية واستقلالها مشكلاتٍ لم يسبق لها مثيل في مجتمعٍ بقيت فيه القيم القديمة جدَّاً والمتمحورة حول الذكر، لا سيما في مجال الجنس، محافظةً على وجودها. فالحد الفاصل بين العالم الذكري والعالم الأنثوي أصبح الآن غير واضحٍ ومعه أصبح أيّ شعورٍ بالاستقرار مشوشاً. كما أمسى الفرق الواضح بين الذكورة/ الأنوثة، المسموح/ المحظور، الطهارة/ الدنس، الشرف/ العار فرقاُ مثلوماً. وغدتِ النساءُ التحدي الحقيقي لشعور الرجل بالرجولة، فقد شكّكن بهذه الرجولة وفرضن عليها باستمرار أن تثبت نفسها وقدرتها على الاحتمال وقوتها وسيطرتها. في الواقع، لقد تمّ تسليط الضوء على المرأة في كلِّ شكوك المجتمع حول نفسه وحول الحداثة وحول التغيير.
بما أنّ النساء يخضعن لمشاعرهنّ المختلطة فقد أصبحن أيضاً خاضعاتٍ لأعراضٍ مختلطة. فهن منغمسات في لجة قيم سلوكية متضاربة؛ إذ تراهُنَّ حريصات على صون الكثير من المثل التقليدية على الرغم من افتتانهنّ بالتغيير، وهنّ يتأرجحن ذهاباً وإياباً بين القديم والحديث. يقول السفير الأمريكي في إيران ريتشارد هيلمز:‏
“هنا ستجد سيداتٍ مرتدياتٍ أزياءَ باريسية ومتزيناتٍ يلعبن البريدج، ولكن قبل أن يقمن برحلاتٍ إلى الخارج كنّ يسافرن إلى مدينة مشهد [المقدسة] مرتديات البراقع لطلب الحماية”.‏
هذه الحالة الفكرية المتضاربة عند مفترق الطرق بين الاستمرارية والتغيير والتي يتقاسمها الرجال والنساء على حدّ سواء تتلخص في الحياة الأدبية لفرخزاد. فالأثر الأدبي الذي تركته وراءها ليس وحده الشاهد الكلاسيكي على مطامح متضاربة بل إن النقد الذي أثاره أيضاً مدهشٌ بتناقضه أيضاً. أياً كان موضوع النقاش يبدو أنّ اتجاه النقد الأساسي قبل أو بعد وفاتها يدور حول الطبيعة الجنسية – الشهوانية لأعمالها الأدبية. فالكثيرون ترجموا وما زالوا يترجمون بحثها عن الاستقلال والتطور والحب إلى تعابيرَ جنسية في الغالب، وهم يتجاهلون كفاحها من أجل تغيير عالمها كما يتجاهلون دورها فيه مفضّلين على ذلك الموضوعات المصورة للحب الشهواني في قصائدها.

صحيحٌ أن موضوعات الحب تشكل باستمرارٍ نواة شعر فرخزاد، لكنّ معالجتها ليست شهوانية حصراً. فشعرها يستلزم إعادة تنظيمٍ جذريةً للقيم ويعترف بمحدوديات الحب التقليدي وفشله في إرضاء الشاعر ويخصص حقلاً معرفياً تواصلياً وشخصياً جديداً كانت النساء قد حرمت منه فيما مضى. ففرخزاد تستكشف الذات ضمن حدود علاقات الحب بين الجنسين وما وراءها في آنٍ واحد وهذا لا يتطلب ولا يحدث إنكاراً لعلاقاتها العاطفية مع الرجال بل على العكس فإنه يوسع طاقتها العاطفية، وبالفعل ففي بعض قصائدها نجدُ أنّ حاجتها للصداقة والاتّصال والتطور مشبعة بنفس درجة الحاجة الجسدية. هذا التبادل الفكري، هذا الالتزام بالتوسع بإمكانية العلاقات قلما وُصِفَ في الشعر الفارسي الحديث قبل فرخزاد فكما تقول:‏
“قلما عرف الشعر الفارسي الحديث معنى أن تحب بصدق، فالحب فيه مبالغٌ به جداً وكئيبٌ جداً ومتألمٌ جداً لدرجة أنه لا يناسب الدروب المضطربة والسريعة لحياة هذا العصر. أو أنّه بدائيٌّ جداً ويفيض بألم الامتناع عن الزواج بحيث أنه يذكر المرء تلقائياً بالقطط الذكور في موسم التزاوج على السطوح المشمسة. فالحب غير محتفىً به كأجمل وأنقى شعور لدى البشرية، واتحاد وامتزاج جسدين الذي يشبه بجماله التسبيح والدعاء قد انحط بمستواه إلى مجرد حاجةٍ بدائية”.‏
إنّ حصر التحليل النقدي لشعر فرخزاد في استغراقٍ وحيدٍ بجانبٍ واحدٍ للحب، ألا وهو الجنسي بصورةٍ رئيسية، ليس إلا تتفيهاً لشعرها وإهمالاً لميزاته الأخرى الكثيرة.‏
وإحدى النتائج الدقيقة لهذا الإفراط في تصوير الحب الجنسي هو رفض شعرها من قبل بعضهم بوصفه”عاطفياً و”شهوانياً”وبالتالي”غير مهم”. فعندما قمت باختيار دراسة”نسوية”لشعرها كموضوعٍ لأطروحتي في منتصف السبعينات دُهِشت تماماً لردة فعل الناس. وقد تراوح الجدل ضد ذاك الخيار بين السلطوي المحض والجنساني الصارم.‏
فبعضهم كان قلقاً بالفعل بشأن مستقبلي المهني، بينما أراد آخرون بدهشةٍ واهتمام أن يعرفوا فيما إذا كان بالإمكان منح درجة الدكتوراه لأطروحةٍ مكتوبةٍ عن شاعرةٍ امرأة هي نفسها لم تستطع أن تنال حتى شهادة الثانوية العامة وتحدثت فقط عن شهواتها الجسدية ومغامراتها. وكان العالم الهندي غيردهاري تيكو أيضاً قد واجه تحدّياًٍ”على سبيل المزاح”بسبب اختياره لشعر فرخزاد كموضوع بحثٍ جدي:‏
“عندما عدتُ إلى الولايات المتحدة في خريف عام 1965 قرأت مقالاً عن شعر فرخزاد في اجتماعٍ للجمعية الشرقية الأمريكية في فيلادلفيا وأعلنت فيه أنها أحد أهم شعراء إيران في القرن العشرين، وقد أظهر الراحل جوزيف شاخت من جامعة كولومبيا والذي كان محرراً لـ”ستوديا إسلاميكا”آنذاك اهتماماً بمحاضرتي ودعاني لكتابة مقالٍ عنها لمجلته. لكن هذا يتناقض كلياً مع التعليقات التي، ولو أنها جاءت على سبيل الدعابة، أطلقها صديقٌ وزميلٌ إيراني سيبقى اسمه مجهولاً كان قد سألني لماذا اخترتُ خائناً من بين الأنبياء(1) ذلك أن النقاد التقليديين الذين يُعدُّ زميلي واحداً منهم لم يمنحوا شعر فرخزاد درجةً عاليةً من التقدير”.‏
بحثاً عن الاستقلال وبالوقت نفسه تمسكاً بالمثل التقليدية للأنوثة، شقت فرخزاد طريقها بين صراعاتٍ من الداخل وتناقضاتٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ من الخارج. لقد كتبت في جوٍ من التشجيع والإعجاب ممزوجٍ بالنقد اللاذع وحتى الازدراء. وبالفعل قلما ترك شعرها القراء الإيرانيين متجردين من ردة فعلٍ. فقد كان يثير إما افتتاناً قوياً أو نفوراً شديداً، فبينما أدانه بعضهم لعدم أخلاقيته ولدفاعه عن الاختلاط، احتفى به آخرون للصوت الأنثوي المتميز فيه والذي يتحدى القيم السائدة في ثقافتها. لكن عموماً طالما قدم عدد كبير من القراء المتلهفين والمتحمسين تأييدهم الصادق لهذا الشعر. فبطبعاته العديدة، يُعد عملها الأدبي من بين الأعمال الأكثر شهرة في الأدب الفارسي الحديث. والإقبال الشديد على كتب فرخزاد قد اذهل النقاد لعقودٍ عديدةٍ من الزمن الآن.‏
***‏
ولدت فوروغ فرخزاد في الخامس من كانون الثاني من عام 1935 من عائلةٍ كبيرةٍ وهي الثالثة بين سبعة أولاد. وبعد تخرجها من مدرسة الأحداث العليا2 انتقلت إلى مدرسةٍ فنية لدراسة الرسم والخياطة ولم تنهِ المرحلة الثانوية. كانت تبلغ السادسة عشرة عندما تزوجت من بارفيز شابور، أحد أقربائها البعيدين وهو حفيد خالة والدتها. وخلافاً لما هو الحال عند ابنتي الجيل السابق طاهرة قرة العين وبارفن اعتصامي بزواجهما التقليدي، تزوجت فاروغ فرخزاد من رجلٍ وقعت بحبه. وبعد عام ولد طفلهما الأول والوحيد وهو صبي أسموه كاميار. صدرت مجموعة فرخزاد الشعرية الأولى تحت عنوان”الأسيرة”The Captive عام 1955 وتحتوي على أربعٍ وأربعين قصيدة تتحدث عن قصة امرأةٍ محبطةٍ وعن شعورها بالقيود في حياتها. وعنوان المجموعة بحد ذاته يشير إلى إحساسها بالتورط واليأس. شخصية”الأسيرة”الشعرية هي امرأة شابة مضطربة تقضي وقتاً مريراً تصوغ فيه هويةً لنفسها وتقع بحيرةٍ بين مطالب المرأة -الزوجة والأم التي، على ما يبدو، أنها تتناقض مع مطالب الشاعرة المستقلة:‏

أفكر في الأمر وفي الوقت نفسه أعلم‏
أنني لن أستطيع أن أغادر هذا القفص‏
حتى لو سمح لي الحارس بالذهاب‏
فقد فقدت القدرة على الطيران بعيداً..‏
كل صباحٍ من وراء القضبان‏
تبتسم لي عينا طفلي‏
وعندما أبدأ الغناء‏
تقترب شفتاه اللاثمة من شفتي..‏
يا إلهي! إن احتجت للطيران يوماً‏
من وراء هذه القضبان الصامتة‏
كيف لي أن أجيب عيني هذا الطفل النديتين؟‏
دعوني وشأني.. أنا عصفورةٌ أسيرة‏

بعد ثلاث سنواتٍ من الزواج، قررت فرخزاد أن تترك زوجها رغم الصعوبات الاجتماعية والنفسية والمادية العديدة المترتبة على ذلك. وبكثيرٍ من الألم والحزن خسرت الحضانة الدائمة لطفلها الوحيد حتى إنها حُرِمَت من حقوق الزيارة. وفي أيلول من عام 1955 عانت من انهيارٍ عصبي وأُخِذَت إلى عيادةٍ نفسية حيث بقيت تتعالج لمدة شهر. وبعد عام من ذلك، أي في عام 1956 نُشِرَت مجموعتها الشعرية الثانية”ديفار”Divar أو The Wall وتعني”الجدار”وهي مهداةٌ إلى زوجها سابقاً.‏
“في ذكرى ماضينا المشترك آملةً أن تكون هذه الهدية التي لا قيمة لها رمزَ امتناني للطفه الذي لا حدود له”.‏
وبعد أقلّ من عام صدر كتابها الثالث”عصيان”Esian أو Rebellion وأثبت فعلاً أنها شاعرةٌ ذات مستقبلٍ واعد، لكن في الوقت نفسه رديئة السمعة. وفي قصائد هاتين المجموعتين البالغة اثنتين وأربعين قصيدة يلاحظ المرء شعوراً أقوى وأكبر باستقلالية الشاعرة فهي تنتقد مجتمعها بقسوة ولا سيما ظلمه للمرأة. إنّ شعوراً بالحنق والغضب يشكّل الدافع لكتابة الكثير من قصائد هذه الفترة.
تمتلك فرخزاد شواهدَ كثيرةً على موهبتها وطاقتها؛ فما كادت تبلغ الرابعة والعشرين وقد أصدرت ثلاث مجموعاتً شعرية حتى نمّت اهتماماتٍ جديدة في التصوير السينمائي والتمثيل والإخراج. ففي عام 1962 أنجزت فيلماً وثائقياً عن مستعمرة مجذومين تحت عنوان”البيت أسود”(The House is Black) وقد لاقى الفيلم نجاحاً عالمياً وفاز بجوائز عدة. بينما تم نشر مجموعتها الشعرية الرابعة التي جاءت تحت عنوان (ميلادٌ آخر) Another Birth في عام 1964. وبما أنّ الذاتي والخاص يشكلان خلفيةً دائمةً لشعر فرخزاد، فإنّ قصيدة (ميلاد آخر) تحتفي بميلاد أنثى تتمتع بحقوقها الجديدة كمقاتلة ناضلت من أجل كل خطوة في طريقها إلى الحرية؛ فهي تصبح أنموذجها الخاص وتخلق ذاتاً بالصورة التي تريدها منها ميولها وطموحاتها الخاصة. ميلادها الجديد يمثل ميلاداً ذاتياً حقاً:‏
أعرف حوريةً صغيرةً حزينة..‏

تسكن في البحر‏
وتعزف على الناي الخشبي لقلبها‏
برقّةٍ.. برقّة‏
حوريةٌ صغيرةٌ حزينة‏
تموت في الليل من قبلة‏
وبقبلةٍ تُولَدُ كلّ يومٍ من جديد..‏

فارقت فرخزاد الحياة وهي في قمة إبداعها ولم تكن قد تجاوزت الثانية والثلاثين من عمرها إثر إصاباتٍ في الرأس في حادث سير في الرابع عشر من شباط عام 1967.

فبينما كانت تحاول أن تتجنب عربةً قادمةً، اصطدمت بجدارٍ وانطرحت خارج سيارتها. ومما يثير السخرية هو أنّ هذه المرأة التي تجنبت الجدران وفرت منها طيلة عمرها قتلها في نهاية المطاف جدار. لقد لقيت حتفها في وقتٍ ادّعت فيه أنها أخيراً وجدت نفسها. ودُفنت تحت الثلج المتساقط:‏

ربما كانت الحقيقة تَيْن اليدين الصغيرتين..‏
تين اليدين الصغيرتين المدفونتين تحت الثلج المتساقط‏
وفي العام المقبل..‏
عندما يتّحد الربيع‏
مع السماء الممتدة خلف النافذة..‏
وتنبجس الغصون من جسدها‏
نوافيرَ غصونٍ غضة خضراء.. سوف تزهر‏
آهٍ يا حبي.. آهٍ يا حبي العزيز الوحيد!‏

في الثانية والثلاثين من عمرها كانت فرخزاد قد ألّفت أربع مجموعاتٍ شعريةٍ واكتسبت شهرةً وجوائزَ كما أصبح لها”شعرٌ أشيب وتجعيدتان كبيرتان في جبينها بين الحاجبين”. والأهم من كل هذا هو أنها، وحسب تعبيرها،”وجدت نفسها”- لكن، لتخسرها للأبد. إنّ عدم الاكتمال هذا في حياة فرخزاد يستوقف المرء.‏

فكالحلم الذي تبتره اليقظة انطفأت شعلة حياتها وفنها المتسمين بديناميكيةٍ وقابليةٍ مذهلة للتغيّر بهبّة ريح موتٍ مبكر حتى إنها لم تشهد نشر مجموعتها الشعرية الخامسة التي جاءت بعنوان (دعنا نؤمن ببزوغ فصلٍ بارد) Let Us Believe in the Dawning of a Cold Season والتي نشرت بعد وفاتها.‏

يمكن اعتبار الأثر الكامل لشعر فرخزاد نوعاً من”الرواية التثقيفية”إلى حدٍّ ما (Bildungsroman). وعلى الرغم من أنّ هذا الجنس الأدبي ضربٌ من الرواية وعلى الرغم من كون تعاليمه تقترن تقريباً وبشكلٍ حصري بالشخصيات الذكور الشباب، إلاّ أنّه يجسد على أحسن وجه انبثاق فرخزاد من التقييد الثقافي ونضالها كي تتوصل إلى تحقيق ذاتها بشكلٍ يضمن تكيفها مع رحلتها ويقظتها فكتبها الخمسة تشكل وصفاً لخبرةٍ في الحياة وتأريخاً شخصياً للتطور والتغيير إذ إنّ فرخزاد تستكشف وبالنهاية تتحدى القيود التقليدية المفروضة على حياة المرأة والتي يبدو أنها تجعل الرواية التثقيفية أكثر تناسباً مع كون شخصية البطل شخصيةً ذكريّة.

هذا الجنس الأدبي كان دوماً وبشكلٍ تقريبي مسألةً متعلقةً بالذكر حصراً حتى في الغرب، فروايات كلّ من غوته Wilhelm Meisters Lehrjahre وفلوبير (تربية العواطف) Education Sentimentale وديكنز (ديفيد كوبرفيلد) David Copperfield وجويس”صورة الفنان في شبابه”Portrait of the Artist as a Young Man كلها روايات خبرة ذاتية نموذجية ذات أبطالٍ رقيقي الشعور يحاولون اكتساب فلسفة في الحياة وتفعيل قواهم وإمكانياتهم. أما رواية دوروثى ريتشاردسون”زيارة الأماكن المقدسة”ورواية فيرجينيا وولف”أورلاندو”ورواية جون أرنولد”التملق”وقلة من روايات أخرى فإنها استثناءات نادرة من هذه القاعدة العامة.‏

لقد وجد الرجال لأنفسهم واقعاً ديناميكياً دائم التغيير. فطالما كانت قابلية التحرّك بمعناها الحرفي والمجازي حقاً مقصوراً عليهم، كما زودهم الدين والفلسفة والأدب بنماذج لأدوارٍ متعددة. أما النساء فقد حصلن تقليدياً على أدوار ثابتة لا ديناميكية.‏

وفرخزاد ترفض هذا الجمود، وشعرها تأريخٌ لوعيٍ متطورٍ وشاهدٌ على إدراكٍ متنامٍ. فهو يغني تراث الشعر الفارسي بتصوير شخصيةٍ ديناميكيةٍ لامرأةٍ تعريفها للذات لا يمكن حصره بعلاقاتِ أو قصص الحب، شخصيةٍ تجتاز أدوار الجنس باكتشاف وتعريف ذاتها والتحرّر من الافتراضات والتوقعات المسبقة.‏

كما تقدم فرخزاد صوت الآخر في الأدب الفارسي الحديث فهي، بتحدثها كامرأة، تخلق فعلياً صوتاً آخرَ. وإذا كانت الأديبة اعتصامي تكتب قصص النساء علانيةً، فإنّ فرخزاد في قصصها تذهب بنفسها إلى الراوي. وإذا كانت اعتصامي تحاول تضمين هموم النساء اليومية في شعرها فإنّ فرخزاد تحاول أن توفق بين الأبعاد الحسية والعاطفية والجسدية للذات الأنثوية وبين طريقتها الأدبية. وإذا كانت اعتصامي تمحو الرجال فعلياً فإنّ فرخزاد تكشف النقاب عنهم. بالفعل، فإنّ فرخزاد في شعرها تضع نفسها ورؤيتها للرجل داخل النص وتقوم بتكذيب مفاهيمَ سائدة عن الأنثى والذكر. فهي ليست صامتة ولا متخفية، ليست محتشمة ولا ثابتة. وهي ترفض أن تعاني دون أن تشتكي فهي لاتتحمل القيود أو المحرّمات بجلدٍ ولا تدين إرضاء الذات ولا تعدّ التحدث علانيةً أمراً غير لائقٍ حتى إذا كان ذلك عن الرجال. إنها تمثل قصتها بما فيها علاقاتها مع الرجال على المسرح الأدبي. كما تضحك وتبكي علانيةً وتقسم همومها الكثيرة ومتعها مع من هم غرباء عنها تماماً، ألا وهم قراؤها.‏

منذ بداية مسيرتها رفضت فرخزاد أن تتجنب مشاعرها. فشعرها يكشف عن مشكلات امرأةٍ إيرانيةٍ عصريةٍ بكلّ صراعاتها وتقلباتها المريرة وتناقضاتها. كما يغني عالم الشعر الفارسي بتصويره للتوتر والشلل المستمر الذي يصيب حياة أولئك النساء اللواتي ينشدن التعبير عن الذات وحقوق الاختيار الاجتماعية في ثقافةٍ غير مألوفة لديهن كلياً. إنه يستكشف مواطن ضعف امرأةٍ ترفض الخضوع الأعمى للماضي وبالوقت نفسه تعاني من مجهول المستقبل. وبكلّ بساطة يجسد الواقع اليومي للمرأة الفارسية الناشئة.‏
ويشكل شعر فرخزاد الملجأ مما هو محظورٌ تقليدياً: نصياً وجنسياً، وعلى الرغم من اختلاف قصائدها شكلاً ومضموناً إلاّ أنّها تشترك بتمرّدٍ معين من البداية إلى النهاية. فهي تصوّر متمرّدةً صنعت نفسها بنفسها ولم يصنعها أو ينجزها الرجال، وصنفاً عنيداً وغيرَ لينٍ من النساء، ذلك الصنف الذي قد ينكسر بدلاً من أن يتمايل مع النسيم.‏
ولم تكن المرأة التي يصورها شعر فرخزاد خارجة عن التقليد بمفردها، بل إنّ رجالها أيضاً يكسرون القوالب التقليدية. فهم لم يعودوا محكومين حتماً أو ملتزمين بأدوارٍ أُنيطَت بجنسهم تقليدياً، كما أنهم ليسوا متخفّين بذكورتهم كلياً لدرجة أن يكونوا مجبرين على إخفاء رغباتهم وشهواتهم الذاتية. ولم تقم أية امرأة فارسية أخرى بتقديم تصويرٍ أكثرَ تفصيلاً وتمييزاً للرجال من هذا التصوير.‏
لقد اعتقدت فيرجينيا وولف أنّ”النساء عملْن طوال هذه القرون بمثابة مرايا تملك القدرة السحرية والفاتنة على عكس شخص الرجل بضعفي حجمه الطبيعي”. ربما كانت هذه هي الحال في الغرب لكن ليس في إيران، أو على الأقل ليس في الأدب الإيراني حتماً. فقبل شعر فرخزاد قلما تواجدت في كتابات النساء الإيرانيات أيّة انعكاساتٍ للرجال، فكيفُ هو الحال في الانعكاسات الفاتنة والمكبرة؟.‏
إن الرجال المدثرين بعباءات الغموض أو المصغرين إلى أشكال مجردة، الذين كتبت عنهم النساء تقليدياً يفتقرون إلى التفرد أو التعقيد في الشخصية. فهم محرومون من المشاعر الحقيقية أو التعبير عن المتع أو الآلام التي لا تليق بالرجال. كما أنهم أسرى شريعةٍ ثقافيةً وُضِعت لصورةٍ ونموذجٍ ذكريين. هم شخصياتٌ كرتونية تفتقر إلى العمق وقابلة لاستبدال بعضها ببعض نظراً لسطحيتها، وبالتالي هم محجوبون. فعلى سبيل المثال، الرجل الوحيد الذي يقوم بظهوره المتفرد في شعر اعتصامي هو والدها الذي تهدي إليه قصيدة تأبين:‏

آهٍ يا أبتِ! وجّه فأس الموت ضربته المميتة‏
وبالفأس ذاتها قُطعت شجرةُ حياتي‏
كان اسمك يوسف.. وقد سلموه للذئب‏
كان الموت هو ذئبك.. آهٍ يا يوسفي الكنعاني!‏

قمراً كنتَ في قبة الثقافات الزرقاء‏
الأرض الآن هي مسكنك‏
والقبر سجنك.. آهٍ يا قمري المسجون!‏
باغتني القدر السارق على حين غرّة‏
سرقك بغتةً، ويسخرُ الآنَ بمكرٍ من جهلي..‏
ليت الذي أرقدك في الأرض‏
يكون قادراً على تهدئة حياتي المزعزعة..‏
مثواك أزور.. وأرى تلك الشاهدة المباركة‏
وا أسفاه! ذاك الكلام المنقوش يقصّ حكاية قدري‏
رحلت وتركت أيامي أحلك من الليل‏
دونك أتخبط في الظلمة.. آهٍ يا نور العين!‏
دونك الدموع والحزن والأسى هم زوّاري‏
ارثِ لحالي يا أبتِ وامنحني شرف قدومك إلى مأدبتي‏
أخبّئ وجهي من كلّ العيون‏
لئلا يقرؤوا فيه سطور مأساتي..‏
كنت عصفورتك المغردة فما الذي حدث‏
حتى لم تعد تستمع لأغنيتي؟‏
دعوتني كنزك، فلماذا هجرتني ورحلت؟‏
آهٍ أتساءل من بعدك سيقوم بحمايتي؟!‏

لكن على الرغم من أنّ الرجال الإيرانيين كانوا قد حُرموا تقليدياً من جزءٍ من صورتهم في المرايا الأدبية الأنثوية إلاّ أنّ هذه المرايا كانت تحت سيطرتهم. فعلى مدى قرونٍ عديدة كان لديهم الاحتكار الفعلي للتصويرات الأدبية بما فيها تصوير الذات. حيث كان المنبر واليراع والفرشاة والإزميل والكاميرا كلها تحت سيطرتهم.‏

علاوةً على ذلك فإنّ معرفة المرأة بالرجل جزئية ومشوّشة نوعاً ما في مجتمعٍ يعاني من التمييز بين الجنسين. فشارلوت برونتي التي قمعتها العقلية الفكتورية اشتكت من عدم مقدرتها على تصوير الرجال. وقد كتبت في رسالةٍ تقول:‏

“في تصوير شخصية الذكر أعاني من العوائق فالحدس والنظرية لن تحلاّ محلّ الملاحظة والتجربة بصورةٍ وافية. عندما أكتب عن النساء أكون واثقةً من تمكّني من الموضوع أمّا في الحالة الأخرى فلستُ واثقة”.‏

على الرغم من أن قوة الرجال كانت قائمة جزئياً على بروزهم الاجتماعي، غير أنّ قوتهم الرمزية قد نشأت على ما يبدو من استعصائهم جسدياً على التصوير الأنثوي لهم. وعلى الرغم من أنهم كانوا مثقلين بعبء ذكورتهم إلا أنهم لم يشجعوا التصوير الأنثوي لذاتهم، فقد كانوا غير راغبين بالتعري من حجاب الذكورة الذي يمدهم بالقوة. على أيّة حال، بما أنه تمّ اعتبار المرأة بكلّ بساطة الجنس الأدنى منزلةً،”الضعيفة”، يبقى على الطرف المتفوق أن يثبت تفوقه ويحميه باستمرار.‏

“الرجل هو ذاك الشخص الذي يبقي فمه مغلقاً ويفتّل عضلاته”، يقول مثلٌ إيرانيٌّ قديمٌ جداً مصوراً بدقةٍ مذهلة الامتيازات وفي نفس الوقت القيود التي يسببها صمت الرجل المفروض ذاتياً وصورته. فطيلة القرون الماضية بقي الرجل الإيراني مسجوناً ضمن نماذج من الرجولة (mardanegi) تمده بالقوة، ولم يتم تشجيعه على البوح بأفكاره الداخلية ومشاعره أو الكشف عنها ولا على رؤية انعكاسه في عين الآخر.‏

وتقليدياً كان صمته هو صوت السلطة، صمتٌ يتكلّم بقوّةٍ في غالب الأحيان لأنه لا يحتاج لأن يتكلم بالضرورة. أما الآخرون، ولا سيما النساء، فعليهم أن يفكّوا رموز رسائله الصامتة وأن يحترموها ويبجلّوها ويكتسبوا المهارات لحلّ رموزها.‏

وبهذه الأشكال المتعددة من الحواجز الرمزية والمادية بين الجنسين، لا يبدو مثل هذا المشهد الثقافي مكاناً مناسباً لتطوير التصوير الواقعي للرجال على يد النساء أو تصوير نساءٍ واقعيات على يد الرجال. فالقليل جدّاً من النساء ومنذ عهدٍ قريبٍ فقط آثرْنَ أن يكسرن صمت الأسلاف.‏

أمّا في شعر فرخزاد، فالرجل مجردٌ من ستر هذا الغموض، حيث يتمّ تقديمه بكلّ نقاط ضعفه وتناقضاته البشرية. وفي بعض الأحيان يتمّ تقديمه بالتزامه المبالغ به بقوانينه الذاتية الذكرية. وهو مضطربٌ وتروّعه بوادر العاطفة والرّقّة والتربية، ويحاول جاهداً أن يكون رجلاً لدرجة أنه يصبح كاريكاتيراً للذكورة. ولكونه متخماً بالادعاءات فهو مدمنٌ على الإطراء. لكن خلف مظهر القوة لديه، يكمن قلقه الشديد وتتوارى مواطن ضعفه. إنه”غير مخلص”و”أناني”و”مستبد”و”متسلّط”. وباعتباره مخلوقاً شهوانياً، فهو يتبع غرائزه الجنسية ويبتعد عن الألفة الحميمة فقدرته على تغيير مشاعره وفقاً للظروف تخيب آمال المرأة التي تطالب بالتزامٍ عاطفيّ يماثل التزامها.‏

تقول فرخزاد:‏

لم يُلقّن شيئاً سوى الشهوة‏
لم يهتم بشيءٍ سوى المظاهر‏
أينما ذهب همسوا بأذنيه‏
خُلقت المرأة من أجل شهوتك..‏

إن العلاقات المتصدعة وصلاتِ الحب الفاشلة، والزيجات المفكّكة تملأ صفحةً تلو الأخرى من دواوين شعر فرخزاد. فكلٌّ من العاشق والمعشوق، الظالم والمظلوم، العصفور والسجّان، اقتباساً من الصورة الشعرية التي استخدمتها فرخزاد في قصيدة”الأسيرة”(The Captive) التي يحمل الديوان عنوانها، أثبتَ أنّه يعاني من تبني الدور المفروض عليه. وكلٌّ من السيد والعبد، الظافر والضحية، المفترس والفريسة، الرجل والمرأة يقاسي نار خيبة أمله واستيائه.‏

وفي أحيان أخرى تقدّم الشاعرة الرجل محرراً من الأفكار الذكورية المقولبة والصيغ المبتذلة. فهي تصوره بفرديةٍ متميزة وحضورٍ جسدي. وباعتبار الرجل لم يعد شخصيةً وهميةً أو حلماً أو ضرباً من الخيال أو أمير أحلام الخيالات الجامحة الساحر، ولم يعد سجينَ الصمت أو الخفاء ولم يعد مقيداً في تعبيره عن عواطفه أو مُشْتَبَهاً في قدرته على الألفة الحميمة، فإنّ فرخزاد تمنحه حياةً جديدةً بإعطائه تمركزاًٍ أوضح. وبعد قرونٍ من اتخاذه دور العاشق أخيراً يصبح الرجل معشوقاً. في القصيدة التالية بعنوان”الشخص الذي أحب”تبرزُ عمليةُ قلبٍ ممتعةٍ للتصويرات التي يحددها الجنس:‏

محبوبي‏
جامحُ الحريةْ‏
كالغريزة الفطريةْ..‏
في قلبٍ جزيرةٍ مهجورة‏
يمسح غبار الشارع عن حذائه..‏
بمُزقٍ من خيمة مجنون العامريةْ‏
محبوبي..‏
مثل إله مقامٍ نيبالي‏
ما زال طاهراً منذ البدايةْ‏
إنّه رجل قرونٍ ماضيةْ‏
تذكارٌ لحقيقة الجمال..‏
دوماً يستيقظ‏
وكرائحة الطفل‏
تحيط به الذكريات البريئةْ‏
إنّه كأغنيةٍ مبهجةٍ شعبيةْ‏
تفيض بالمشاعر والصراحة العارية‏
يحبّ بصدق‏
ذراتِ الحياة.‏
ذراتِ الغبار‏
والأحزان البشريةْ‏
الأحزان النقيةْ‏
يحبّ بصدقٍ‏
طريقَ بستانٍ ريفيةْ‏
وشجرة..‏
وطبقاً من الجيلاتي‏
وحبل غسيل‏
محبوبي..‏
رجلٌ بسيط‏
خبّأته‏
بين نهديَّ‏
كالأثر الأخير لدينٍ عجيب‏
في أرض العجائب المشؤومة هذه..‏

يتجاوز المحبوب في هذه القصيدة الأدوار الجنسية التي يحددها التقليد الأدبي. فالمجنون (مجنون ليلى)، وهو الرجل الأكثر تكراراً في الأدب الكلاسيكي، يمثّلُ تخليداً لمثاليةٍ رومانسيةٍ مدمرة، ولكنه لا يستطيع بعد الآن أن يؤدي دور النموذج. ذلك أنّ المعشوق يمسح الغبار عن حذائه بأسمالٍ بالية من خيمة المجنون. إذا كان على المجنون أن يبقى العاشق فإنّ على حبيبها أن يصبح المعشوق. وإذا كان المجنون قد جُنّ بسبب حبّه الخائب فإن حبيبها سيكبر بحبّه. فهو يبسُطُ نفسه ويكسر الحواجز ولا يحتاج لأن يكون متحفظاً أو مسؤولاً عن نفسه وعن بيئته. وباعتباره ليس منعزلاً أو مستسلماً للأفكار فقط بدلاً من المشاعر فهو قادرٌ على إظهار الألم والمتعة. إذ إنه يستطيع أن يحب”طبقاً من الجيلاتي”وأن يكون”فياضاً بالمشاعر”و”طليقاً”وباستعارة أحد الصور التي تستخدمها فرخزاد، يمكنه أن يكون”فائضاً بالعري”وأن يكون”المعشوق”.‏

في القديم، كانت كلمة”معشوق”(the beloved)، وهي كلمة غير مميِّزَة للجنس لغوياً، دوماً وباستمرار امرأةً أو محبوباً مخنثاً. بناءً على ذلك تكون كلّ الأفعال المشيرة إلى علاقاتٍ جنسية أفعالاً متعدية ولها مفعولٌ به مؤنث. ويكون التأكيد على الفعل المتمحور حول الذكر كبير فالكلمة الفارسية التي تشير إلى”الجماع”يمكن ترجمتها إلى”فِعْل”(kardan) للرجل و”عطاء”(dadan) للمرأة. وإسلامي نادوشان Eslami Nadushan يركز في المذكرات المذهلة لطفولته”أيام”(Days) على القيود الكثيرة المفروضة على الازدهار الكامل للعلاقات بين الجنسين:‏

“كانت العلاقات بين الرجل والمرأة مبنيةً إمّا على التبادل والاستقرار أو على السيطرة. ولم يكن هناك مساواةٌ بين الجنسين في توليد الحب. فبصورةٍ عامةٍ وبالفكرة التي أخذها الرجل عن المرأة اعتبر أنّه من المهين أن يشعر نفسه ملزماً على إرضائها. وبتعبيرٍ آخر لم يستطع أن ينحدر بقدره إلى مستوى إشباعها. كان إرضاؤه مرتبطاً بالسيطرة والتملّك أي الأخذ بالقوّة والتفوّق. وهذا ما سمي بـ”المتعة”.‏

وأخيراً أصبح الرجل مرغوباً به في نصٍّ مكتوبٍ بقلم أنثى بعد أن كان من النادر أن يشعر بأنّه مرغوبٌ به. وقصيدة فرخزاد التي جاءت تحت عنوان”وقعتُ في الإثم”، وهي إحدى قصائدها الأولى الأكثر شهرة والأوسع نشراً، تلخّص مثلَ هذا الإفصاح الذي لم يسبق له مثيل عن رغبةٍ أنثوية. ففي هذه القصيدة المصوّرة للحب الجسدي والمشبوب العاطفة تبدو الرغبة الجنسية مؤلمةً ومبهجةً في آنٍ واحد، ويظهرُ تغييرٌ جذريٌّ ليس فقط في المفهوم التقليدي للحدود التي يجب أن تتوقف عندها المرأة في مضمون شعرها، بل أيضاً في العلاقات التقليدية بين الجنسين:‏

بجانب جسدٍ مرتعشٍ ومخدّر..‏
وقعتُ في الإثم.. وقعتُ في إثم الشهوة..‏
آهٍ يا إلهي! كيف لي أن أعلم ماذا فعلت”؟‏
في ملجأ الصمت الحالك ذاك؟‏
‏ في ملجأ الصمت الحالك ذاك‏
نظرت في عينيه الغامضتين‏
فارتعش قلبي دون توقّفٍ‏
أمام مناشدة عينيه‏
‏ في ملجأ الصوت الحالك ذاك‏
جلستُ منثورةَ الشعر بجانبه..‏
وانسكبت الرغبةُ من شفتيه إلى شفتيّ‏
ونجوتُ من آلام قلبٍ أحمق‏
‏ همست بحكاية الحب في أذنيه:‏
أريدك يا حبيبي..‏
أريدك أيها الصدر المانح للحياة‏
أريدك يا حبيبي المجنون‏
أضرم الشغفُ لهيباً في عينيه‏
وتراقص النبيذ الأحمر في الكأس‏
وفي السرير الناعم‏
ارتجف جسدي ثملاً على صدره‏
‏ وقعتُ في الإثم.. وقعت في إثم الشهوة..‏
في ذراعين ساخنتين وملتهبتين‏
وقعتُ في الإثم بين ذراعيه‏
ذراعين قويتين كالحديد، ملتهبتين.. ومنتقمتين..‏
في هذه القصيدة هناك انتهاكاتٌ لشرائعَ كثيرةٍ وعكسٌ للقوّة وللاحتشام. فمن الناحية اللغويّة، تنتهك القصيدة مبادئ تحدد اللغة اللائقة بامرأة، فالمرأة، الجنس المحتشم، لا تعالج مثل هذه القضايا الجنسية بصراحة. تشتكي إحدى بطلات الكاتبة طاهرة سافرزاده (Tahereh Saffarzadeh) قائلةً:‏

“يُعتبر الإفصاح عن الرّغبة بالنسبة إلى واحدةٍ منا نحن النساء بغيضاً جداً وشنيعاً لدرجة أن رغباتنا تختنق تحت صرير ناقوس المحظورات التافهة”.‏

وحتى إنْ حدث وعالجت امرأة موضوعات جنسية فإنها، تقوم بالتلميح إليها من خلال الاستعارات أو تحت غطاء الرموز والألعاب والأغاني. لكنّ قصيدة فرخزاد شديدة الوضوح ووثيقة الصلة بالموضوع، فالنشاط الجنسي فيها غير مموهٍ بصيغَ أو تلميحاتٍ أو استعاراتٍ أو رموز. كما أنّها تثير الرعشة بصراحتها وحدّتها، وصورها الواضحة لا تشجع قراءاتٍ متعددة. هذه القصيدة ليست قصةً رمزيةً يمثل فيها الحب الشهواني حبّ الإله، فالحب هنا بشريٌّ وليس إلهياً.

وخلافاً لمعظم قصائد الحب التقليدي، لا تقدم القصيدة تصريحاتٍ خارجة عن النص؛ فعنوانها بحدّ ذاته،”وقعتُ في الإثم”، يوحي برفضٍ للطف التعبير، ويمثل تأكيداً للذات مختلفاً تماماً عن فضيلة المرأة المثالية المنكِرَة للذات. إنّ التعبير”وقعت في الإثم”لا يمثل فقط استسلام الجسد للعاطفة بل أيضاً استسلام القلم للتعابير المحرّمة. فإن لم يكن بالإمكان احتواء النزوات الجنسية لهذه الشاعرة ضمن الحدود التقليدية فإنه ليس بالإمكان احتواء شعرها ضمن هذه الحدود وهكذا يصبح المجازف في الحياة مجازفاً في اللغة.‏

كنتُ قد تحدثتُ عن عكس الأدوار وهذه القصيدة جديرةٌ بالذكر للأسلوب الذي تعكس فيه القوانين الثقافية. وفرخزاد، كغيرها من النساء، تعلّمت أنّ الخضوع لرغبات جسدها يعني الحكم على نفسها بسوء السمعة الأبدي في هذا العالم وبنار الجحيم في العالم الآخر. تشرح الروائية ماهشيد أميرشاهي Mahshid Amirshahi بإدراكها العرفي الذاتي كيف يمكن لعلاقة حب مزدهرة أن تُقتل في مهدها على يد القيود المريرة وكيف يمكن لهذه العلاقة أن تُضمَر وتُمسَخ إلى خوف. فراوية القصة القصيرة”في ذلك الزمان والمكان”There and Then تستذكر قصة حبها الأوّل مع فتى وفرارهما إلى صالةٍ للسينما، إنها حكاية رغباتٍ خائبةٍ متراكمةٍ فوق احتياجاتٍ خائبة:‏

“لكن عندئذٍ نشدني الخوف ثانيةً. جاء إلي بسبب الحب.. تواصل الخوف، خوفٌ من أن أكون قد ارتكبتُ خطأً، أمراً قذراً وهذا قضى على كلّ الحب. كانت ذكرى الحب الوحيدة التي بقيت هي الفيلم الذي لم أشاهده والبوظة (الجيلاتي) التي ذابت في كوب. كلّ هذا بدأ مع لهفة ظلّين يمشيان جنباً إلى جنب إلى المدرسة وانتهى باتحاد نظرتين محدقتين وتلامس يدين. لكنه لم يبلغ دفء نَفَسَيْن ونعومة جسدين. فعندما جاء امتزاج النفسين والجسدين فإنه جاء من دون حبّ -جاء مع قدوم الفقيه (رجل الدين) وعهود الزواج العربي”.‏

لكنّ فرخزاد لا تستسلم في النهاية للخوف أو العار. فهي تجتاز الشهوة الأنثوية من خلال الجسر الثقافي للتجربة والتعبير حتى وإن كان هذا بكثيرٍ من الهلع والاضطراب. وبتورطها بين دافعين آمرَيْن ومتناقضين على حد سواء، وهما الخوف والشعور بالذنب من جهة ومطالب جسدٍ شهواني من جهةٍ أخرى، تختار أقلّ وأقلّ أن يحكمها الدافع الأول.

فشخصياتها الشعرية تنغمس في أمورٍ لم يكن مسموحاً للنساء التعبيرُ عنها جهراً. كما أنّها تعكس الفعل الجنسي؛ فعلى سبيل المثال من حق الرجل وحده أن يختار شريكته وأن يُظهِر رغبته. هو لا يُختار ولا يمكن له أن يتوقع إظهار الكثير من المتعة الجنسية من قبل امرأةٍ تعرف حقّ المعرفة أنّ إظهار اهتمامٍ برجل يعدّ سلوكاً غير لائقٍ،

ومما هو مثيرٌ للاهتمام أنّه في الوقت الذي لا يوجد فيه اعترافٌ مقبولٌ ولائقٌ وصريحٌ برغبة المرأة الجسدية للرجال فإن هناك مصطلحاً مألوف الاستخدام بل مصطلحاً شرعياً لرفضها الجنسي له هو (Adam- e Tamkin)”عدم التمكين”الذي يعني حرفياً”عدم الطاعة”وهنا جاء ليعني عدم إذعان المرأة لرغبات زوجها الجنسية. فقد تمّ تلقينها أن تكون غير مهتمة، وهي تتظاهر بعدم الاهتمام، ولا نبالغ إذا قلنا أنّ هناك الكثير من النساء الإيرانيات بمن فيهنّ فرخزاد نفسها في بعض قصائدها الأولى ممن يؤمنّ حقاً بأنّه حالما يُظْهِرْنَ اهتمامهنّ الكلّي ورغبتهنّ برجل فإنهن قد فقدنه للأبد:‏

وأنتِ، بقلبٍ صادقٍ، أيتها المرأة..‏
لا تبحثي عن الإخلاص في رجل‏
فهو لا يعرف معنى الحب‏
لا تخبريه أسرار قلبك أبداً‏

لطالما كان سوء سلوك المرأة الجنسي مترادفاً تقليدياً مع انحرافٍ أخلاقي كلّي، فحتى شرف الذكر يعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على عفة نساء بيته. وأعظم اتهامٍ بحقّ امرأة وبالتالي بحقّ أقربائها الذكور هو إقرانها بسلوكٍ جنسيٍ محظور. ولكن في هذه القصيدة تصرح المرأة جهراً بسوء سلوكها الجنسي، والأفظع من ذلك، بتمتعها به.‏

وهي، بتحررها من الادعاءات الزائفة والمناورات الاستراتيجية، تسمح لمشاعرها بالتعبير عن نفسها بحرية وتفسح المجال أمام عاطفتها فهي تُبرزها وتتمتع بها، بل إنّها تنعُم بها. إنها ترفض أن تكون مجرّد موضعٍ للشهوة، وتشعر أنها منتصرةٌ في قدرتها على تحويل”ملجأ الصمت الحالك”إلى لهيبٍ من العاطفة. وهي تولّد الرغبة وتعتز بها. كما تصور رغبتها الذاتية على نحو درامي باستعمالها المتكرر لضمير المتكلم المفرد في القصيدة. بالفعل فإن أسلوب السرد الذاتي في القصيدة يجعلها متميزةً بصورةٍ استثنائيةٍ في تعبيرها عن تجاربَ محظورةٍ ومشاعر الرغبة الجنسية.‏

إنها لقصيدةٌ مثيرةٌ للفضول، قويّة في تصويرها للمتعة وجريئةٌ في بوحها وبالوقت نفسه مضطربةٌ في انفعالاتها. فهي تنقل المتعة ممزوجةً بالشعور بالذنب والشكّ حيث تتصارع التقاليد مع العاطفة. إنّها حكاية امرأة يروّعها ازدهار عاطفتها ولكنها في الوقت نفسه مذهولةٌ بها، امرأةٍ يمكنها أن تتحدث بحرية عن تجاربها الجنسية الخارجة عن التقليد، لكنها تعدها”ذنوباً”وتعدّ نفسها”مذنبة”فرغم تجاهلها لمعايير مجتمعها وقيمه المهيمنة إلى حدٍّ ما إلاّ أنّها متشربة لهذه المعايير بطريقةٍ دقيقة ولا مفرّ منها.

والطموحات المتناقضة تجعلها مزيجاً محيراً من الحقائق والشكوك. فمن جهة هناك لهيب الجسد والعقل المستعر، ومن جهةٍ أخرى هناك المعايير الاجتماعية المقيّدة والقوانين المندمجة في الذات. إنها لا تستطيع أن تحرم نفسها من ميزة الاستماع إلى عقلها وقلبها المجازفين ولا تستطيع تحرير نفسها مما تمّ تعليمها إيّاه بخصوص احترام الذات والفضيلة. وهي تتأرجح بين مجموعتين من القيم والطموحات القديمة والحديثة دون أن تكون قادرةً على التخلّي عن أحدهما أو دمجهما معاً:‏

قيّدوا قدميّ بالسلاسل ثانيةً‏
حتى لا تجعلني الحيل والخدع أسقط‏
لكيلا تقيدني الإغراءات الملوّنة‏
بسلسلةٍ أخرى أيضاً..‏

في مجموعاتها الثلاث الأولى تدعو فرخزاد نفسها”مذنبةً”و”رديئةَ السمعة”و”امرأةً حمقاء”و”غيرَ جديرةٍ بالثقة”فالرأي العام ومجموعة القيم المبطنّة ذاتياً لا يشلانها، لكن مع ذلك يؤلمانها. فقد أصبحت تشعر بالمرارة والنفور من محيطها وتغلبها حاجةٌ للعزلة.‏

أتفادى أولئك الناس‏
الذين يبدون مخلصين جداً وودودين‏
لكنهم بازدراءٍ مفرطٍ‏
يتهمونني بتهمٍ لا حصر لها..‏
أتفادى أولئك الناس الذين يستمعون لقصائدي‏
ويتفتحون كأزهارٍ فوّاحةِ العطر‏
لكنّهم في قرارة أنفسهم‏
يدعونني حمقاء رديئة السمعة..‏

وليس القرّاء المنافقون هم وحدهم الذين يصفحون عن فرخزاد ويدينونها، بل إنّ مؤيديها أيضاً يُظهرون ازدواجية. وإن كانت فرخزاد تعدّ نفسها”مذنبةً”، فإنّ مؤيدها الأكثر إخلاصاً يعدها مذنبة أيضاً. في مقدمةٍ لمجموعة فرخزاد الشعرية، تذكّر شجاع الدين شفا Shojaed Din Shafa القارئ وبطريقةٍ دفاعية أنّ:‏

“الاعتراف الفنّي لامرأة وقدرتها على تصوير مشاعرها بشكلٍ صريح هي، كما أعتقد، الشيء الجديد والمثير للاهتمام في شعر هذه السيدة. عدا عن ذلك، فإنّ موضوع هذه القصائد ليس جديداً أبداً بحدّ ذاته كي يستحقّ اهتماماً. إنها حكايةٌ قديمةٌ قدم الإنسان نفسه وستبقى معه حتى نهايته المطلقة. لنواجه الحقيقة، أيٌّ منا قادرٌ على أن ينكر بأنّه شعر في قلبه بهذه الرغبات التي لا يصحّ الحديث عنها؟! وكما قال المسيح:”من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بأول حجر”.‏

لكنّ الجديد والمثير للاهتمام بالفعل في شعر فرخزاد هو في الواقع أكثر بكثير من قدرتها على تصوير رغباتها التي لا يصحّ البوح بها بصراحة. فلربّما كان ما ينال اهتمام الكثير من القرّاء وإعجابهم في آنٍ واحد له علاقةٌ بانبثاق شخصيةٍ شعريةٍ أنثويةٍ هامةٍ تتحدى تعقيداتها التصنيف السهل. وما يميزها عن أسلافها وحتى عن الكاتبات المعاصرات لها هو استخلاصها لتجربةٍ يوميةٍ دون أن يكون قصدها التوجيه أو التعليم أو الإرشاد.

إنّ النصّ المتمرّد، والمبدع كان ملكاً لها ليس بلغته أو أسلوبه أو وجهة نظره فحسب، بل بموضوعه أيضاً. وصراحة هذه القصائد قد تغري القراء غير المعتادين على مثل هذا البوح الذاتي الصريح. فشراك الحبّ والشغف المحاكة باستمرار والتي تصورها هذه القصائد قد تقدّم تنفيساً تطهيرياً عما تقدمه الشهوانية وتمنعه الفضيلة عن الكثير من قرائها. وتصويرها لنشوة الحرية والخلاص من الأغلال، وللقلق والاضطرابات المرتبطة بذلك في نفس الوقت قد يعبر ببلاغةٍ عن حيرةٍ تبقى عند الكثير من قرائها مكبوتة. وبعيداً عن كون هذا الشعر تأريخاً ذاتياً، فإنّه بالفعل تصويرٌ دقيقٌ لآلام ومسرّات جيلٍ كاملٍ يعيش تغييراً جذرياً.‏

بالتحرر من الأشكال التقليدية والمقولبة للأفكار والعواطف الجنسية والالتزام بتوسيع فرصهما وإمكانيتهما، يحتفل الرجل والمرأة بتبادل الأدوار في هذا الشعر. وبإدراكهما للقيود الكثيرة المفروضة عليهما باسم الذكورة أو الأنوثة، هما ينشدان التحرر وإلى حدٍّ ما يحرزانه.‏

تتعلم فرخزاد وتكشف أكثر عن ذاتها من خلال محاولتها عكس صورة الآخر. فقيامها بالكشف عن الرجل انتهاكٌ للمعايير الأنثوية أكثر من كونه صورة مبتذلة لرغبةٍ مشبعة. وفضولها حول الحقيقة التي تكمن خلف الحجاب، سواءٌ كان يعبر عن ذاته بصورةٍ جنسيةٍ أم لا، هذا التعطش للحقيقة المجردة والرغبة الجريئة بها يقودها في النهاية إلى مكانٍ من الوحدة اللا متناهية والصدق:

وطن كلّ الشعراء البارعين (أليس هذا الفضول وهذا التعطّش يعكسان بالأحرى نفس تلك الضوابط والقيود التي يفرضها عليها المجتمع الذي يراقبها ويقيدها ويحكم عليها بهمساتٍ وغمزاتٍ وسوء سمعةٍ حتمي!، أليست بسبب هذه العوائق هي مجبرةً على التعبير عن قيامها بالكشف عن الآخر بلغة الجنس؟). إذاً، لا عجب أنها من خلال شعرها تحتاج لأن تخلق مكانها المثالي الخاص!‏

ربما تكون قصيدة”فتحُ الروضة”النقد الأورع والأكثر فتنة الذي استخدمته فرخزاد لإعادة تقييم بعض معايير مجتمعها المتبناة بشدة. فهي تحاول إعادة صياغةٍ جذريةٍ للأفكار والعلاقات والمعايير. إنها المغامرة الأسطورية لامرأةٍ لا تجد فردوساً مغرياً في أسطورة ثقافتها السهلة المنال. وبشكلٍ مبدعٍ تعيد هذه القصيدة كتابة قصة الخطيئة الأولى وتعكسها باستخدام السياق المألوف المدوّن في النص الإنجيليّ والقرآني:‏

الغراب‏
الذي حلّق فوقنا..‏
وتوغّل في الأفكار المشوّشة لغيمةٍ شريدة‏
الذي أطلق صراخه، كروحٍ قصيرةٍ، في الأفق‏
سيحمل أخبارنا إلى المدينة‏
الكلّ يعرفون‏
الكلّ يعرفون‏
أننا، أنا وأنت حدّقنا في الحديقة‏
وقطفنا التفاحة‏
من ذاك الغصن البعيد الخجول..‏
الكلّ يخاف‏
الكلّ يخاف‏
ولكن أنا وأنت انضممنا إلى الماء والمرآة والقنديل‏
ولم نَخَف..‏
إنها ليست مسألة رابطٍ ضعيفٍ بين اسمين‏

على صفحات السّجلّ القديمة‏
إنها مسألة شَعري المسحور‏
وفاوانيا(1) قبلاتك المحرقة‏
والحميمية المتمردة لجسدينا‏
وعُريّنا المتألّق‏
مثل حراشف سمكةٍ في الماء‏
إنها مسألة أغنية النبع الصغير الفضية‏
المغناةِ عند الفجر‏
في الغابة الخضراء المتدفقة‏
في البحر المضطرب الوحشي‏
في الجبل الغريب المتغطرس‏
في إحدى الليالي..‏
سألنا الأرانب الوحشية والأصداف المملوءة باللآلئ، والنسور..‏
“ما الذي يجب فعله؟”‏
الكلّ يعلم..‏
الكلّ يعلم‏
أننا وجدنا طريقنا في مهجع سيمورغ(1) البارد والصّامت‏
وجدنا الحقيقة في الحديقة الصغيرة‏
في النظرة الحييّة لزهرةٍ مجهولة‏
والخلود في اللحظة الأبدية‏
عندما تحدّق شمسان إحداهما إلى الأخرى‏
إنها ليست مسألة همساتٍ خائفةٍ في الحلكة‏
إنها مسألة ضوء النهار ونوافذ مفتوحة وهواءٍ منعشٍ‏
وموقدٍ حيث تُحرَقُ الأشياء التي لا قيمة لها‏
وأرضٍ خصبةٍ بمحصول جديد‏
إنها مسألة ولادةٍ واكتمالٍ واعتزاز‏
مسألة أيادينا المغرمة‏
تواصل الليالي‏
برسائل عطرٍ من النسيم والضوء..‏
تعالَ إلى المرج!‏
تعالَ إلى المرج الكبير‏
ونادِني من خلف عبير براعم الأكاسيا‏
مثل ظبيٍ ينادي رفيقته‏
الستائر تفيض بحقدٍ مخبّأ‏
وحماماتٌ بريئةٌ بيضاءْ‏
من أعالي أبراجها البيضاءْ‏
تحدّق في الأرض من تحتها..‏

في قصيدة”فتح الجنّة”تعكس فرخزاد طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة والتي تصورها الأسطورة بشكلها الديني أو الدنيوي. هنا في هذه الحديقة المرأة لا تتكلم بلسان الشيطان ولا تساعد إبليس. وهي باعتبارها لا خادعة ولا مخدوعة ليست ساذجة ولا ضعيفة بطبعها. فإن كانت حوّاء تبدو أسيرة الهوية المفروضة عليها وإن كانت بذنوبها، وبفضائلها، تثبت أنّها غير متغيّرة وغير قابلة للتغيير فإنّ المرأة في هذه القصيدة تقوم برحلةٍ خاصةٍ بها، فجسدها الممدد تبعاً لتجاربَ جديدةٍ يرفض أن يعود إلى بعده الأصلي. وعقلها المتعرّض لآفاقٍ جديدة يرفض التقييد. إنها سلسةٌ كالماء، متقلبةٌ ودائمة التغيير والتحدي أبداً، دائمة الحركة ودائمة النموّ ودائمة التعلّم.‏

ورفيق دربها الرجل بعيدٌ أيضاً عن كونه شخصية تقليدية. فباعتباره غير خائفٍ من الإلفة الحميمة، لا يحاول أن يحمي براءة مزيفة أو يحافظ عليها. ولا يجد أنّه من الضروري لوم المرأة على خداعه. فهو يقطف من الشجرة المحرّمة طواعيةً ويدخل في الحديقة حيث يمكنه أن يَختار وأن يتمّ اختياره، أن يرغب وأن يُرغَب به، أن يُشبِعَ رغبةً وأن تُشبَع رغبتُه. إنه لا يحتاج لأن يغزو أو يخترق أو يهاجم فهو يعلم كيف يَعشق وكيف يكون معشوقاً.‏

في هذه الروضة لا يوجد إبليس ليقود الرجل أو المرأة إلى سقوطهما. فمن دون وجود كبش فداء ليلعب دور الوسيط بين البراءة المفقودة والإثم المكتسب، كلاهما يقطف التفاحة طواعيةً ويتحمل مسؤولية رغباته وأعماله. هذه الحرية تفسر استخدام الضمائر”أنت”و”أنا”بدلاً من”نحن”بعنايةٍ فائقة كلما كان هناك قرارٌ أو خطوةٌ تُتّخَذُ. ففي هذه المدينة الفاضلة الرجل والمرأة يواسي أحدهما الآخر ويبهجه ويدعمه فالحب لا يُشتَرى ولا يباع باسم السلطة أو الملكية أو الحماية. والجنس لا تتم مقايضته بالوفاء أو الأمان. المتعة تُقابل بمثلها، والنشاط الجنسي لا يخضع للنقاش على طاولة المساومة.‏

هذه الروضة مكانٌ للثقة حيث يمكن لكلا الشريكين أن يخفّض حصون دفاعه وأن يجد متعةً في الطبيعة اللانفعية لشراكتهما وأن يتلقى قوّة الحبّ الكاملة ويرحّب بالألفة الحميمة والحوار. بأيديهما المتشابكة بالحبّ يمكن لهما أيضاً أن”يواصلا الليالي”. وفي هذه الروضة”يتألق”العريّ وتُهدَم الجدران وتدمّر الحدود المصطنعة وتُسدَل الستائر وتُلقى الأحجبة جانباً. فالشفافية لا السرية هي المطلوبة والمقدِّرة. هنا المشاعر كالأجساد لا تحتاج لغطاء.‏

لكن هذا الفردوس محاطٌ بالجحيم، فهو روضةٌ مطوّقةٌ بأرضٍ معاديةٍ والجانب الفردوسي منها يعكّره الغضب والقلق. وحتى إن كانت أرضَ نعيمٍ فالمكان ليس مباركاً. هذه الحديقة لا تمنح الشاعرة خصوصيةً أو ملجأً. فالآذان والأعين تنمو على أشجارها والعصافير تثرثر بصيحاتٍ تخترق الأفق كالخناجر. والثرثرات تغزو هذا المكان المثالي، وزوّارٌ غير مدعوين يقحمون أنفسهم، ومتطفّلون حقيقيون أو وهميون يترددون عليه. والغربان، تجار الثرثرة المشؤومون أولئك، يزورونه. إنّ واحة الانسجام هذه بين عاشقين والطبيعة لا تمنحُ مكاناً للراحة الحقيقية.‏

وخلف المزاج المبتهج لهذه القصيدة تكمن مشاعرٌ من الاضطراب والضعف، فمن السطر الأول وعند لحظة النشوة عندما يدخل العاشقان فردوسهما تصف الشاعرة الغراب وهو يحوم فوق رأسيهما. إنه الغراب الذي سينشر أخبار علاقتهما الخارجة عن التقليد في النهاية. القلق يظهر من البداية والشعور بالذنب والحيرة يبدآن وعلى ما يبدو، يبقى العاشقان منسلخين عن محيطهما أو لنقل منفيين. هذا الفردوس يتحوّل في نهاية المطاف إلى منفى، منفى ذاتي متعمد في أحسن الأحوال فلا عجب أن يتوجّب على سكانه أن يسألوا الأرانب والأصداف والنسور”ما الذي يتوجب فعله؟”.‏

بعض المشاعر المحجوبة أو الملمَّح إليها في قصيدة”فتح الروضة”تبلغ تعبيراً واضحاً في قصائد أخرى ولا سيّما قصائد نُشرت بعد وفاة المؤلفة. لقد تبين أنّ النعيم المستمتع به في الروضة قصير الأمد فيبدو أنّ العريّ، مهما بلغت قيمته، يسبب ألماً مبرحاً وسوء تفاهمٍ وعزلة. كما اتّضح أنّ الحبّ الشهواني وهمٌ زائل. حيث تنبثق صورٌ من ثاناتوس وهو يطارد الإله إيروس وصورٌ من الموت والحبّ والشهوة وفم القبر الفاغر وفوق كلّ هذا صورٌ من الوحدة:‏

ساقوا براءة قلبٍ بكاملها‏
إلى قلعة حكايا الجن‏
والآن..‏
كيف لها أن ترقص ثانيةً؟‏
وتطلق ضفائر طفولتها‏
فوق الأنهار المتدفّقة؟‏
كيف لها أن تمضغ‏
التفاحة التي قُطِفت وشُمّت؟‏
آهٍ يا حبيبي! يا أعزّ أحبابي!‏
يا لها من سحبٍ سوداء..‏
تترقّب يوم الشمس البهيج!‏

ومع ذلك فإنّ مضغ التفاحة ومغادرة قلعة حكايات الجن أمرٌ محتّمٌ عليها. فباعتبارها تعيش بمفردها ووحيدةً على حافة مجتمعها، ولكونها متمرّدة ومدركةً لتمردها، وربما كانت متعبةً منه، تتنبأ فرخزاد بقدوم السحب السوداء. وبوجود منفى في موطنها الأصلي، تصبح”امرأةً وحيدةً”عالقةً في فضاء الانتقال من نموذجٍ ثقافيٍ لآخر. وبما أنَّ فرخزاد، مقتلَعَةٌ من جذورها فإنّها متأكدة من المجهول فقط، وبما أنّها مجتثّةٌ من أصولها فهي تجسّد ملذّات تهجين ومزج القديم بالحديث، لكنّها تجسد أيضاً ملذّات آلامهما ومشكلاتهما:‏

وها أنا ذا!‏
امرأةٌ وحيدة‏
عند عتبات فصلٍ بارد‏
قادمةٌ لأعي تلوّث الأرض‏
ويأس السماء الجوهريّ الحزين‏
وعجز هاتين اليدين الصلبتين‏

____________
(الفاوانيا: نباتٌ ذو زهراتٍ كبيرةٍ حمراء أو قرنفلية بيضاء.‏)

عن مجلة “الآداب الأجنبية” 1997