رشيد بوطيب:

في الثلاثين من كانون الثاني/يناير 2016، يلتقي اثنان من أبرز الفلاسفة الفرنسيين اليوم، وهما ألان باديو وجان-لوك نانسي في برلين، للتحاور حول قضية تشغل الفلسفة الفرنسية، منذ الخمسينيات من القرن الماضي على الأقل: الفلسفة الألمانية.

يان فولكر الذي أدار الحوار وأصدره مؤخراً باللغة الألمانية عن دار “ماثيس وزايتس”، سيبدأ تعليقه على الكتاب بالمقولة الشهيرة لجيل دولوز وفليكس غاتاري، من كتابهما: “ما الفلسفة؟”: “كل فيلسوف يطلق رجليه للريح، حين يسمع الجملة القائلة: دعنا نتناقش قليلاً”.

دولوز وغاتاري على قناعة بأن النقاش ليس ضرورياً للفلسفة، وأنه لا يمضي بالعمل الفلسفي إلى الأمام، لأن المتحاورين لا يتحدثون أبدا عن الشيء ذاته. وطبعاً، فإن الأمر يتعلق في النهاية، وكما يبيّن يان فولكر، بالفهم الذي نقدمه للعمل الفلسفي، إذ بالنسبة لدولوز، يكمن دور الفلسفة في خلق المفاهيم، ومثل هكذا عمل، يتمنّع على النقاش، أو بلغة أخرى: “إن الفلسفة تهدف في عملها إلى تحقيق ذلك الشيء، الذي تتهرب منه المناقشة”، كما أنه لا يجب أن ننسى أن النقاش يهدف إلى الإجماع، و”الإجماع لم يكن البتة من عناصر قوة الفلسفة”.

يبدأ ألان باديو بالتأكيد على أن الفلسفة تتحقق بشكل متقطع. إنه يتحدث عن لحظات فلسفية، أما فكرة الاستمرارية أو فكرة التقليد الفلسفي، فتظل في رأيه تصوراً أكاديمياً فحسب، وإلى هذه اللحظات المركزية في تاريخ الفلسفة، تنتمي في رأيه اللحظة الألمانية ـ الفرنسية في القرن العشرين، والتي تمحورت حول الفينومينولوجيا، وبدأت مبكراً في ألمانيا مع إدموند هوسرل ومن بعده هايدغر، وفي فرنسا مع سارتر وميرلو بونتي.

هذه اللحظة الألمانية ـ الفرنسية ستتحول مع مرور الوقت إلى لحظة فرنسية، هي التي نعيش اليوم نهايتها. لكن ما الذي يميز هذه اللحظة التي وصل إشعاعها حتى أميركا؟ إنه البحث عن “مكان جديد” للفلسفة، فهي لم تطلب تحديد الفلسفة أكاديمياً، بل دعمت ربطها بشكل حي مع محيطها وتطعيمها بالأدب والفن التشكيلي والسينما والرياضيات والتحليل النفسي، وبحيوية نيتشه وبرغسون كما فعل دولوز، كما أنها لم تغفل البعد السياسي أيضاً.

أما جان-لوك نانسي، فسيقوده النقاش للحديث عن أوجه الاختلاف بين الفلسفتين الألمانية والفرنسية، كما نعرفهما من تاريخ الفلسفة الحديثة. إنه يرى أن فلاسفة مثل كانط، مروراً بهولدرلين وحتى هيغل، كانوا يعبّرون بطرق مختلفة عن نقصان يعتَوِر الثورة، أو كانوا ينتظرون ثورة أخرى، أو تحقيق ثورة نظرية وليس سياسية.

لقد طورت ألمانيا، في نظر نانسي، على مستوى الفكر، ما عجزت عن تحقيقه على مستوى الدولة، ويضرب هنا مثلاً بكل من فيشته وهيغل. في حين أن الثورة الفرنسية كانت أيضاً عملية فلسفية، إذ إن عالَماً فكرياً متكاملاً سيخرج معها إلى الواقع. لربما كان هاينريش هاينه أبلغ من تحدث عن العلاقة بين ألمانيا وفرنسا، معتبراً أن المثالية الألمانية كلها، هي مجرد حلم بالثورة الفرنسية. كل ذلك يظهر أن العلاقة بين فرنسا وألمانيا، كانت دوماً علاقة فلسفية.

سيتساءل نانسي أيضاً عن هذا الأمر الذي جعل الفلسفة الألمانية تؤثر بقوة في الفلسفة الفرنسية؟ إنه يرى أن الأمر يكمن في حضور للقول في المقول، أو حضور لطريقة تعبيرها، لصوتها فيما تقوله، فإذا نظرنا برأيه إلى الفلسفة الفرنسية منذ ديكارت وأيديولوجيي الثورة، سنرى أنها كانت تشتغل في صيغة الخطاب، وفي شكل تعبيري محايد إلى حد ما، هدفه التعبير عن موضوعاته، في حين شهدنا في الفلسفة الألمانية إدماجاً للّغة بالفكر، ولهذا فإن الأمر يتعلق برأيه بفلسفة هي في حد ذاتها فعل أو براكسيس.

سينتبه قارئ الحوار إلى أن الفيلسوفين ركّزا بالخصوص على ثلاثة فلاسفة وهم كانط وهيغل وهايدغر، وبدرجة أكبر على هيغل وهايدغر، فباديو لن يخفي نفوره من المشروع النقدي لكانط، وسيذكرنا بمقولة هيغل الشهيرة من أن فلسفة كانط أشبه بتمثال عظيم لا تجري دماء في عروقه، لهذا سيهوي أرضاً، ومعتبراً هيغل فيلسوف السلبية، السلبية الخلّاقة بامتياز أو السلبية الإيجابية، وملخصاً تاريخ الفلسفة كله في أفلاطون وديكارت وهيغل.

سينتقد نانسي موقف باديو من كانط، لكن الفيلسوفين معاً سيتفقان على فكرة أن الفلاسفة هم في نهاية المطاف ثمار عصرهم، فهم لا يسقطون من السماء، ومهمتهم تكمن في التفكير بعصرهم، لكن المدهش في هذا الحوار، إن أمكننا أن نسمّيه حواراً، فأحياناً نشعر أن كلاً منهما حضر ليقول ما عنده، لا ليتحاور مع الآخر، أقول إن المدهش هو اتفاق نانسي وباديو معاً على أن ماركس ليس فيلسوفاً، أو أننا قد نجد لدى ماركس فلسفة ولكنه ليس فيلسوفاً.

وهنا قد نسجل تناقض باديو مع نفسه، حين يقول بعدها بأن “الفيلسوف هو الذي ينجز عملاً يصمد أمام الزمن”، لأنه إذا كان الفيلسوف تعبيراً عن عصره، فإنه لا ريب أن يكون أكثر من كلب ميت أو مهرّج ملك، إذا ما حاول أن يكون فيلسوفاً لكل العصور، وهنا لا ريب يكمن قصور الفلسفة أمام فن مطلق مثل الموسيقى، بل وحتى أمام الأدب، إنها، كما عبر عن ذلك هيغل: “زمنها وقد صيغ في أفكار”.

وفي نقده الانتقائي لماركس، يركز باديو على الأطروحة الشهيرة التي تقول إن الفلاسفة لم يعملوا شيئاً آخر سوى تفسير العالم. ويرى بأن الاقتراح المفهومي للفلسفة يعبر عن نفسه بشكل مختلف عن التفسير، لكنه يغفل هنا بأن ماركس لم يعرف الفلسفة كتفسير، بل اعتبر أنها لم تقم بشيء آخر حتى الآن سوى التفسير.

باديو يعتبر من جهته بأنه يمكن للفلسفة أن تلتقي في مرحلة من مراحلها بالتفسير، لكنه لا يمكن اختزالها فيه، معتبراً بأن التفسير هو منهجية الأساطير والأديان والحكمة، في حين أن الفلسفة في ارتباطها بالعلوم وبالرياضيات خصوصاً، مبنية بشكل مفهومي وليس بشكل تفسيري، وأن سؤالها يكمن في الآتي: “هل يوجد شيء يمكن اعتباره كونياً؟” وإذا كان موجوداً، فكيف أمكن ذلك؟

إذن، فبرأيه الفلسفة تطرح أسئلة ولا تقدم تفسيرات، معتقداً بأن فكرة الانتقال بالفلسفة من التفسير إلى التغيير، والتي عبر عنها ماركس في أطروحاته حول فيورباخ، خاطئة وأنها مجرد تصفية حساب مع قدماء الهيغليين، ومع فيورباخ الذي يعوزه التحليل الطبقي.

حتى جان لوك نانسي سيعتبر أن ماركس ليس فيلسوفاً، لأنه لا يشتغل مثل الفيلسوف، ولأنه لا يمضي برأيه بالتفكير إلى تخومه القصوى، ويضرب هنا مثلاً، ودائماً بشكل انتقائي على طريقة باديو، بالجملة الشهيرة التي تقول بأن الدين “روح عالم ليس له روح”، ويرى أن ماركس لا يحاول البتة تعريف هذه الروح أو تلك الجملة الشهيرة التي ترى أن الهدف ليس الملكية الجماعية، بل إن اختفاء الملكية الشخصية، سيجر معه اختفاء الملكية الجماعية، لتظهر الملكية الفردية، لكن ماركس لا يعرف الملكية الفردية، لهذا فهو برأيه ليس فيلسوفاً.

 

 

https://www.alaraby.co.uk/cultur