هذه المرّة، سنقع على عبد الفتاح كيليطو (1945) متلبّساً بالجريمة الكاملة، إذ لطالما فتّشنا عنه خارج كتبه، دون جدوى. فهذا المبدع المغربي ذو الدمغة الخاصة في الكتابة العربية، أشبه بحلزون لجهة الاختفاء والتواري، يهدينا كنوزه على جرعات، ثم يعود إلى قوقعته/ مكتبته، مطمئناً إلى حين، إلى أن يقوم بغزوة أخرى أكثر بريقاً.
قارئ بمرتبة مؤلف، غارق في بطون الكتب بصحبة الجاحظ والمعرّي وشهرزاد، وآخرين، ينقّب عن السر واللغز وفتنة الأسئلة الأولى. ها هي أمينة عاشور في كتابها «كيليطو… موضع أسئلة» (دار توبقال ــــ ترجمة عبد السلام بنعالي) تستدرج صاحب «العين والإبرة» إلى المنصة كي يروي علاقته بالكتب، وفحص تلك القدرة الهائلة على التنقّل بين الأجناس الأدبية، فضلاً عن الحرية الفكرية التي يتمتع بها، إلى تحرّره من القيود الأكاديمية.
هكذا اختزل كيليطو حياته في القراءة والكتابة: «إن الكتب قد شكّلت إلى حدّ ما رؤيتي إلى العالم» يقول.

تلجأ الكاتبة المغربية إلى استهلالات كُتبِ محاورِها بوصفها مفتاحاً لأسئلتها من جهة، وجوهر أفكار الكاتب، من جهةٍ ثانية. يجيب: «يمكننا الاقتصار عليها إلى حدٍ ما. لكن ما يثير الدهشة، هو أن معظم القرّاء لا يقرؤونها، والأدهى أنهم لا يتبينونها»، مراهناً على ندرة من العارفين في فك شفرات اللغز، غامزاً في الوقت نفسه من «عمى القارئ». ذلك أن أسرار النص تكمن مفاتيحها في الاستهلال. لاحقاً، ستتكئ بصيرته على كتابات أعميين هما المعرّي وبورخيس، نابشاً عالمهما الغامض. لكن كيليطو مشّاء فكري لا يتوقف طويلاً في المحطة نفسها. إذ ما انفك ينبش في كتب التراث بعين حداثية، كتاباً وراء الآخر، نافضاً الصدأ عن تلك الكنوز، فالجاحظ مثلاً، هو أحد آبائه الروحيين، كذلك ابن حزم، صاحب «طوق الحمامة»، وابن رشد، وعشرات الأسلاف العظام، فيما يستدعي من الضفة الأخرى أعمالاً لبورخيس ورولان بارت، ونيتشه، وسرفانتس، وكافكا، وآخرين، في «عملية وصل» بين ثقافتي الشرق والغرب.

وهنا تكمن أهمية مشروعه النقدي، في مزاوجته بين ثقافات مختلفة، أو كما يشي عنوان أحد كتبه «أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية». ستتكشف مرجعياته تدريجاً. القصص المصوّرة في طفولته أولاً (خصومة الصور)، مروراً بأطروحته الجامعية عن «مقامات الحريري»، ثم اكتشافه المعرّي ممتدحاً غموضه ودروبه المغلقة وانعراجاته المفاجئة، ومساراته المضللة، وضبابيته المحيّرة «لا نجاة إلا للكتاب الغامضين، ثم ما قيمة العمل من غير أسرار؟» يقول. وسوف يتساءل باكراً: «كيف نجرؤ على مواصلة الكتابة بعد الجاحظ ومارسيل بروست وكافكا؟». هكذا سيتلف محاولاته الروائية الأولى، لتمتد محاوراته لاحقاً نحو ابن رشد (من شرفة ابن رشد)، وابن بطوطة، و«ألف ليلة وليلة»، معوّلاً على الفضول المعرفي المحرّم، معتبراً إياه وثيق الصلة بالفاكهة المحرمّة، ذلك أنّ المعرفة لا تنفصل عن اللذة (لسان آدم). هؤلاء كانوا بالنسبة إليه بمثابة مصدر إلهام، وسند، وصندوق مليء بالكنوز التي لا تقدّر بثمن. انخراطه في تشريح وتأويل النصوص التراثية تقابله ريبة تجاه النصوص المعاصرة، فالأسئلة الكبرى سبق أن أجاب عنها أسلافه، لكنه سيعتني بسؤال الترجمة، وهجرة الأشكال والخطابات. هذا الذهاب والإياب بين لغتين (العربية والفرنسية) أربكه قليلاً في بداياته، إلى أن وصل إلى قرارٍ واضح أتوجه ببصري شرقاً عندما أكتب بالعربية، وغرباً، أو شمالاً، إن كتبت بالفرنسية»، كما سيوزع حصة القراءة بالتساوي: العربية نهاراً، والفرنسية ليلاً «فهل قراءة النهار هي قراءة العقل، وقراءة الليل هي الحلم؟». ولكن لماذا هذا الاعتناء الصارم بالهوامش والإحالات؟ يجيب بأنه يخشى اتهامه بالانتحال، كما كان يفعل معلم اللغة العربية، كلما قرأ له موضوع إنشاء، فلم يكن يصدّق بأن هذا الفتى هو من يكتب مواضيعه بنفسه.
بناءً على ذلك، تزدحم نصوصه بإشارة إلى عناوين كتب، أو مؤلفين، وشخصيات مستلّة من كتبٍ أخرى، بزاوية نظر مفارقة، وبنوع من اللبس والتردّد والبلبلة، ما يتيح للقارئ إمكانيات مختلفة للتأويل. في قصصه، سيذهب إلى تمجيد البطل الضدّ باعتباره أكثر أهمية من الشخصية الإيجابية. تتوغل أمينة عاشور في عالم صاحب «حصان نيتشه» بما يشبه المبارزة، بقصد هتك أسرار محاورها، لكنه يبقى متيقظاً في إجاباته، وحذراً من الاستطرادات، أو الإجابات اليقينية، بالإضافة إلى ولع بالدقّة، إذ يردّد أكثر من مرّة عبارات من نوع «لا ينبغي أن نجزم»، و«إلى حدّ ما»، و«ليس تماماً»، مستشهداً بقول فلوبير في الكتابة «أن يكون المرء في دقّة قانون الأحوال المدنيّة». بالطبع، ستحضر شخصية «شهرزاد» أو «نسّاجة الليالي» كثيمة أساسية في اشتغالاته النقدية ونصوصه التخييلية، بوصفها معبراً نحو لذّة الحكي بغياب مؤلفه. ذلك أن الليالي ظلّت إلى اليوم مجهولة المؤلف. يقول عبد الفتاح كيليطو بأن نصوصه تولد من صورة، من كلمة، وافتراضات «كتبي تولد من بقايا أدراج خزانة، مقالات، محاضرات، مسودات»، نافياً أنه فكّر سلفاً بالجلوس وراء طاولته بقصد تأليف كتاب ما. أما رعبه الحقيقي، فيتمثل في ذلك «القارئ العدو»، قبل أن يستدرك «لأننا نهابه لا ننساق إلى الاستسهال». إشكالية اللغة لها حصّة أيضاً في هذه المحاورات كسؤال متجدّد حول قلق الهويات، وتلك المسافة الفاصلة بين الفصحى واللهجات، ولغة الكتابة نفسها «هل أكون أنا نفسي عندما أكتب بالعربية أو الفرنسية؟» يقول. لا تهمل أمينة عاشور تفصيلاً يخص تجربة هذا المبدع الاستثنائي، كما لو أنها تقوم بتظهير صورته بالطول الكامل. ثم تغلق العدسة على جملته الأخيرة: «المواظبة على اللعب».

((الأخبار اللبنانية))