ما الذي يجعل كلمة بين الشرق والغرب تستدعي آلاف الكلمات ..الشرقية والغربية ؟ وكيف أنّ نصّا ينفتح على نصوص سابقة ولاحقة ما إن يخض عرضا في موضوع الغرب أو الشرق ؟ يقول (أندريه مالرو) في كتاب سيرته “المذكرات المضادّة ” وهو يستعيد رحلاته إلى الأرض العربية : ” كنّا متوجّهين إلى عدن التي ذهب رامبو منها إلى الحبشة ، وقادمين من جدّة التي انطلق منها لورنس إلى الصحراء العربية ..“. ويعلّق كاتب عربيّ هو (محمد الأسعد) على هذا النصّ بقوله : “ما أن تذكر مدينة (جدة) حتى يتمّ تحديدها بـ(لورنس ) ولا تذكر مدينة (عدن) إلا بعبور (رامبو) لها .. ليس للعرب ولا للأرض العربية وجود إلا بين حدّين أوروبيين ؟! ” وينشئ ( الأسعد) في مقالته نصا شرقيا ضدّ النص الغربيّ ينتقد فيه النظرة الغربية المتعالية على الشرق ..ويدافع عن (الآخر) الموجود كذاتٍ بمعزلٍ عن عيون الغرب، وينفي هامشية الأرض العربية رغم أنّ نص (مالرو) لم يصرّح بها، ويجعل (الأسعد) عنوان مقالته : “إنسانية خاصة تنفي إنسانية الآخر” ، وهكذا نطق (الأسعد) بما لم ينطق به (مالرو) وانفتحت الدائرة المسحورة..!

ولا شكّ أنّ مقالتنا هذه نصّ يستدرجه نصّ سابق مثل النميمة أو الشائعة ولكن أيّ نص ؟ تستهدف هذه السطور نصّ اقتران (جدة ) بـ(لورنس) و(عدن) بـ(رامبو )، باعتباره اقترانا ملتبسا كما ورد في “المذكّرات المضادة ” لـ(مالرو)، ولكن عبر مقالة (محمد الأسعد) التي هي ضدّ ” المذكرات المضادة ” ونبش للفضيحة من خلال وأدها ، أي أن هذه المقالة هي نص عن النص الذي عن النص الغربي .. وإذا كان ثمّة فضيحة .. من الذي يجب أن يحمرّ خجلا، الذات أم الآخر ؟! فرغم أنّ كلمات (مالرو) مثيرة ، ولكنها أقلّ إثارة للقلق من مقالة (الأسعد ) فمن خلال المقاومة بدل التفكيك ، قام الكاتب العربي بتثبيت الهجوم النظري الذي تنطوي عليه كلمات (مالرو) ، ولعلّ (الأسعد) أراد الكشف عمّا لم يصرّح به النص الغربيّ، أي أن يستنطقه لأنّ نصا من النصوص هو دليل على ما ليس فيه أكثر مما هو دليل على ما يحتويه، ولكن هذا ينطبق على نص (الأسعد) أيضا، بل يمكن القول إنّ نص مالرو هو دفاع مبطن جعلت مقالة الأسعد منه هجوما معلنا، لا لأنّ نفي النفي إثبات عند المنهج الجدلي، بل لأنّ (الإنكار) اعتراف عند المحلّل النفسي. وكان يمكن لـ(الأسعد) أن يقود كلمات (مالرو) التي تنطوي على الإنكار إلى الاعتراف بدل أن ينزلق إلى اعتراف عن طريق الإنكار.. لأنّ (الأسعد) من خلال رفضه لهامشية الأرض العربية، منح كلمات (مالرو) سلطة لم تزعمها، حيث التجديف على الله ليس سوى تضرع إليه عند رجل الدين، كما يقول (رولان بارت)، وها نحن نصل إلى “لذة النص” فلا بدّ من القول أن مقالة الأسعد ذات جمالية رغم تفنيدنا لها مثل جمالية نص (مالرو ) على إشكاليته، ويمكن تطبيق لذة النص على هذه المسألة.. مسألة الشرق والغرب باعتبارها من نصوص اللذة، وموضع اللذة يكمن في التناقض المخفي في نصوص كهذه، وحيث التناقض عار ولكن من وجهة نظر المنطق، إلا أنه منبع لذة .

تتظاهر التجربة الأوروبية بالتنوّع وتخفي وحدة التجربة التي تعبر عن الضرورة و(مالرو) لا يتعقب لورنس في بريطانيا ولا (رامبو )في فرنسا، بل يتعقبهما في الشرق حيث هو نفسه هناك.. فليست (جدة ) هامشية لولا مرور (لورنس العرب) بل إن (لورنس ) يكتنفه الصمت لولا التجربة العربية، وكتابه الذي ألّفه في أعقاب تجربته: “أعمدة الحكمة السبعة” يشبه كتابا كان يتمنّى لورنس أن يقرأه وهو ممدّد في فراشه حين كان شابا يتعرّض لسحر الكتب التي قرأها عن الصحراء العربية قبل أن يغادر بلاده، وهو ليس مجرّد جاسوس خدع العرب لصالح بريطانيا، فهذه السيرة الظاهرية لا تهمّش العرب وحسب بل السياسة البريطانية التي تبدو وفق (أسطورة لورنس ) سائرة على أعقابه ومرهونة بنجاحه، أما الحقيقة فهي أنّ لورنس تماهى بالعرب على مستوى التجربة الشخصية، وكان هو نفسه ضحية خدعة السياسة البريطانية وموته موت غامض، وهناك إشارات لدور المخابرات البريطانية التي لم تعترض على تدشين أسطورته العربية حيث نجد أسطورتين تدعمان بعضهما: الرجل البريطاني القادر على قيادة شعب صحراويّ مدعومة بأسطورة الشعب الصحراوي المعرّض للخدعة من رجل أوروبي..ومرور (رامبو)، مجرّد مروره بـ(عدن)، يشحن رحلته بالسحر. إنّ الثلاثة يكرّر أحدهم الآخر في سطر (مالرو):” جدّة التي انطلق منها لورنس إلى الصحراء، وعدن التي ذهب منها رامبو إلى الحبشة”، هذا السطر يجمعهم بشكل مثير للدهشة والأرض العربية مثل الموشور لا تظهر ألوان التجربة الأوربية إلا حين تعبره. إن مرور رامبو بـ(عدن) ليس عرضيا لأنه يقول في إحدى قصائده : “نعم.. بعدن كنت أحلم”.. وليس مهمّا من وجهة نظر “لذّة النص” ما يقوله المنطق من أنّ عدن التي في شعر رامبو ليست عدن التي في جنوب اليمن. لكنّ رامبو ذهب إلى عدن التي في اليمن بعد أن حلم بعدن التي في قصيدته.. كما أنه ليس مهما القول إنّ بيت رامبو الشعري: ” دمشق مهلكة من الخمول ” يقوم على جناس رديء أو ضعيف، فالمهم أنّ رامبو استحضر أشياء الشرق: عدن، دمشق، القرآن، الشرق.. ليس كما يستحضر العاشق أجزاء من ثياب حبيبته، بل كما يستبدل (الفتش) موضوعه في العبادة الطوطمية..! ثمّ (مالرو) نفسه القائل:” حضارات الشرق لديها الخلاص ولا أنتمي إليها، والحضارة التي أنتمي إليها ليس لديها الخلاص “..

(مالرو) الذي بدأ شبابه بقصائد ورقية في ديوان شعر عنوانه: ” أقمار من ورق” ثم انتقل بجسده إلى كمبوديا بعد أن قرأ عن مملكة الخمير القديمة الضائعة، والمدهش أنه عثر عليها ووجد تماثيل ملوك الخمير في الأدغال وما الذي فعله (مالرو)؟ قام بقطعها من أساسها (من جذورها لو كان للتماثيل الحجرية جذور)! وحاول العودة بها إلى فرنسا باعتبارها من أملاكه الشخصية، لكن كانت لدى الحكومة الفرنسية التي تحتلّ كمبوديا حينها وجهة نظر أخرى، فقد ألقت القبض عليه وسجنته وأخذت ( تماثيله ) الكمبودية منه، فهل كانت تماثيل ملوك الخمير المنسية هامشية لأنها لم تظهر إلا بمرور (مالرو)؟ أم أنّ لدى مالرو أزمة هوية بحيث حاول الاحتفاظ بآثار حضارة الآخر لنفسه؟! وبعد خروجه من السجن عاد إلى كمبوديا ليس من أجل البحث في حضارة الخمير، بل للانضمام إلى شعب كمبوديا في نضاله ضدّ المحتلّين الأوروبيين.. ثم بعد ذلك كتب رواية عن مغامرته في الأدغال بحثا عن آثار الخمير..

وعندما قامت الولايات المتحدة بقيادة تحالف عسكريّ ضدّ العراق بعد احتلال الكويت/ عام 1991/ كان (سوارشكوف) قائد التحالف الغربي المذكور يحمل معه على الحدود العراقية الكويتية كتاب لورنس: ” أعمدة الحكمة السبعة “، وتحت وطأة هزيمة العراق كتب (محمد الأسعد) الذي كان أكّد هوية الذات في مواجهة جهل أوروبا لإنسانيتنا، مقالة جديدة اتهم فيها الذات العربية بأنها تجهل إنسانية الآخر….

– موقع الاوان –