حين تكون العاشقة كاتبة تحترف القتل ببراءة

 
زينب المشاط
“حين أُفكرّ بالرجال بروح كاتبة أُشفق عليهم، وحين أُفكر فيهم بروح عاشقة اشفق على نفسي”تمتمت بهذه الكلمات مع مرآتي  التي طالما أخبرتني الكثير عني، كأسباب هذا الولع الذكوريّ بإمرأةٍ تكتبُ، في  الوقت الذي اكون فيه  خارج دائرة الاهتمام تماماً حين اكون”انا…فقط!”،
ثوبي الاسود هذا، وموسيقى تشايكوفسكي لبحيرة البجع تقودني إلى اغوائية البجعة السوداء، التي تُشبه وحش الانثى القابعة داخل روحي، والتي لا اعرفها…إنها تنسلخ عني وتضع الحروف على السطور ثم تعود لتستر….

“حين أُفكرّ بالرجال بروح كاتبة أُشفق عليهم، وحين أُفكر فيهم بروح عاشقة أشفق على نفسي”تمتمت بهذه الكلمات مع مرآتي التي طالما أخبرتني الكثير عني، كأسبابهذا الولع الذكوريّ بإمرأةٍ تكتبُ، في الوقت الذي اكون فيه خارج دائرة الاهتمام تماماً حين اكون”انا…فقط!”، ثوبي الاسود هذا، وموسيقى تشايكوفسكي لبحيرة البجع تقودني إلى اغوائية البجعة السوداء، التي تُشبه وحش الانثى القابعة داخل روحي، والتي لا اعرفها… إنها تنسلخ عني وتضع الحروف على السطور ثم تعود لتستر….
فتحتُ هاتفي النقال، بعد أن كان مغلقاً طيلة يوم أمس، وما أن اتصل الهاتف بشبكة الانترنت حتى تهاوت الرسائل الصوتية والكتابية عليَّ، رجالٌ كُثر، لم يكُن أمرهم يهمني بشيء، إلا أن رسائلهم اللاهثة التي تحمل ضُعف مشاعرهم كانت تُرضي غرور الكاتبة الذي يسكُنني، رغم أني اتعاطف مع مشاعرهم  حين اتجرد عن روح الكاتبة، وأكون”أنا”…
أنفصمُ تماماً عن ذاتي وأرى الاشياء من زاويةٍ مختلفة حين أفكرّ بروح الكاتبة!  أنا مُتيقنة لولا مشاعر الكاتبة هذه وجنونها لما استطاعت إمرأة مثلي أن تخُطّ حرفاً واحداً على الورق، فالعشقُ لا يكفي لنكتب، أن يكون لدينا عاشق يُسعدنا هذا سيقتل فينا مشاعر الكتابة، نحن دائما بحاجة للألم بحاجة إلى هذا الانشطار، الصراع الذي يُخرج توحش القلم واغوائيته فينا…
في الوقت الذي سننعم بهِ بطقس عشقٍ ربيعيّ سنُحرم تماماً من ممارسة الكتابة، لذا سنكون بحاجة لما يُعكر صفو سمائنا، ويُلبدها بألم العشق، هذا لا يعني أننا  نبحث عن قصتيّ عشق في آن واحد إلا أن العشق غالباً ما يطوف حولنا، فأما أن نعيش قصة واحدة توجعنا حتى تُخرج منا المزيد من الابداع مع  كل اعتصارة قلب، أو أن نسكُن الى عشق يشبه الربيع، ليُقلب القدر طقوسه بعشقٍ دخيل يؤلمنا، فأقلامنا تحتاج لهذا التشوّه والانفصام، والمشاعر المبتورة لتبكي جمالاً..
لم تكتفِ سيمون دي بوفار بعشقها سارتر، رغم انهما عاشا الحياة معاً حتى آخر عمرهما بصخب وجمال وكانت علاقتهما أسطورة تروى وحكاية قلّ نظيرها في تاريخ الآداب العالمية، إلا أن كلاهما عشق الكثير ومرّ بعلاقات متعددة منها العابرة ومنها غير عابرة، واتفقا على أن يسمح كل واحد منهما للآخر بإقامة علاقات جنسية وعاطفية موازية، شرط الشفافية المطلقة بينهما وانعدام الخبث والأسرار، درءاً لقهر الغيرة وجرح الغدر، وقد يكون هذا السبب الذي جعلهما أهم ثنائي أدبي في العالم.
وكانت أشهر علاقة لـ دي بوفوار تلك التي ارتبطت فيها بالكاتب الأميركي نيلسون أليغرين الذي التقت به في شيكاغو وعلى عكس حبيبها سارتر الذي لا يتعدى طوله المتر والنصف المتر، كان أليغرين صاحب هيبة جسمانية سلبت عقل دي بوفوار فوقعت في حبه منذ اللقاء الأول.
وعندما سألها أليغرين عن سارتر كتبت إليه رسالة تقول فيها عنه”إنني صديقته الحقيقية الوحيدة التي تفهمه وتمنحه السلام والتوازن، لا أستطيع التخلي عنه بتاتاً وقد أتخلى عنه لفترات طويلة أو قصيرة ولكن لا أستطيع أن أكرس حياتي كاملة لرجل آخر”، وكم تمنت دي بوفار لو تزوجت أليغرين إلا أن هذا لم يحدث…
يبدو أننا بحاجة إلى هذا الألم لنكتب،  إلا أن هذا لا يعني اننا ذوات ميل مازوشي، على العكس، فساديتنا تُميت كل من يؤلمنا واقعاً، وتعيد خلقه من جديد على الورق، لنجعل من ضحايانا ابطالاً، نُخلدهم على الورق ونمنحهم السموّ، وهذا ما يجعل  الكاتبة قاتلة بريئة..
وفي الوقت الذي تفشل فيه الكاتبة من قتل حكايتها العشقية واقعاً، فهذا يعني أنها اختارت عشقاً مخطوءاً،  فأحياناً يكون اختيارنا العشقي أنانياً تسكنه القسوة، ليقتلنا نحن واقعاً، يُميت أرواحنا، ويجعلنا عاجزات تماماً عن خطّ الحروف، لنلوذ بأنفسنا دون تحرر، ونبقى معلقات قيد ألمٍ واختناق…
ولتستمر الكاتبة بعشقها لأحدهم يجب أن تجد معه، مُتعة الغموض، ولذة البدايات، وسحر الأسرار وفضولها، فالكاتبة لا تعشق الرجال الاغبياء ولا تُجذب لهم، أنها تميل لذلك الذي يحمل غموضه في دفء جسده، ويترك اسراره مُتلألئة مع بريق عينه، أنها تعشق ذاك الذي يترك عطره أثراً موجعاً،  ذلك أن هذا النوع من الرجال  يمنحها روح الابداع والكتابة، تماماً كما منح الصحافي جان بولان إلهام الابداع للكاتبة بولين رياج  لتكتب اخطر رواية ايروتيك وهي”قصة او”فقط لأنه كان يميل لهذا النوع من الأدب، ولتثبت له أن المرأة الكاتبة قادرة على أن تكتب هذا النوع من الأدبيات.
ورغم عشق الكاتبة للغامض من الرجال، إلا أن بريق هذا العشق وإن طال سيكون عرضاً للانطفاء، ليس لأن الكاتبة عاشقة  مُتحايلة، أو عابثة بمشاعر من حولها، بل لأنها امرأة حملت بين أضلعها قصة واحدة جعلت منها شخصين أحدهما يغفو على وسادة بعد منتصف الليل ويبكي عشقه، والأخرى وحش يسكنه الغواية، يخرج وينسلخ عن ذات الإنسان الذي يسكنه ليُميت اوجاعه واقعاً، ويُحيها في حياة افتراضية على الورق.
ومهما كانت العلاقة التي تمرّ بها هذه الكاتبة من البراءة، بمجرد أن تترك أثراً موجعاً ستلازمها في أدبياتها، بالضبط كما أخبرتني الروائية العراقية هدية حسين قائلة”هنالك عشقٌ لازمني منذ وقت مبكر، ولكنه ظل ميهمناً على حياتي رغم انتهائه منذ سنوات طويلة، حيث  ترك صداه في كل رواياتي التي كتبتها فيما بعد.”ولكن الصدى الذي تحدثت عنه هدية حسين تعاملت معه فنياً فقالت”هذا الصدى الذي كنت أجده في مواقفٍ وحالات لشخوص رواياتي والذي يشابه تماماً قصتي العشقية كنت اتعامل معه كحالة فنية”.
ويبدو أن التعامل مع الحالات العشقية في حيواتنا كحالة فنية أدبية هي إحدى متلازماتنا نحن الكاتبات، فلم تكُن هدية حسين وحدها التي تعاملت بفنية مع حكايتها العشقية السابقة، فالروائية غادة السمان كذلك حين نشرت رسائل غسان كنفاني لها في كتاب، قالت أنها تنظر لرسائل غسان كمادة ثقافية مهمة تستحق النشر وكتبت في مقدمة الكتاب «نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني، جسده المهترئ بالنقرس لا يرسمه جيداً، ولا يعبّر عنه، ولكنه حر يفعل ذلك باتقان، وحين أقرأ رسائله بعد عقدين من الزمن استعيده حياً، ويطلع من حروفه كما يطلع الجني من القمقم، حاراً ومرحاً في صوته الريح… يقرع باب ذاكرتي، ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين، وأوراقه وابرة «أنسولينه”وصخبه المرح، ويجرّني من يدي لنتسكع معاً تحت المطر، ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء، ونتبادل الموت والحياة بلا أقنعة…ونتبادل الرسائل أيضاً».
في الواقع أنا اشاطر السمان نظريتها تلك، فنحن لا نخوض المغامرة العشقية أو نبحث عنها، أنها هي من يبحث عنا، أما نحن فلا نبحث سوى عن طموحنا بأن نكتب…
استمر جوالي بإطلاق أنينٍ مُختلف، بعضه أُطلق من مكالمات عُشاقً افتقدوا غيابي أمس، واخرٌ أطلقته رسائلهم الالكترونية،  لم أرغب الرد عليها، نظرتُ إلى ما يحمله الجوال، واغلقته من جديد، فأنا أرغب اليوم بقتل كل هؤلاء العشاق، لأمنحهم سموّ الخلود على سطوري.

 

تاتو/جريدة المدى