حفرت في تاريخ الفن الفرنسي وذاكرته حقيقة واضحة لا غبار عليها، انها “الفنانة الأولى التي تخطت اسوار باريس ووصلت الى العالمية”. استطاعت ان تصل الى الولايات المتحدة، وتأثر شعبها بحضورها اللافت وصوتها الرائع واغنياتها الخالدة.

اسمها الحقيقي اديت جيوفانا غاسيون، هي من أعظم الاصوات الغنائية في فرنسا، وتعدّ وفقاً لناقدين ثقافيين، المغنية التي نشرت بعد شارل ازنافور اللغة الفرنسية في العالم.

من الشارع الى العالمية

بياف لم تعرف فعلياً معنى السعادة في حياتها. فقد طبعت في ذاكرتها مراحل طفولة بائسة، وطبعت في ذاكرتها واقعة صعبة تمثلت بتملص والدتها من واجباتها العائلية. أدركت في سن صغيرة جداً أن أمها اختارت الرحيل من كنف عائلة فقيرة جداً الى وجهة أخرى.

لم تتردد في مقابلاتها التلفزيونية في نقل مراحل طفولتها التعسة. لطالما رددت أنها لا تذكر وجه أمها، مشيرة الى أنها كانت تغني في الشوارع، وتحاول بصوتها جذب المارة. زاد على كاهلها مشهد آخر هو انها كانت ترافق والدها البهلواني الى الشارع، هو يؤدي بحركاته البهلوانية، وهي تغني… لكنها كانت تحاول عند تطرقها الى طفولتها في أي مقابلة تلفزيونية، ان تمسح الحزن عن القصة بالقول: “كنت أغني تحت اشعة الشمس في الشوارع. لكنني كنت أختار الازقة التي أرتاح فيها او تلك التي تلقى اعجابي”.

كيف بدأت بياف حياتها الغنائية؟ ببساطة، صقل الشارع خامة صوتها وهي في الثانية عشرة ربيعاً. كانت ملزمة مرافقة والدها لكسب لقمة العيش. وبقي الوضع على حاله حتى بلغت العشرين ربيعاً، حين جاءها لوي لو بلي، مالك أحد الملاهي الليلية، ليعرض عليها الغناء في حانته. حاول جاهداً ان يطلق عليها اسم “العصفور الصغير”، لكنه علم ان امرأة ثرية احتكرت التسمية، وهو ما دفعه الى اختيار اسم بياف. لكن عصابة فاجأت رواد الحانة وأطلقت النار على لوي لو بلي. تغيرت حياة بياف، وشعرت بضرورة العودة الى الوراء.

تحدّي الحياة

لم تقف بياف يوماً عند الصعاب، بل كانت مثالاً للتحدي. أدخلها الموسيقي ريمون أسوبتولي بياف إلى دور الغناء الراقية، وبدأت رحلة المجد، ولكن كان الكحول والحزن الشريكين الأهم لحياتها الدرامية، ولاسيما بعد فقدان طفلها إثر إصابته بالتهاب السحايا.

بعد وفاة ابنها انطلقت الى نيويورك عام 1947، وكسبت إعجاب جمهور الولايات المتحدة. لكن المعروف عنها انها ترغب دائماً في حب رجل في حياتها، وكان سبق كل ذلك اغنية رائعة هي “الحياة الوردية” la vie en rose عام 1946.

أحبت الملاكم الفرنسي العالمي مارسيل سيردان الذي التقته في الولايات المتحدة، وما لبث ان توفي إثر حادث تحطم طائرته الآتية من باريس. ورداً على سؤال عن رأيها في الموت، قالت: “انتظرت من الحب الحزن، التراجيديا”. غنت له “Tu Es Partout” والتي كانت عبارة عن تعزية لحبيبها المتوفّى مارسيل.

من ناحية أخرى، عرفت عن كثب ايف موتان وميشال كوستاكي وغنت لهما وغنت بفضلهما. كانت تخشى المرض، وتصارح الصحافيين: “اذا ثقلت وطأة المرض، فقد أقرر الانتحار”.

اديت بياف أحبت بشغف رغم المرض الذي دهمها، تيو سرابيو، شاب في الـ 27 عاماً، احبته بشغف علما أنها كانت تكبره بـ 20 عاماً، اوصته بأن يحب بصدق، لا بل ان يكون صادقاً…

كانت تحب الرجال والغناء والكحول والمخدرات. أصيبت بياف بتشمع في الكبد وشلل جسدي واكتئاب حاد أدى إلى وفاتها في 10 تشرين الأول 1963. شكل غناؤها حالة غريبة من الألم والبؤس اللذين رافقا حياتها.

فلسفة بياف الوحيدة تختصرها في أغنيتها “لا لست نادمة على شيء ‘Non je ne regrette rien ‘وهي مشوار حياة، مختصرة بأغنية انشدتها عام 1960.

هي لم تندم … حبذا لو يتملكنا الشعور نفسه!

((النهار اللبنانية ))