ألقى تيودور أدورنو محاضرة، نقلها الراديو الألماني Deutschlandfunk بتاريخ التاسع من أيار/ مايو 1965، تحمل عنوان: “جوابٌ عن السؤال: ما الألماني؟”. ينتقد أدورنو في هذه المحاضرة ما يسميه بالوعي العاجز عن التجربة.

إنه برأيه ذلك الوعي الذي لا يستطيع التفكير خارج الأحكام النمطية. وهو يؤكد بأن “الحقيقي والأفضل” في كل شعب هو غالباً ما لا تستطيع الذات الجمعية الاندماج به وقد تقف لربما ضده. وهي الذات الجمعية نفسها التي ستربط جوهر مجموعتها بالخير وجوهر الجماعة الغريبة بالشر.

وهكذا يفرّق أدورنو بين شكلين للوعي، وعي التجربة، أي الوعي المنفتح على الخارج وعلى الآخرين، والذي يتحقق كتفكير ونقد، والوعي المشيَّأ، العاجز عن التجربة، والذي يقوم على أحكام نمطية تدعم النرجسية الجمعية، وخصوصاً تلك التي تنطلق من تفوّق الأنا على الآخرين. لكن، وكما يوضح بيتر ترافني في كتاب يحمل العنوان نفسه، صدر مؤخراً عن “دار ماتيس وزايتس”، فعلى الرغم من أن أدورنو ينزع الشرعية عن السؤال: “ما الألماني؟”، إلا أنه يبادر إلى تقديم تعريف مختلف.

يؤكد أدورنو من ناحية أخرى أن التفكير مرتبط بالأوتونوميا والمسؤولية الذاتية وليس بالتبعية العمياء لشيء مثل القومية، مستشهداً بكانط الذي يرى بأن عمومية العقل لا تتحقّق إلا في الفرد. وفي هذا السياق يؤكد أدورنو على أمر خطير، نعرفه أيضاً من ثقافتنا العربية، وهو يسجل أن أولئك الذين يجنحون إلى الافتخار بالتراث، ويصدحون بصوت مرتفع وبانتظام بأسماء كانط وغوته وبيتهوفن، هم أقل الناس معرفة بأعمالهم، لأنهم في رأيه يتعاملون معهم ـ مع التراث ـ كملكية فقط، وليس كمعرفة.

ويرى أدورنو أن تلك التصوّرات الألمانية الكبرى والتي تمثلت فيها الأوتونوميا في المحض ذاته، كانت مستعدة لتأليه الدولة، لأن “الرغبة في السلطة اللانهائية، ترافق الفكرة اللانهائية”. إنها ثقافة في اعتقادها “بطهرانيتها المكتفية بذاتها، والمستغنية عن الواقع، هي من ستخضع لواقع السلطة ولعمائها”.

واليوم، وبعد مرور نصف قرن على محاضرة أدورنو، يطرح بيتر ترافني، السؤال نفسه، مؤكداً مشروعية طرح هذا السؤال من جديد، بالنظر لموجات اللجوء التي تعرفها ألمانيا اليوم. واليوم أيضاً، وبالنسبة للكثيرين ممن يسيطرون على الخطاب السياسي، فجواب السؤال معروف. إنه يتوجب على الألماني أن يتحوّل من جديد إلى “هوية”، أو إنه يتوجب على ألمانيا أن تعود من جديد إلى “ثقافتها”.

ولم لا؟ فألمانيا لا تختلف عن بلدان كثيرة في العالم، اختارت الرجوع إلى تلك الثقافة المتخيلة في أغلب الأحيان، تلك الثقافة التي يراد لها أن تكون محضة ونقية. لكن المثير للدهشة أن لا أحد يعمل عقله بمضمون هذه العودة وبشكلها، ولا بالشروط الموضوعية التي تدفع إليها، وذلك حتى في ألمانيا، حيث تأسس العقل السياسي الألماني بعد الحرب العالمية الثانية على ضرورة بناء علاقة نقدية مع الماضي، وبلغة أخرى على ضرورة التحرر منه. فالنقد حرية.
سيد ترافني، كتابكم: “ما الألماني؟” يتمتع براهنية كبيرة، بالنظر للتطوّرات التي عرفتها السنوات الأخيرة في ألمانيا. ويمكن قراءة هذا الكتاب كدعوة للعودة إلى أدورنو. لماذا أدورنو بالذات؟
– لأن أدورنو في الخمسينيات والستينيات نجح في بناء رأي عام، لعب فيه النقد دوراً في تحديد طبيعة النقاش العمومي. في حين نعيش اليوم امتثالاً للحقيقة السائدة، حتى هناك حيث يبدو ظاهرياً أننا أمام نقد. فالنقاد يظلون رهائن للتيار السائد. بل إن الرأي العام قد تحوّل اليوم إلى سوق تخضع لمبادئ الاقتصاد. إننا أمام مشكلة.
في محاضرته الشهيرة “ما الألماني؟” يكتب أدورنو بأن أولئك الذين يدعون بصوت مرتفع انتماءهم إلى كانط وغوته وهولدرلين، هم في الأغلب الأعم جهلة بمؤلفاتهم. إنهم يطلبون تملّك تلك الأسماء، في حين أنها أسماء تتمنع على التملّك”. هل يمكن أن نقول الكلام نفسه اليوم عن أنصار “الثقافة الرائدة”؟
– بالطبع، لا أحد من هؤلاء الفلاسفة والفنانين يصلح للريادة، لأنهم جميعاً طوّروا الكثير من أشكال المقاومة والنقد في أعمالهم، بحيث إنه لا يمكننا أن نمتح منها ذلك الاستقرار الثقافي المنشود. لنأخذ كمثال على ذلك موسيقى الرباعي الوتري المتأخرة لبيتهوفن. إن الألمان الذي يزعقون باسم هيلينا فيشر (راقصة ومغنية شعبية) لا يمكنهم تحمل ذلك. ويمكننا أن نقول الأمر نفسه عن كتب النقد الثلاثة لكانط، والجزء الثاني من فاوست لغوته.
لكن أين يتمظهر اليوم “الوعي المشيّأ” الذي تحدّث عنه أدورنو؟
– إن أشكال السيطرة الاقتصادية، التي تهيمن على الفضاء العام، تدعم كل أشكال التشيُّؤ، ومنها الاستعداد المستمر للحكم على كل شيء انطلاقاً من قيمته الاقتصادية. إن ذلك يذكرنا بصناعة البورنوغرافيا. لقد أصبح اليوم كل شيء قابلاً للبيع، إذا ما عرض نفسه للعموم كشيء أو موضوع إلخ.. بل إن الجسد العاري والذي تكمن مهمته في إشعال رغبات الآخرين، يقترب اليوم من أن يصبح أمرا ساذجاً.
لامستم في كتابكم أيضاً قضية الإسلاموفوبيا، هل يمكن أن نقول بأنها إعادة إنتاج للعقل المعادي للسامية؟
– من الصعب قول ذلك. فالعداء للسامية يعود بنا نحن الألمان والأوروبيون إلى القرون الوسطى، إن لم يكن إلى العصور القديمة المسيحية. لقد كان هناك دائماً تمييز بين اليهود والعرب في التاريخ الألماني. ولهذا لا يمكنني أن أجمع الإسلاموفوبيا والحقد على اليهود في سلة واحدة. ولكن بالطبع، يتوجّب رفض كل تمظهرات الإسلاموفوبيا. يتوجّب علينا أن نكون قادرين على التمييز بين الإرهاب والإسلام، وألا نغفل أن الإرهاب لا علاقة له بحياة الأغلبية الساحقة للمسلمين. وعلينا ألا ننسى التعايش الغني والمسالم مع المسلمين، ولا نترك الإسلاموفوبيين يدمرون ذلك.
سنة 1966، تحدّث أدورنو في محاضرته “التربية بعد أوشفيتز” عن “البرود”، كـ “مبدأ أساسي للذاتية البورجوازية، بدونه ما كان لأوشفيتز أن تكون”. هل يمكن قراءة “الجدل السلبي” لأدورنو كجواب فلسفي عن هذا البرود؟
– إن “الجدل السلبي” هو أهم مؤلف لأدورنو، وقد عمل عليه منذ بداية الستينيات باستمرار. إن “البرود” كخاصية للبورجوازية الألمانية، أمر تحدّث عنه أدورنو في مناسبات كثيرة. ويتوجّب فهم البرود أيضاً في سياق حديث أدورنو عن غياب القدرة على الحب. إن “الجدل السلبي” يدعو إلى تجاوز هذا البرود، عبر الدعوة لجعل تكرار أوشفيتز أمراً مستحيلاً. لكني أشكك بنجاح ذلك. فالمؤسسات اليوم هي باردة أيضاً مثلها مثل المؤسسات التي كانت تعمل في زمن أوشفيتز، والفارق الوحيد، أنها مؤسسات دولة يحكمها القانون.
تكتبون بأن فلسفة أدورنو هي تفكير لا يهاب من أن تتسخ يداه. كيف تبدو اليوم أيدي من جاءوا بعده في فرانكفورت؟
– انتقد أدورنو هايدغر (وأستاذه هوسرل)، باعتبار أنهما يتجنّبان أن تتسخ أيديهما، لأنهما لم يهتما بوقائع الحياة، بالجسد المحتاج والروح المحتاجة. وبالفعل فإن الحاجة لدى هايدغر هي وضع، ينظر إليه منذ البداية بشكل قدحي. لكن بعد أدورنو ستتطوّر مدرسة فرانكفورت النقدية إلى روحيات علمية Wissenschafts-Esoterik. لقد حصّنت نفسها بعلاقات علمية دقيقة، وطورت خطاباً، هو دائما على حق. وسنرى أي مستقبل سيكون لمثل هذا الخطاب.

https://www.alaraby.co.uk/cul