علي حسين
قال الطبيب الذي حضر وفاة  إسحق نيوتن إن العالم الكبير  أخبره وهو على فراش الموت ، أنه على الرغم من انشغاله وكثرة اعبائه كان يحاول أن يجد تفسيراً علمياً لمعنى الحب ، ففشل ، مثلما فشل في أن يُقبل أي امرأة في حياته ، ونجد صاحب النظرية النسبية أينشتاين يكتب في دفتر يومياته :” لقد أدركت أخيراً معنى الحب ، عندما انقطعت رسائلك عني طوال شهر كامل ، فأنا أتوق إليك بشدة ” ، بعدها يكتب الى ميليفيا مارتيش :” كم كان جميلاً منك في تلك المرة الأخيرة إن سمحت لي بأن اضمك الى صدري بتلك الطريقة العفوية ” .

ما هو الحب ؟
الى جانب نيوتن وأينشتاين كانت هناك ملايين الاجابات عن سؤال ما الحب ؟ ، ولعل أشهرها ما قدمه لنا شاعر اغريقي ولد سنة 43 قبل الميلاد   ، وعاش اثنين وستين عاماً  ، كانت مليئة بالمتعة وبالحب ، اسمه بيبلوس اوفيديوس نازو ، لكن العالم يعرفه باسم أوفيد ، ويصفه لنا معاصره الفيلسوف سنيكا بالقول :” أنت أمام رجل رقيق ، أزرق العينين ، ممتلئ بالوسامة لدرجة إن النساء يتهافتن عليه ” .
إلا أن هذا الوسيم صاحب الشعر الأشقر والعينين الزرقاوتين والذي أعده أبوه ليشغل إحدى الوظائف الادارية في الدولة  ، يختار الشعر ، مثلما يختار من نساء روما فتاة واحدة يعشقها ، ويشاء القدر  أن تكون هذه الفتاة  الجميلة ” آرلان ” حفيدة الامبراطور أوغسطيس ، وكان قد إلتقاها في إحدى الاحتفالات التي يقيمها الامبراطور  ، فقرر أن يرتبط بها ، وأن يتزوجها بالسر ، لأنه يدرك إن الامبراطور لن يقبل أن يتزوج شاعر بإحدى حفيداته ، وحين علم أوغسطيس إن حفيدته تزوجت سراً بأوفيد قرر أن ينفيه الى بلاد البرابرة ، كما أمر أن تنفى حفيدته الى مصر .
وفي منفاه يكتب أوفيد واحداً من أهم كتبه أسماه ” فن الهوى ” يهديه  الى محبوبته آرلان .
فيه يسجل كل فلسفته في الحب ، فهو يرى ان العاشق المثالي ليس بالصبي الحالم ولا بالذي يسمح لنفسه أن تفقد  إتزانها في حضرة المحبوب. ، والكتاب يضم ثلاثة كتب ، في أولها يشرح كيف يستطيع العاشق الاستيلاء على قلب محبوبته ، وفي الثاني يعلمه كيف يحتفظ بهذا الحب الى أطول مدة ممكنة ، والكتاب الثالث مخصص للمرأة وبه يقدم لها نصائح في كيفية المحافظة على حب الرجل .
و ” فن الهوى  ” كتب على شكل قصيدة طويلة تميزت بالوضوح وحب الدعابة ، وفي افتتاحية الكتاب يصف لنا ” كوبيد آله الحب بـ ” الصبي الغض ” ثم ينتقل ليشبه الحب بالحرب ، وان مركبته لاتعدو حدود هذا الميدان الممتع :” بأهازيج النصر أشدُ يافتى .
ثم اصدح مهلّلا أنّى مضيت .
فها هي ذي من كنتُ أطاردها تقع فريسة في الشراك .
وليتّوج بإكليل الغار جبيني من سَعِدَ في عشقه
وليرفعني فوق مرتبة هيسود شاعر أسكرا ،
وهوميروس الضرير حكيم مايونيا العجوز .
ويحاول  أوفيد  يأخذ دور المعلم وهو يلقي على تلامذته دروساً في العشق ، ويضع لهم وصفات مفيدة تناسب الجميع، سواء كان  العاشق مستجدًا أو متراخيًا أو متردداً ، ويقدم لقرائه الخطط التي تجعلهم  يكسبون قلب حبيباتهم : ” عليكم بفنون القول الرفيعة، لا تقصروها على موكليكم المتوجسين فى ساحات القضاء، فليست المرأة أقلّ استسلاماً لسحر البلاغة، من القاضي الجاد أو الشيوخ المنتخبين أو جموع المستمعين ” .
وينظر   أوفيد الى الحب على إنه فن ، مثل كل الفنون الاخرى ، بل يذهب صاحب كتاب ” فن الهوى ” الى تشبيه الحب مثل فن زراعة الأرض ، فالفلاح البارع هو الذي يعرف أن هناك وقتاً لحرث الأرض ، ووقتاً معيناً لوضع البذور ، ووقتاً للحصاد ، والذي يريد أن يجني ثمار زرعه عليه أن يراعي هذه القواعد .

***
مغامرات علمية في الحب
كان في التاسعة عشرة  من عمره حين أخبر والدته انه ينوي الزواج من حبيبته ” ميليفيا مارتيش”  ويذكر أينشتاين أن أمه :” ألقت بنفسها على السرير ، ودفنت رأسها في الوسادة ، وأخذت تبكي كالاطفال ، فهي لم تتوقع يوماً أن ابنها سيختار فتاة يمضي حياته الباقية معها ” .
وقبل أن يكمل حديثه كان والده يخبره إنه اختار المرأة غير المناسبة ، فقد كانت ميليفيا تكبره بثلاث سنوات وقال له :” عندما تصل الى الثلاثين ، ستكون هي عجوز شمطاء ” .
وكان تبرير اهله إن الزواج في هذا السن ترف لايتحمله فتى بعمره ، لايستطيع أن يوفر معيشة مريحة له  . وكتب اينشتاين رسالة الى ميليفيا يشكو فيها ما يتعرض له من ضغوط من قبل والديه : ” كثيرا ما تبكي أمي بمرارة ، ولا أنعم بلحظة واحدة من السلام ، إن والديّ  يبكيان من أجلي كما لو كنت قد فارقت الحياة ، ويشكوان مرة تلو المرة من انني جلبت البلاء على نفسي بحبي لك ” .
ويبدو أن هذه الضغوط العائلية أذكت عواطف أينشتاين المتمردة  وزادت من تعلقه بالفتاة ” الطائشة ” كما كانت تدعوها أمه  وكتب إليها :” الآن فقط أدرك كم أحبك بجنون”.
ويكتب والتر إيزاكسون في كتابه سيرة أينشتاين : ” إن عائلته كانت تلحظ عليه ولعه بالنساء ، وضعفه أمام عبارات الحب ، وبعد وفاته اكتشف الباحثون إن اينشتناين يحتفظ في صندوق أحذيته بمجموعة من الرسائل الغرامية  التي كانت ميليفيا ترسلها اليه وعليها تعليقات شديدة الحساسية”. ففي رسالة تشكو إليه  عذاب الفراق يعلق أينشتاين  :” كلانا من الشياطين الفقيرة، المكبّلة بأغلال الواجبات. لا أستطيع أن أعبّر بما يكفي عن مدى رغبتي في أن أكون معك. لكن إذا استسلمنا لحبنا، فالنتيجة لن تكون جيدة. أنت تعرفين هذا جيدًا”.
ويكتب على ظهر احدى رسائل حبيبته: “أنا أحبك وسأكون سعيدًا إذا سمحت لي برؤيتك والسير إلى جانبك فقط حتى ولو لحظات، أو إذا ما كان بإمكاني أن أكون قريبًا منك”.
لم تكن ميليفيا الحب الاول في حياة أينشتاين ، فقد تعلق وهو في السادسة عشر من عمره  ، بابنة مدرس التاريخ ، اسمها ماري ونتيلر والغريب إنها ايضا كانت تكبره بثلاثة أعوام ، وكانت أول رسالة يرسلها لها داخل  في رواية ” العقل والعاطفة ” لجين أوستن ، والتي كانت ماري مغرمة بها وفي الرسالة يكتب لها ردا على  خطاب حب تلقاه منها : ”  ياملاكي الصغير أدرك الآن مدى ما أكابده من لوعة الشوق إليك ، إنني أدرك الآن فقط كم إنك ياشمسي الصغيرة غالية  ، أنا عاجز عن الاستغناء عنك من اجل سعادتي ..أنتِ أهم لروحي من كل العالم  الذي عرفته من قبلك ” .
ونجد ماري تكتب له بعد أيام قائلة :” إنها تعد الدقائق في انتظار رجوعه إليها ” .ويبدو إن هذا الحب لم يستمر طويلاً فقد قررت ماري السفر الى بلدة اخرى للعمل في إحدى المدارس ، وبسبب انشغاله بالدراسة توقف اينشتاين عن إرسال خطابات الغرام لها ، إلا إنه يعترف لكاتب سيرته أن خيال ماري لم يفارقه طوال عمره : ”  إنني معظم الوقت أشعر بالطمأنية الكاملة في قلعة هدوئي الحصينة ، ولكنني سوف أصاب بالجنون بكل تأكيد لو أن طيف ماري غاب عني كثيراً ” .
ويبدو أن ماري شعرت بأن أينشتاين يبتعد عنها ، كان آنذاك قد تعرّف على ميليفيا ، مما دفع ماري الى الزواج من مدير أحد المصانع ، وانجبت منه ولدين ، ويبدو انها لم تستطع أن تنسى حبها لأينشتاين ، فانتهت حياتها مريضة في إحدى المصحات النفسية .
كانت ميليفيا هي الحب الثاني متفوقة في دراسة الرياضيات ، تؤمن بان أينشتاين يملك قدرات خارقة ، وعندما قام زملاء لها بانتقاد كتابات إينشتاين العلمية الغربية  ردت عليهم بقولها :”  لكنه سيتمكن ذات يوم من إدهاش العالم”
وقد استغرب زملاؤه في الجامعة كيف أن شابا وسيما  مثله يغرم بفتاة أكبر منه وفي مشيتها شيء من العرج ، وكان يقول لهم  : ” إنها تملك صوتاً حبيبا الى النفس ” ، وفي تلك الفترة كتب عدداً من أشعار الحب ، أهداها الى ميليفيا مع عبارة :” في مقدوري التفكير بأشياء كثيرة من بينها طبع قبلة على فمك الصغير ”

*******
البحث عن امراة
تنبأ أينشتاين في رسالة الى أمه وهو شاب ، إن العلم سيكون ملاذه  من العواطف الشخصية ، وعندما قرر الارتباط بميليفا ذكرته أمه بتلك الرسالة فاخبرها إن محاولة قهره  للحب أسهل بكثير من محاولة قهره للعلم  ، كان عمله في نظريته النسبية يأخذ معظم وقته ، لكنه يشير بين الحين والآخر الى أن حياته العاطفية تزدهر باستمرار ، ويكتب في يومياته :” أحيانا أجد نفسي في منطقة مختلفة تماما ..وجدت نفسي مليئا بمشاعر جميلة  ولدي رغبة للعثور على فلسفة ما ، تجعل حياة الإنسان سعيدة ” وكانت الفلسفة التي عثر عليها أينشتاين نسخة من كتاب فن الهوى للروماني أوفيد :” كنت أتصفح الكتب المستعملة عصر أحد الأيام في أحد مخازن بيع الكتب ، ولمحت العنوان ، انذاك كنت مهتما بقراءة كل  ما يتعلق بالمعلم نيوتن ، لكني وجدت في كتاب فن الهوى لأوفيد ، محطة للاستراحة ” كان من الصعب على أينشتاين صاحب الماكنة المنطقية في عقله كما كان يسميه زملائه  أن يتفرغ لقراءة كتب عن العشق لكنه فعل ، فهو يريد اكتشاف الشعر والفنون ، حتى إنه فكر أن يتوقف عن التجارب العلمية  ليتفرغ لكتابة الشعر ، ونراه يكتب في يومياته : ” هناك عواطف عند الانسان تكون مؤكدة بل لايستطيع انسان منطقي أن يشكك بها ” ولهذا يقرر في السادس من كانون الثاني عام 1903 ان يرتبط بمفيليا ورغم اعتراض والديه على الزواج ، إلا ان    الزواج يتم في برن ، ليعيش أينشتاين وميليفيا في بيت متواضع للغاية ، وفي هذا البيت شهد ولادة ابنه هانز عام 1904 ونظريته النسبية عام 1905 ، وفي هذا البيت كتب اينشتاين الى أمه : ” أشعر بذروة السعادة عندما أكون الى جانب ميليفيا ” .
وبعد ان بدأ نجم أينشتاين يسطع في سماء العلم ، نشرت الصحافة في زيورخ نبأ تعيينه أستاذاً في جامعتها ، وتشاء الصدف أن تطالع امرأة متزوجة اسمها آنا مايلر شميد هذا الخبر وهي المرأة نفسها التي كان قد تعرف عليها عندما كانت فتاة وأهداها قصيدة غزل من تأليفه ، فترسل إليه رسالة تهنئة بمناسبة تعيينه ، وبعد أشهر يبعث لها أينشتاين برسالة  يذكرها بلقائتهما القديمة وإنه مسرور جدا ببطاقة التهنئة ، ثم اضاف في رسالته :” إنني  أتمنى لك موفور الحظ ، ويمكنني أن اتصور انك اصبحت الآن امرأة تجمع بين الامتياز والسعادة مثلما كنت فتاة محبوبة وسعيدة ” وذكرها أينشتاين بالايام الساحرة التي انقضت ، وكتبت اليه آنا رسالة تطلب فيها عنوانه ، غير أن خطابها وقع بيد زوجته ميليفيا التي شَكت بوجود علاقة بين صاحبة الرسالة وزوجها  ،فارسلت الى زوج آنا خطاباً تخبره فيه برسالته ، وشعرأينشتاين بالغضب ، وقد سببت له هذه التجربة مرارة لم تنجح السنوات في ازالتها ، فنراه يكتب لابنه الاكبر عن ” العيب المرضي الذي كانت أمه مصابة به ” ، ويبدو أن ميليفيا طبقت سياسة الرقابة الدقيقة والمحكمة مع زوجها اينشتاين حتى لاتتكرر قصته .، الا أن حكايات غرامه لم تنته عند هذه القصة ، فعندما حضر محاضرة لأحد اصدقائه من علماء النفس وبينما كان الصديق يشرح نظريته للحضور كان أينشتاين يركز بصره على فتاة جميلة  مما أثار ضيق عالم النفس الذي التفت الى اينشتاين ليقول له :” ياسيدي البروفيسور اذا كنت في حالة حب ، فسوف نعتقد ان الحب أهم من نظريات الكمية ”  فيرد عليه اينشتاين : لا ياسيدي ان نظرياتي الكمية ترتبط ارتباطا مباشراً بجمال المراة ” .
ويذهب كاتب سيرة أينشتاين والتر إيزاكسون الى ان جميع علاقات اينشتاين بالنساء لاتعدو ان تكون علاقات افلاطونية ، ورغم معرفة زوجته بمغامراته العاطفية  إلا انها حرصت على اظهاره بمظهر الزوج المخلص  الوفي . فقد كتبت في احدى رسائلها ان  :” رجلا في عبقرية زوجها لابد من ان يكون كامل الأوصاف” .

*****
معنى الحب
قبل وفاته بعشر سنوات تلقى اينشتاين كتاب من عالم النفس والفيلسوف الالماني إريك فروم ، الكتاب بعنوان ” فن الحب ” وقد كتب في اهدائه لاينشتاين العبارة التالية : الى البروفيسور الذي كانت حياته العاطفية دافعا لي لأن اضع هذا الكتاب .
ويستهل فروم كتابه بهذه العبارة لأوفيد
” من لايعرف ..لايحب ” ، ويحاول فروم ان يجيب على سؤال هل الحب علم ؟
فالناس محاصرون بالحب من كل مكان ، الكتب الافلام والموسيقى ، كل شئ يتحدث عن الحب ، ولكن لا احد يريد ان يجد تفسيرا لهذا الحب . وكل الناس يعتقدون ان النجاح في الحياة هو النجاح في الحب .
ولد إريك فروم بمدينة فرانكفورت في 23 اذار  1900،. وكان وحيد والديه اللذين أرادا منه أن يكون رجل دين ،  درس القانون. ودرس أيضاً الفلسفة ليحصّل على درجة الدكتوراه في الفلسفة، ثمّ انصرف إلى التحليل النفسي برفقة أستاذته المحللة النفسيّة الألمانيّة الشهيرة فريدا رايخمان التي اصبحت  زوجته سنة 1929، لم تكن حياته مستقرّة، فقد تزوّج مرّات عدّة، اعترف لكاتب سيرته قبل وفاته انه عاش قصة حب واحدة اثناء شبابه ، وانه حاول  الاحتفاظ في قلبه بقطعة الحب هذه  التي رآها ضرورية لمن يعمل في مجال علم النفس .  كان في العشرين من عمره ، خجولاً وحساساً، يدرس القانون   ، ويقصد  معهد للفلسفة انذاك  تعرّف في عيد الميلاد الى فتاة دعاها للعشاء  قالت له . لا أحب تصرفات المراهقين ، وفرح  بأول قبله يحصل عليها من امراة ، كان يتحدث معها وهو يحمل  رواية  آلام فارتر    لغوته، في انتظار ان تساله الفتاة عن الكتاب ،  ما إذا كان يتحدث عن الحب .؟
كتب اليها رسالة: ” كنا مثل الاطفال  وسنبقى كذلك أبداً” . يرى فروم  أن رد فعل الطفل ، كان السعي الى الحب دوما ، في الخامسة والاربعين من عمره اصدر كتابه ” فن الحب ”
يعتقد ” فروم ”  أن مشكلة الحب الأساسية هي كيف أُحَبّ بدلًا من كيف أُحِبّ، وقدرة الشخص على بذل الحب، ومن هنا تنشأ معضلة كيف أحصل على الحب، وكيف أصبح محبوبًا  :” يعتقد الناس إن القدرة على بذل الحب شيء بسيط، ولكن أن تجد الأدوات الصحيحة للحب، وأن تجد من يبذل لك الحب، فهو شيء صعب. هذا السلوك له عدة أسباب مرتبطة بتقدم المجتمع المعاصر، أحد هذه الأسباب هو التغير الكبير الذي ظهر في القرن العشرين، فيما يتعلق بمعنى الحب” .
ويخبرنا فروم ان  الفكرة الراسخة لدينا عن معنى الحب أنه خليط من التجارب الأولى للوقوع في الحب، أو حالة دائمة من الوقوع في الحب، ويمكن أن نطلق عليه مصطلح ” الوقوف في انتظار الحب ” ، ويحاول فروم ان يفند نظرية الروائي الفرنسي ستندال عن الحب  ، يكتب اريك فروم في كتابه    ” فن الحب ”  ، ان ستندال أراد في كتابه عن الحب  ، أنْ نحب من دون أنْ نعرف كيف نحب يجرح مَنْ نحب ، إنه يقدم لنا عاطفة مُربكة إلى أقصى مدى من خلال رواياته التي دائماً ما تطرح الحب جانباً بوصفه شيئاً يحدث لنا بتأثير سلبي ومُصادفة، شيئاً نقع في شباكه، يُصيبنا كسهم، وليس ممارسة بارعة نُنَميها بمهارة دقيقة كأية حرفة تتطلب تفوقاً إنسانياً. لعل فشلنا في الاعتراف بجانب البراعة هذا هو السبب الرئيس في أنَّ الحب يمتزج بالإحباط.
ويضيف فروم  ان ستندال  يريد أنْ يُبيِّن أنَّ الحب ليس عاطفة يمكن لأي إنسان أنْ ينغمس فيها، بغض النظر عن مستوى النضج لديه ،  إنه يريد أنْ يُقنع قراء رواياته  بأنَّ كل محاولاته لنيل الحب مصيرها الفشل، إلا إذا حاول بكل حماس أنْ يُطوّر شخصيته كلها، وذلك لكي يُحقق توجّهاً مُثمراً، وأنَّ الإشباع في الحب الفردي لا يمكن بلوغه إلا بالقدرة على الحب  بمذلّة حقيقية، وشجاعة، وإيمان وانضباط.
ويرى ” فروم”  إن الخطوة الأولى التي يجب اتخاذها هي إدراك أن الحب ما هو إلا فن، تمامًا كما الحياة، فإذا أردنا أن نتعلم كيف نحب، فعلينا أن نتخذ نفس الخطوات التي يجب علينا اتخاذها إذا أردنا أن نتعلم أي نوع آخر من الفنون، اختر ما شئت من الفنون: الموسيقى أو الرسم أو النجارة أو فن الطب أو الهندسة، ما هي الخطوات الأساسية لدراسة أي فن؟
إن دراسة أي فن تنقسم بديهيًّا إلى قسمين، أحدهما الإلمام بالنواحي النظرية، والآخر إجادة الممارسة، فإذا أردت دراسة فن الطب، يجب عليَّ في البداية أن أٌلم بالحقائق حول الجسم البشري، وما يتعلق بالفيروسات والأمراض، وبعد تحصيلي لكل هذه المعارف النظرية، لا يعني أنني أصبحت متخصصًا في فنون الطب، سأصبح ماهرًا في هذا الفن فقط بعد قدر كبير من الممارسة العملية، وفي النهاية يتم مزج تحصيلي النظري مع خبراتي العملية ليتبلور في شيء واحد.
أعتقد أن جوهر التمكن من أي فن بجانب الإلمام النظري والممارسة العملية، توافر عامل ثالث مهم لتتمكن من إتقان أي نوع من الفنون، وهو أن تمتلك الشغف والاهتمام البالغ بهذا الفن، وألا يكون لديك ما هو أهم من هذا الفن على وجه الأرض، وينطبق هذا على الموسيقى والطب والنجارة.
أما بخصوص الحب، وربما يكمن هنا الجواب عن سبب ندرة من يسعون لدراسة هذا النوع من الفن، بالرغم من الفشل الواضح، وبالرغم من الشغف الشديد بالحب، يعتبر كل شيء تقريبًا مقدمًا في الأهمية عن الحب، فالنجاح والمستوى الاجتماعي والثروة والسلطة كلها مقدمة عن الحب، وغالبًا ما توجه كل طاقاتنا لنتعلم كيف نحقق هذه الأهداف، والتي ليس أحدها تعلم فن الحب.

http://www.almadapaper.net/ar