ناجح المعموري

لم تكن سيمون دو بوفوار معنية بجسد يتولد، لأنها تفكر بذلك خلال عمر طويل. بل كان المهم لديها أن تعقد علاقة متمركزة حول تجوهرات الجسد والقيم الكائنة فيه. وأنا اعتقد ولسبب الموقف الفكري لسيمون دو بوفوار . بأن رغبتها للنوم مع كامو وهو ميت، ملطخ بالدماء، لا يختلف عن موتها الفكري الخاص بالرغبة الكلية دائماً ما تكون لديها مثل الإمبراطورية التي يعيشها اثنان وإذا ذهبنا الى عمانوئيل ليفيناس، فإن الرغبة تكتفي بواحد فقط. إذن هي تعرف بوجود فراغ بين الاثنين… والأنا حاضرة والآخر غائب وافترض حضور الغائب متأت حتى من وجود هكذا متخفياً، شارداً عندما يكون حياً. فالفراغ إمبراطوري كما قال ” “روجي دادون ” في مقالة ” الرغبة والجسد ” ويفضي الفراغ نحو تلف الأخر الذي يمثل مجالاً مركزياً في الوصول الى الرغبة .
تفضي محاولة سيمون دو بوفوار نحو اللا معقول والاسطوري، لكن الذي حدث هو حقيقي وبه درجة عالية من التخيل غاب الجسد، تعطل كل شيء فيه، وظلت التصورات مختزنة في ذهن المرأة التي تسللت الى غرفة الموت التي أنطرح على سرير فيها البير كامو. غرفة الموت التي انطفأت فيها كلياً حياة رجل ملأ العالم صخباً وضجيجاً، وذهب نحو تعقيد علاقته الصداقية الفريدة مع أستاذه سارتر، وفعلاً كان كامو جريئاً في حواره مع الأستاذ من خلال رسالته الأخيرة التي سجلت قطعية نهائية، الموت وحده جعل سارتر يكتب نادباً طريقة موته. أما سيمون التي أعلنت عن عشقه لها وامتنع عن دعوتها، أدركت بأن الفرصة الغائبة، المستحيلة، التي انتظرتها طويلاً، قد حانت بعد موته التراجيدي .
حيث ضغطت السيارة الخاطفة جسده. تعطل كل شيء فيه، لكن ظل الكائن الجزائري المتمرد حاضراً ومثيراً، للمرأة التي حلمت به متصلاً معها، وتصورته هكذا . إن الرغبة والجيد يعتبران معطيين أساسيين لحقيقتنا الإنسانية، ونحن نعلم هذا من معرفة مباشرة ، دقيقة ، يتعذر دحضها. فالجسد هو هذا الحجم الواقعي والجلي المجزأ في المكان. هو هذه البنية المادية الأولية القابلة للمس، ذات الترتيب المعقد والحدود التي أدركها في معطى مباشر من شعوري بوصفه ملكاً لي كما قال روجي دوران. هذا الرأي يختزل إشكالية العلاقة بين الأنا / هي والأخر / هو، الأنا الحي، والآخر الميت السجي فوق سرير وسط غرفة الأموات، مغطى بشرشف، ربما اثار في ذهن سيمون الكثير من التخيلات، لكني لا اعتقد بأن حضور البير كامو بتلك الصورة يضفي على الحكاية قبولاً لدى من يطلع عليها. وهذه الغرائبية، أسطورية من أسطوريات بارت اليومية ولا تعرف عليها فإنه سيكتب عنها ما لا نتصوره جميعاً. امتلك البير كامو السيدة سيمون دو بوفوار كلياً بعد ما قرأت ما كتبته عن غثيان سارتر الأستاذ، اللامع في الحياة الفرنسية، وظلت اللحظة الأولى التي رأته بها بعد استدعاء سارتر له حاضرة في ذاكرتها، تستعيدها دائماً حتى لحظة الدهش التي شوهت صورته الجسدية، لكن التي بذاكرته هي، هي ماثلة وضاغطة عليها، لذا تسللت كاللص إليه ورأته ولم تفتر رغبتها، لأن الرغبة عند اشتعالها تستمر بالتصاعد ولا تنطفئ، وأرادت أن تنام وإياه على ذات السرير، والتواجد على سرير واحد دعوة لإقامة اتصال جنسي مع صديق ميت. غريب ومثير مثل هذا الحلم والمشهد الذي أوقفته المشرفة على الغرفة. لكني اعتقد بأن سيمون الممسوسة بجسد الآخر حازت على شيء من تبادل، حتى وان كان من طرف واحد، الأنا / الآخر.
وبسبب موقفها الحياتي / الوجودي، لم تتعطل الحاجة المادية في جسد الآخر / هو وتقدمت إليه وكأنها مدعوة، لكن المنع قاس، والصيد عطل تحقق الحلم اللّذي الذي صرحت به للبير كامو ولم قتله، وذهبت إليه بعد موته، لكن (الحقيقة المادية للجسد، والحقيقة السايكولوجية للرغبة) مرتبطتين ومعقودتين كلتيهما مع الأخرى … ومن منا لم يكتف في وقت ما عن إدراك جسده وأجساد الآخرين باعتبارها أقطاباً أو مرامي صلبة، متعة، أو متعالية لرغبته / روحي دادون / الرغبة والجسد / العدد 4/ 1995/ص17//.
كف جسد الآخر عن توقه، مع علمنا بأنه لم يستجب لها عندما كان حياً، لكن المرأة ظلت بتوقها ورغبتها خاضعة لهيمنة جسد كامو المتمرد. وهل كان رفضه للاتصال فيها وهو حي تمظهراً لثورته وتمرده العبثي المعروف. وربما كان موقف سيمون دو بوفوار، توجهاً لعبث آخر، أرادت أن يمنحها فرصة الاستلقاء معه فوق السرير، يذهب جسدها نحو رغبته الكامنة في كتلة اللحم الخامدة، الهاربة عن تمردها وعبرت سيمون عن احتجاجها لما حدث للبير كامو. وتمردها على لحظة الموت الذي زاول فعل المحو أو اختزال اللذة ” وقال روجي دادون: مثل هذا الحاصل عبارة عن كثافة هاربة وجد محيرة منذ فجر المسيحية. غير أعمال اللحم، أعمال المحرمة بعنف. إن فسقاً ونجاسة وفجوراً وكفراً وسحراً وأحقاداً وخصومات وجسداً وهيجاناً وشجارات وفتناً وانشقاقات وميولات وتهتكات / ن.م / ويبدو لي واضحاً، بأن موقف سيمون مضاد ومعارض ، وأعلنت عنه بقوة، وإن لم تتسع مساحة رؤية ما حدث، باستثناء المشرفة على غرفة الموت، هي التي قصت أسطورة سيمون للاتصال الجنسي الرمزي. هي تدرك جيداً استحالة أن يكون حلمها قد تبدّى، لكنها أرادته بلا معقولية. لأن مانح اللذة مسحوق. واللذة لحظة ومسافة بين حدين، غاب الحد الأهم والفاعل .
ما قاله الأستاذ علي حسين في كتابه عن البير كامو في منتهى الأهمية، حكاية ذات أعماق في تنوعات دلالة نابو. وضع يده عليها وصدقني لحظة القراءة. فقد حاولت سيمون أن تجعل الجسد المسحوق يتكلم إذا استعملته من طرف واحد، أو تكتفي بمعاينة علامته الذكورية وتستعمله كعالم للتعبير عن حقائق خارج جسدية، ليصبح بعد ذلك مصدراً للمعلومات المرتبطة بحقيقة وجودنا، وتنوع مظاهر حياتنا .

((المدى))