رداً على المرعبي بخصوص بوكوفسكي: رأي أم ضربة مطوى؟

بوكوفسكي

كيف يمكن أن نحسم رداءة كاتب عالمي كتب عشرات المصنفات في الشعر والسرد في 700 كلمة عربية، ولا نتورع عن ضربه بالمطوى في وجهه، أو طعنه طعنات قاتلة ونمضي كأن لا شيء حدث، أو كأننا طهّرنا منه العالم وجزمنا بعدم أحقيته في الحياة؟

ما هي معاييرنا النقدية التي احتكمنا إليها لنجهز على هؤلاء الكتاب؟ ما هي ترسانتنا النقدية والمعرفية في تلك الأجناس التي كتب فيها هؤلاء الكتاب لنصدر آراءنا الجازمة في حقهم؟ ما الذي قرأناه فعلاً لهؤلاء الكتاب لنعلق لهم المشانق؟

ما الدافع لاغتيال كاتب كبير؟ وهل دور الناقد اغتيال الكتاب أم البحث عما خفي عن المتلقي الذي انحرف بالصورة الحقيقية للمبدع؟

أسئلة كثيرة باغتتني وأنا أقرأ مقال رأي للشاعر العراقي باسم المرعبي بعنوان تشارلز بوكوفسكي: ابتذال الشعر وابتذال السيرة المنشور في “ضفة ثالثة” بتاريخ 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2017.

تحصين الرأي

ينطلق المقال/ الرأي من تحصين نفسه بدوستويفسكي. هكذا يكون الرأي شرعياً. فدوستويفسكي  عندما نرميه في أول المقال يجعل مقالنا يتحصن من أي نقد أو مراجعة ويجعله أيضاً مطلوباً في النشر وفي القراءة. فما بالك برأي في بوكوفسكي أحد أشهر كتاب العالم يبدأ بدوستويفسكي؟

تهمة تشارلز بوكوفسكي في هذا المقال “الجماهيرية”، فهو مترجم إلى لغات العالم من السويد إلى ألمانيا إلى فرنسا وإسبانيا. هذا البروز – التهمة لكاتب أميركي ذي أصول ألمانية لم يغفره له صاحب الرأي لذلك اعتبر أن بوكوفسكي، وبكل ثقة، “صنيعة المكينة الثقافية الإعلامية  الشرهة للنظام الرأسمالي”.

بوكوفسكي الذي ظل حياته كلها يهاجم هذا النظام ويربكه ويفضحه حتى إن مؤسسات الأدب الرسمي الأميركي والمؤسسة النقدية ظلت تقصيه سنوات كما فعلت مع مواطنه هنري ميللر، تحول بقدرة قادر عربي إلى صنيعة الإعلام الثقافي الرأسمالي. بوكوفسكي الذي نكل بالسيستيم والحلم الأميركي والغربي بشكل عام حتى وصل إلى نموذجه الأعلى “هوليوود” ليكتب عنها روايته السيرية الساخرة فاضحاً إياها من الداخل، أصبح اليوم صنيعة الإعلام الغربي الرأسمالي.

تشارلز بوكوفسكي الذي غادر برنامج “أبوستروف” لأنه لم يتحمل حمق النقاد والكتاب من حوله من القروسطيين الجدد في حضرة برنار بيفو وتبول على الإعلام الغربي “كاتر ايبانغل” وغادر الأستوديو بعد أن أشار في أول كلمة إلى أن أمر استضافته في البرنامج ليس حدثاً بالنسبة إليه وأنه لا ينتظر اعترافاً، تحول فجأة إلى صنيعة إعلام النظام الرأسمالي، وألحق كاتب المقال مؤلفات الرجل بالكتابات غير الرصينة.

الأدب المضاد متهماً

ينخرط بوكوفسكي في ما يمكن تسميته بالأدب المضاد، وهو أدب يأتي ضمن مشروع أعمق من فكرة التراكم ليرفع التقويض منهجاً. فهو يأتي لا ليثري المدونة الأدبية بل ليحرجها ولا يأتي لكي يلعب في رقعة الجنس الأدبي المهيمن بل لكي يسخر منه بالتهجين أو بالتحريف أو بالقلب.

وهذا الوعي الإبداعي الذي دفع ببوكوفسكي إلى كتابة إهداء خاص في روايته “أدب رخيص” إلى “الكتابة الردئية”، وفي مقاله الشهير “أنا كاتب رديء” أدى إلى سوء فهم عند بعض النقاد لأنهم سقطوا في الشرك، إما شرك ما أراده بوكوفسكي من ترويج لسيرته الذاتية باعتباره كاتباً متهتكاً مدمناً على الكحول غير انضباطي، أو في شرك التعامل مع نصوصه بثقافة نقدية كلاسيكية يتجاوزها النص الإبداعي بل أتى أصلاً ليسخر منها ويحرجها.

يستند كاتب المقال بعد اسم دوستويفسكي إلى عبارة غامضة مكررة “في ضوء القراءة النقدية المتفحّصة”، ليصدر حكمه المطلق بأن “بوكوفسكي واحد من أولئك الكتاب والشعراء الذين لا يتورعون عن تسطير كل ما يجول في الخاطر من دون أي وازع جمالي أو قيَمي وبموهبة متواضعة أو منعدمة”.

إن هذا الحكم الغريب يبدو صادماً حيال شاعر وروائي كبير تكشف سيرته الموازية مكابدته العملية الإبداعية وكيف كان يعيش أشهراً في عزلة ليكتب. كاتب ناقش العملية الإبداعية في أعماله النثرية والشعرية بوعي كبير يثبت أنه لا ينطق عن جهل وأنه لم يكتف بموهبته بل وراء نصوصه معرفة عميقة بتاريخ الأدب والنقد ووجوب تطويرهما.

لكن صاحب المقال ذهب في شططه إلى تشبيهه بالطاغية الشرير والمجرم وصاحب السلطة الذي لا عبقرية لديه إلا عبقرية الشر والأذى الذي يلحقه بالآخرين.

موقف آخر يورط صاحب المقال في نظرته القاصرة للأدب ولا ندري ما رأيه في أعمال  جورج باتاي أو ماركيز دي ساد أو أبولينير أو لوتريامون بعد هذا الحكم.

ومن عجائب هذا المقال/ الرأي أنه لا يستند إلى أعمال بوكوفسكي باستثناء كتاب مختارات شعرية منقول للعربية. أما مراجعه الأخرى فهي إما علي بن موسى الرضا أو المتنبي أو حوار لشاعر لبناني، ولم يعد إلى أي رأي نقدي يشرع قراءته “النقدية المتفحصة”.

كيف يمكن أن نجزم بعدم موهبة صاحب روايات “نساء” و”مكتب بريد” و”الشطيرة” و”أدب رخيص”.. كيف نجزم برداءة صاحب عشرات القصص القصيرة الرائعة، كيف نحسم بعدم قيمة صاحب “يوميات عجوز قذر” و”ملذات الملاعين” و”مفتوح طوال الليل” و”الحرفي” ونصفه باللاذكاء؟

بل إن كاتب المقال يمنعنا حتى من الأخذ بتقييمات الكتاب الكبار في العالم لتجربة بوكوفسكي فينهانا عن الأخذ برأي سارتر الذي اعتبر بوكوفسكي “أعظم شعراء أميركا”، وطبعاً ينسحب هذا النهي والمصادرة على كل ناقد آخر أقر بموهبة بوكوفسكي وقدرته السردية أو الشعرية. بل إن صاحب المقال وصل في رأيه إلى الحكم بأن ما يخرج من القاع يظل في القاع كاتباً ومتلقياً.

فإذا كنا سنبقى في القاع مع سارتر، فيا روعة تحليق القاع بعيداً عن هذه العنجهية البلاطية  التي تدفع كاتبا إلى الاعتداء على الأذواق والنقاد والقراء تحت يافطة رأي. لن أذكر بما قاله  أمبرتو إيكو في الحديث عن هذا العصر الرقمي الذي سمح للكل بأن يبدي رأيه، ولكن قراءة مثل هذا الغضب الحبري تدفعني أن أسأل عن الرصانة في هذا الرأي، تلك الرصانة التي أنكرها عن بوكوفسكي وجعله من عديمي الموهبة. ونحسب أن طرح الآراء أيضاً يحتاج إلى ذكاء ورصانة أكثر من الإبداع أو التخييل الذي قد تشرع له أساليبه أن يكون هائجاً مائجاً متطرفاً.

لم ينتبه صاحب الرأي إلى أن العمق ليس متعلقاً لا بهامش ولا بمركز وأن في اليومي الذي يبدو بسيطا ما هو شديد العمق لكن ذلك أيضاً مرهون بذكاء القارئ.

ما فات كاتب المقال، وهو يصدره بذكر دوستويفسكي، أن بوكوفسكي سليل دوستويفسكي وسيلين وهمنغواي ولكنه عوض تقليدهم والسير في طريقهم عارضهم وسخر منهم في أعماله فكان سيلين موضوع روايته “أدب رخيص” وكان همنغواي موضوع قصة ساخرة له يروي فيها كيف هزمه في الملاكمة في إشارة إلى الأدب والسرد.

وأعيد الإشارة إلى ما كتبته سابقاً عن بوكوفسكي أن هذا الكاتب لم يقرأ كما يجب بل أسقطنا عليه أحكاما وكليشيهات نابعة من جهلنا بمنجزه الحقيقي حتى اختصر اسمه في الإشارة إلى الإباحية، فأين الإباحية في “أدب رخيص” التي يعارض فيها، في سخرية سوداء، أدب التحري  أو “هوليوود” التي يفكك فيها عالم السينما تفكيكاً دقيقاً كما فكك فيها صورة الكاتب والكتابة نفسها؟

أثبت هنا أن قراءة بوكوفسكي أصعب من قراءة دوستويفسكي لأن أعمال بوكوفسكي أعمال تنفي نفسها وتتقنع بالبساطة والرداءة ويتواطؤ الكاتب نفسه ضدها؛ لأنه يبحث عن رسم صورة بديلة للكاتب العبقري قلده فيها بعد ذلك محمد شكري الذي ادعى الأمية وهو الوحيد الذي تجرّأ على نقد نجيب محفوظ، وهو أكثر الكتاب اطلاعاً على الأدب العالمي ويتقن “الأمي” ثلاث لغات حية: الفرنسية والإسبانية والعربية، وظل يتحدث عن أميته للمحافظة على صورة العبقري.  فلا يجب أن نسقط في فخاخ ما يظهر أنه اعترافات لنصدر الأحكام.

*كاتب من تونس

http://alimbaratur.com/wp-admin/