عندما يكون الفن التشكيلي مسرحاً للقلق وحقلاً من حقول الدراماتيكية البصرية ،فهو يُشكلُ بذلك أولى درجات الاضطراب في النفس البشرية الآيلة للسقوط في هاوية الظلام.

هذا الأمر البصري تشكيلاً ،لا ينعكس على صحة عين الناظر بتشويشها،بقدر ما يعكس أفعال مخلوقات الفنان المُتدثرة في بواطن تربته،لأنها الفلزات التي تصنعُ تصاوير مخيّلته قبل ولادتها على القماش أو على الورق أو بالمواد الأخرى المشتقة من المعادن.

الفنان السوري الباهر سعد يكن ،يُذكرّني على الدوام  بأناشيد مالدورور للشاعر الفرنسي لوتريامون:

” جميلٌ أن نتأملَ خرابَ المدنِ ؛ لكنهُ جميلٌ أكثر أن نتأملَ خرابَ الآدميين “.فكل متتبعٍ لسيرة الفنان سعد يكن عبر السنوات الفائتة،يدركُ بعمق المآسي التي يبني بها أعماله. فكلّ لوحةٍ مجموعةُ مخلوقات متشابهة متنافرة .وكلّ مخلوقٍ مدينةٌ مهووسة بتاريخ وبطبيعة وبطقوس .فهو فنان يعتمدُ على رؤى سيكولوجية ،لا تفصل الجسد عن النفس .ولا الجغرافية عن الحلم.ولا التاريخ عن مستنقعات التماسيح التي تلبسُ أجملَ الأزياء في سهرة الموت المفتوحة على الزمن بلا حدود.

والأعظمُ عند هذا الفنان، أن له في كلّ لوحة يداً تحاولُ أن تطفئ حريقاً ما،لكنها سرعان ما تدخل في عمق النار،فتصبح مادة تزيد من الاشتعال .وبدلاً من أن يكون سعد يكن من رجال الإنقاذ ،نراهُ يتورط أكثر بالكشف عن مكونات الحرائق التي تشوشُ على الجماليات وتعرّي صناع النار بكل اكتراث وتميز .

في هذا المعرض،يقدم لنا سعد يكن الفراشةَ كمخلوقٍ خالقٍ للبهجة ،وملتبسِ بعوالمها الحسيّة والجمالية ،وليس باعتبار الفَراش جنس حشرات من الفصيلة الفراشية المتعدَّدة الأنواع والأصناف والألوان والأشكال ، إنما فراشات يكن هذه المرة،تخرج من النار العميقة للدراما الإنسانية،لا لتطير حول النار وتتهافت انتحاراً،بقدر ما أراد لها أن تستنهض الفلزات الداخلية للبشر،بهدف صناعة معنى الحياة خارج الحرائق ومدافن القلق ومباني القهر والضياع والتشتت وبقية أخبار الساعة الحمراء ،حيث نجدها في لوحاته التي تقدم لنا أمراضنا في أبهى صورها وتصاويرها المستمرة من الرحم وحتى العدم.

لم اشك يوماً بالقدرات الاستثنائية لميكانيكا العقلية التي تجاور السوريالية التخيّلية في رأس سعد يكن .فهما كانا وما يزالان يعملان على صناعة شخوص دراماتيكيين ،تارة بأقنعة وتارة أخرى عراة،لا يمكن ضبط إيقاعاتهم في هذه اللوحة أو تلك  .

ثمة أمرٌ خاصٌ يستوجب البناء عليه في لوحات سعد يكن قاطبةً،إلا وهو الطرب الحلبي المسفوح بين طبقاته اللونية سريّاً.أحياناً يظهر بوضوح ليفتح في وجوهنا مجاري الدمع دون اكتراث بردّة فعل،وأحياناً ،يترك لنا ذلك الطربَ كمدفئة مشتعلة ،تتطاير منها الأدخنة  عبر فتحات العظام الباردة .فمدينة حلب في جوف يكن، بئرٌ موسيقية .أو هي بمثابة طريق الحرير في لوحاته .

الفراشة اليوم في هذا المعرض، لا تبحث عن نار ،لتنتحر وتخبو رماداً،بقدر ما هي مدخل لشفافيةٍ تحاولُ استثمار دراما شخوص اللوحات الهائمة في طقوسها المختلفة ،ونقل تجاربها لأنفس رواد المعرض عبر شبكات الأعين.

فالفراشُ هنا يتقدم على الألم،عندما يحاول أن يغطيه بأجنحته الملوّنة.وكذلك عندما يحاول نفض الغبار عن الأعماق،من خلال تلك الحركات التي تجتمعُ في الكائن البشري،وكأنها تفجر فيه سعادةً خجولة ،يخشى إيقاظها في أعماقه ،خوفاً من أن لا تنجح تلك الفراشاتُ بتعويضه عن خسائره.

وإذا كانت ((كل نظرية فنية يقابلها مشهد بصري)) وفقاً لما قاله -هنريش ويلفلن- فان الفنان سعد يكن خبير بعلوم العواطف الآدمية التي تعبرُ عما في الداخل من حب ومشقة وشوق واحتراق لكل ما يجعل تبدلات الحياة نحو المسار اللائق بالإنسانية المضادّة للبشاعة والحروب والدمار .

من هنا تأتي فراشاتُ سعد يكن أدوات تعبير تستهدفُ كلّ ما هو متوحش.فراشاتٌ تتجلى في دمها شهواتُ الاندماج الغرامي بكل ما يجعل من الأرواح معادلاً موضوعياً لهذه المخلوقات الفراشية التي تتجاوز خطوط النار إلى ما هو أبعد من الحريق وأقرب إلى معارك الشغف الروحاني.

ان إيجاد فكرة الارتباط ما بين حواسّ فراشة الأكريليك والزيت وبين تناغم حرارة الدم البشري،لا يمر إلا عبر أجساد مقاومة لفكرة الموت ،وهو ما حاول الفنان يكن أن يبثه في مخلوقاته المتعددة الأشكال والوظائف والاضاءات والتقنيات التي تعالجُ أحولهم الثملة الخائفة المُدَمرة المغرمة الحالمة الصاخبة عبر حقول من الألوان  التي تُثبت وجودهم حتى وهم في عالم الغيب أو الغياب.

الحزنُ عند سعد يكن، ليس معتماً.كما وإنه غير موصوف بلوّن من الألوان الشائعة.فهذا الفنان يلعب ألعاباً كونيّة في صياغة مشروعه الخاص بكلّ لوحة تحمل أسرار تلك القسوة أو ما يناقضها تماماً.حتى الموت عند يكن يصبح نكتةً لا تحمل ملامح الفاجعة،وكأنه لا يريد أن تكون لوحته قبراً تحيطُ به الأراملُ ذوات الاختصاص بالعويل والندب والبكاء على الفقيد أو على المفقودات التي تدخل خزائن العدم.

نساء تتطاير شرراً جميلاً بشهوات محمومة.ورجال غامضون بملامح مشوهة.بعوالمَ مُشيدّة بأحجار الكوابيس وبالموسيقى الداخلية للرعب الذاتي،عندما يتحكم  بحركات التنفس والقدم والنظر والغرام والمرارة التي عادة ما تتشكل في ذهن الفنان يكن على أنها من مفاعيل الكوميديا القهرية لسنوات الجنون الحربي الذي أطلق رصاصته الأولى ،لكي تبدأ الجثث بكتابة تاريخ هذه الأمة ولا تنتهي حتى برسمها بالزيت أو الحبر الصيني أو الدم.

وإذا كانت السينوغرافيا تهتمُ بتأثيث خشبة المسرح وزخرفة ديكورات السينما والتلفاز وتزيينها ،فإن عين سعد يكن الأممية ،حققتْ أعلى مستويات التفاعل البصري ما بين شياطينه الداخلية والألحان السوداء،لتأتي لوحاته بفضاءات سينمائية،غالباً ما تشذّ عن معظم ما يرسم في العالم العربي والغرب حتى.

معرض الفراشة هذا .. محاولةٌ من سعد يكن للالتفاف على تاريخه الفني الصعب والمعقّد والخليط العجيب ما بين السوريالية والوحشية والتكعيبية والرمزية والواقعية والرومانسية ،ذلك لأنه يريدُ تقديم نفسه لنا بأثواب الفراشات .الفراشات البريئة المسالمة الطيبة المغفلة التي تذهب للاندماج بالنار فقط من أجل أن تثبت براءتها من التوحش والقسوة وجراثيم الحروب وطواحينها القاسية.لكن سعد يكن ،ومهما بلغت به القوة لتفريغ رأسه من كوارث الزمن ،بهدف إثبات دوره كمنقذ،قد لا ينال لقب فنان الطوارئ .لأنه الكشّفُ والكشّافُ عن حياتنا الطللية لحوماً وأرواحاً ومعاجم كلام.

ومن هنا يمكن القول : وراء كلّ فراشةٍ (( يكنية)) فردوسٌ لم تُبقِ فيه الحرائقُ سوى الأنقاض .

أسعد الجبوري

شاعر وروائي

ASAAD AL-JABBOURI

مؤسس موقع الإمبراطور

مشروع لعموم مؤلفي الإبداع حول العالم

http://alimbaratur.com