إزالةُ البقَعِ هي ابنةُ أختِ الإلهام

الدّرْس

في الصّباح، حين ألفَيْتُ التاريخَ

يشخرُ بقوة على الأريكة،

تناولتُ معطفَه من على المشجب

وألقيتُ بثقله على كتفيَّ

لعلّه يقيني البردَ في سيري

باتجاه القرية لأجلب الحليبَ والصحيفة،

وفي ظنّيَ أنه لن يمانع،

على الأقلّ بعد نقاشنا الطويل ليلةَ البارحة.

كم مُفاجِئاً ومجلجلاً كان غيظُهُ

عندما عدتُ ورقائق الجليد تغطيني،

ثم الطريقة التي نَبَشَ بها الجيوبَ الكبيرة

ليتأكّدَ من أن معركةَ فاصلةً لملكةٍ بريطانيةٍ

لم تسقطْ وتصبحْ في عداد المفقودات عميقاً دفينةَ الثّلج.

نصيحة إلى الكُتّاب

حتى لو استغرقك الأمرُ الليلَ بطولِه،

اغسلِ الحيطان وافركْ أرضيّةَ

مكتبِك قبل أن تصوغَ مقطوعتك.

نظِّف المكانَ كما لو أنّ البابا في الطّريق إليك.

إزالةُ البقَعِ هي ابنةُ أختِ الإلهام.

كلّما نظّفت أكثر، كلّما زادتْ

كتابتُك إشراقاً، فلا تتوانَ عن الاستعانة

بالحقول الفسيحة لتطهّر أسفلَ

الرفوف أو تمسحَ عند أعالي الأغصان

في الغاباتِ المظلمة أعشاشاً طافحةً بالبيضِ.

وعندما تجد طريقَ عودتك

وترصّ إسفنجَ وفَراشي التنظيف تحت المغسلة،

فستلمح في ضوء الفجرِ

المذبحَ الطّاهرَ لطاولة مكتبك،

السّطحَ النّظيفَ وسطَ عالَمٍ نظيف.

ومن مزهريّةٍ صغيرة، بأزرقَ لألاءٍ، تناولْ

قلماً أصفرَ، أكثر أقلامِ المجموعةِ حِدَّةً،

وغطِّ الصّفحاتِ بعباراتٍ دقيقةٍ

تشبه خطوطاً طويلة من نملٍ تكرّسَ لك

فتَبِعَكَ من الغابات.

أرق

بعد أن أحصيَ كلَّ أغنام العالم

أعدُّ الثيران البريّة، الحلازين،

الجِمال، القبّرات، إلخ.،

ثمّ أضيفُ حدائق الحيوان والأكواريوم،

بلداً بعد بلد.

ومع أوّل الضّوء أراني في نومي

أكابدُ كابوسَ غرقٍ في فيضان،

أصرخُ عبر المياه الآخذة بالارتفاع

في نوح المنشغل بينما سفينتُه

العجائبية تُبْحرُ وتتضاءل.

محض ظلٍّ في الأفق الآنَ،

تغيبُ السّفينةُ الأخيرة على الأرض.

ثم وأنا أرتفعُ وأرتمي مع الموجِ المتلاطم،

أكثّفُ انتباهي على زوجٍ من الزّراف،

ورقبتيهما المشرعتين خارج السّقف،

لكي أقي حياتي من أن تُمحَق أمامي.

بعد أن تغيبَ الحيوانات عن الرّؤيا

أعومُ على ظهري، مطبق العينين.

أتصوّرُ كافّة الأسماك في الخليقة

تثبُ عبر سياجٍ في حقلٍ مائيّ،

نوعاً ملوّناً إثر آخر.

مقدِّمة في الشِّعر

اطلبُ إليهم أن يتناولوا قصيدةً

ويُعَرِّضوها للضوءِ

مثل شريحةِ (نيغاتيف) فيلمٍ ملوّنة

أو يُلصِقوا أُذُناً إلى قفيرِها.

أقولُ أنْ أَفْلِتوا فأراً فوق قصيدةٍ

وارقبوه كيف يتلمّسُ طريق خروجِه،

أو تجولوا في غرف القصيدةِ

وتحسّسوا الجدرانَ بحثاً عن مفتاح الضّوء.

أريدهم أن يتزلّجوا

عبر سطحِ القصيدة

ملوِّحين لاسمِ الشّاعرِ على الشّاطئ.

غير أنّ كلّ ما يريدون أن يفعلوه

هو أن يوثِقوا القصيدةَ بحبلٍ إلى كُرْسيّ

وينتزعوا الاعترافاتِ بالقوّةِ منها.

يَشْرعون بجَلْدِها بخرطومِ المياه

ليعرفوا ماذا تعني بالضبط.

الموتى

يُقالُ إن الموتى يُسلطون أنظارهم علينا أبداً،

ونحن نحتذي نعالَنا أو نحضِّرُ شطيرةً،

يتطلّعون من خلال القاعِ الزجاجيّ لأَجرامِ

        الفردوس

وهمْ ينسربون صفوفاً وئيدةً عبر الأبديّة.

يرقبونَ قمم رؤوسنا تتحرّكُ تحتهم على الأرض،

وحين نستلقي في حقلٍ أو فوق أريكةٍ،

خَدِرِيْنَ ربّما بهمهمة الظهيرة الدّافئة،

يحسَبُونَ أننا إنّما نبادلهم النظرات،

ما يجعلهم يرفعون مجاذيفَهم ويغرقون في الصّمت

وينتظروننا، كوالِدَين، حتى نُطْبِقَ أعيننا.

أستاذُ التّاريخ

في محاولته صونَ براءة تلاميذه

أخبرهم أن العصرَ الجليديَّ كان يشبه تماماً

عصرَ البرودةِ، حقبة مليون عام

حين كان الجميع يرتدون الكنـزات.

كما أصبح العصرُ الحجريُّ عصرَ الحصى،

هكذا سُمّيَ بسبب الدروب الطويلة في ذلك الزّمان.

محاكمُ التّفتيشِ الإسبانيّة لم تتعدَّ

كونها نشوب حربِ أسئلةٍ مثل

“كم المسافةُ بين هنا ومدريد؟”

“ماذا تُسمّي قبَّعةَ مُصارِعِ الثّيران؟”

حربُ الورودِ وقعتْ في الحديقة،

و “إينولا غاي[1]” رَمَتْ ذرّةً نوويّةً صغيرة

فوق اليابان.

سيغادرُ التلاميذ غرفةَ الصَّفّ

إلى الملعبِ لكي يناوشوا الضّعفاءَ

والأذكياء،

نافشينَ شعرَهم ومحطِّمين نظّاراتِهم،

بينما يُطبق دفتر ملاحظاته ويتّجه صوب البيت

عابراً مساكبَ الزّهرِ والأسيجةَ الوتديّةِ البيضاء

متسائلاً إن كانوا سيقتنعون بأنّ الجنودَ

في حربِ “البوير” قد قَصّوا قصصاً مُسهبةً مُفكَّكَةً

وُلِّفَتْ لكي تجعلَ العدوَّ ينكِّس رأسَه.

تجريد إميلي ديكِنسون من ملابسها

بدايةً، انزاح لفاعها المصنوع من التّول

بيسرٍ عن كتفها وطُرِحَ

على مسند الكرسيّ الخشبيّ.

ثم طاقيتها،

والعقدةُ التي لم يكتمل طرَفها الأماميّ المسحوب.

والآن الفستان الأبيض الطويل، وهي معضلة

أكثر تعقيداً بوجود أزرارِ أُمِّ اللآلئ

أسفل الظهر،

الدّقيقة، كثيرة العدد التي تستغرق العمرَ

قبل أن تتوصّلَ يداي إلى فتح عُرَى القماش،

كمثل سبّاحٍ يغطس في الماء

ويغيب فيه.

سيكون في ودّكَ أن تعلمَ

أنها كانت واقفة

إزاءَ نافذةٍ مُشرعةٍ لمخدعٍ في الطابق العُلْويّ،

ساكنةً، بعينين متّسعتين بعض الشيء،

تنظرُ إلى البستان في الأسفل،

وقد تمرّغَ فستانها الأبيض الطويل عند قدميها

على أرضيّةِ الخشب العريض.

ومِن تعقيدِ ملابسِ النّساء الدّاخلية

في أميركا القرن التاسع عشر

أنها لم تكن من النّوعِ المتموّجِ،

لذلك أوغلتُ كمستكشفِ القطب

بين المشابك والكبشات والأربطة،

المسّاكات والأحزمة ومِشَدّات البلِّيْن[2]،

مُبْحِراً إلى جبلِ جليدِ عُرْيِها.

لاحقاً، كما دوَّنْتُ في دفتر،

كان الأمر يشبه امتطاء بجعةٍ في الليل،

لكن، بالتأكيد، لا أستطيع أن أفشي لكم بكلِّ شيء-

كيف أغمضتْ عينيها للبستان،

كيف تَحَلَّلَ شَعْرُها من دبابيسه،

كيف كان هناك ثمة فواصل

تخللتْ حديثنا.

الذي أستطيع أن أقولَه لكم

إنّ السّكون الفظيع كان يلفّ أمِرست[3]

ظهيرةَ ذلك السَّبت،

لا شيء سوى عربةٍ تمرّ أمام البيت،

أو حشرة تئزُّ عند زجاج النّافذة.

لذلك استطعتُ أن أسمعَها تشهقُ

عندما فككتُ آخر خطّافٍ

في أعلى مِشَدِّها

واستطعتُ أن أسمعَ تأوّهاتِها عندما انحلَّ أخيراً،

بالطريقة نفسها التي يتأوّه بها بعضُ القرّاء عندما يوقنون

بأن الأملَ مكسوٌّ بالريش،

بأن المنطقَ لوحٌ خشبيّ،

وبأن الحياةَ هي ذلك المسدّسُ المحشوّ

الذي يحدّقُ فيك بعينٍ صفراء.

 


[1] – Enola Gay: اسمُ الطائرة المقاتِلة الأميركيّة التي ألقت القنبلة الذّريّة فوق هيروشيما.

[2]  – البلِّيْن: Whalebone، عظم الحوت.

[3]  – اسم لبلدات عديدة في أكثر من ولاية أميركية.