اللغات واللُّغة المضادة لأعطال الذاكرة

أسعد الجبوري أنموذجاً

 

(قراءة أولى في تجارب أسعد الجبوري الشعرية وألتقاطات من الشعر العربي والغربي والماهيات الخلاقة )

 

قصيدة النانو والتجارب الشعرية عند أسعد الجبوري ، ذات مفاهيم متفاوتة ومُتباينة ؛نظراً لطيران النصّ وخاصيّة تفجير اللُّغة ورفض السكن والجمود وإحراق الخيام والأعمدة باكراً, ونشير لحديث أسعد الجبوري عن ذلك بقولهِ:” لم أدرك الشعرَ تأليفاً قط،عَرَفتهُ اختراعاً من جيولوجية اللغة،وحتى المَصَب العلوي للمخيّلة.أنه في أعظم الحالات بخارٌ عطري مختصٌ باختراقِ الحواسّ واللعبِ بجينات المزاج”(1).

فنلمحُ عدَّة أمورٌ في الشعر, فهو بخارٌ عطري مختصّ باختراق الحواس واللعب بجينات المزاج ,فالشعر هُنا ليس تأليفاً , كما هو سائدٌ في التجربة الشعرية العربيّة بشكلٍ عام والغربيّة بشكل خاصّ -مع الاختلاف الكبير بين التجارب والتباين -فالمفاهيم لكيفيّة التراكيب اللُّغويّة والأسلوبيّة والبنيّويّة والسيميائيّة وما إلى ذلك والنسج والخلق والابتكار والرؤيا وحدّة الخيال وشساعة التصوير ودقّة اللقطات البانوراميّة وتعدُّد أضوائها الممزوجة بالكثافة الدِلاليّة والطاقات الخلابة الكامنة في الصندوق الأسود للرمز في النصّ الشعري تختلف وتتفرّع كما البُخار العطري المخترق للحواس فهي اختراعاً من كروموسومات وجينات اللُّغة,وكما  يشير سعيد بنكَراد :

“الذوق والشم واللمس والبصر والسمع هي المنافذ الأولى التي تتسرب عبرها المادة  الأولية للإدراك -20ص”(2) فالماهيّات تتنوَّع وتختلف والإدراك عبر الحواس كذلك يتطّلّب كميّات هائلة من الفلزات النوعية التي تحدث الفرق فهي بذلك تكون متعدّدة الأنبعاثات والأنصبابات والتجلي في نواحٍ كثيرة ,فمن ذلك جزيئات النيتروجين بلونيها الأزرق والأحمر فهي دهشة تتعاطى الاختراق والسيلان والتمدُّد بعيد المدى ,ونشاهد مقدار آخر للتغاير يؤكد  عليه أسعد الجبوري :

“ليس الشعر فكرة تظهر على شجرة اللغة وحسب,بل هي في جوهرها الحقيقي موجة من البكتيريا العاطفيّة يدفعها العقل إلى رافعة القراءة من أجل تفكيك رموزها والتورط بأمراضها الجميلة”(3)

فالعقل أساسٌ في تجربة الشاعر ,بحيث تكون موجه من البكتيريا العاطفيّة .

بمعنى الانتشار الهائل والطّاقة المشعّة المتعدِّدة كمثل السديم عصيّ التحديد ،وتلك الطاقات التي يدفعها العقل لرافعة القراءة ,من أجل تفكيك رموزها والتورط بأمراضها الجميلة ,فالمرض في اللُّغة هو تعبيرٌ مجازي يحمل دِلالات متنوِّعة وإشكاليّة الفحوى ومآلات التفجير ,كما أنَّها غابة عالية الرموز وكثيفة الشِيفرات التي لا يمكن تفكيكها إلاَّ بإشعال المخيلة والمباني العُليا من طوابقها الشاهِقة, فهي بذلك ليست خروجاً عن الشكل فحسب بل هي مشروعاً في القلاع الباسِقة من الُّلغة والمخيلة والتجربة والرؤيا وكل ما يتعلق بالمدى والأفق والعلو والصعود والتغاير,ويشير الرسام الإيطالي دي كيركو:

” يجب أن ينظر المرء إلى كل شيء في العالم على أنه لغز,ليس فقط الأسئلة العظيمة التي يسأل الشخص نفسه إياها على الدوام,ولكن بدلاً من ذلك يجب فهم لغز الأشياء التي تعتبر عامة غير ذات أهمية ..يجب أن تعيش في العالم كأنك في متحف ضخم من الغرائب-ص33″(4).

فالتجارب الشعرية عن أسعد الجبوري تدعو لفهم لغز الأشياء والاندماج بالنصّ كما لو أنّك تعيش في متحف ضخم من الغرائب . ويشير أسعد الجبوري إلى المراهقة اللغوية بقوله :

“منذ ارتفاعي إلى مرحلة المراهقة اللغوية في تجاربي الشعرية المتعددة المتنافرة المزدحمة بالسفن والنباتات والنساء والأسلحة والموسيقى وبلدان السجون والمشانق وسبائك الكآبة والخوف وأمراض الزبدة السوداء ، أشعلتُ بتلك اللغة النارَ للتخلص من الحطب والمستحثات والدجاج المُهذّب”(5).

فنلاحِظ, تعدَّد التجارب في ملاعب النصّ,والمراهقة اللغويّة وهي التجريب الميلودرامي المستمر ,المنفتح على التجارب على مستوياتها وتمخضاتها وانقلاباتها وثورتها بشكلٍ متواصل .

فتجارب الجبوري مزدحمة بالسفن والنباتات والنساء والأسلحة والموسيقى وبلدان السجون والمشانق وسبائك الكآبة والخوف وأمراض الزبدة السوداء ,لذا إشعال اللُّغة للتخلص من الحطب والمستحثَّات والدجاج المهذَب الذي يغرق بالطوفان اللُغوي كان في وقت مبكر, فنُشاهد هنا رموزاً أشبه بالعالم ,والانفتاح الكبير والعريض في اللُّغة الشعرية,فهي ليست إيقاعاً بالغ القدم وليست أعمدة قمعيّة تؤطَّر وتقيَّد الفرديّة ,فالجبوري أعلن من البدء  ارتفاعه لمرحلة المراهقة اللغوية مما يعني ؛ الرفض  بشدّة لتجربة البداوة والدخول بالتالي تأسيس لجماليّة أخرى مُغايرة , مما يعكس كذلك الانتقال إلى الحضارة (المدينة) ,ورفض العلاقة بالتقاليد للأمة أو الجماعة مؤسّساً للحريّة الشخصيّة,ورفض بالتالي لبنية القبيلة ؛ مؤسساً لعلاقة الذات-الآخر ,وخلال علاقته في الشعر؛ مؤسساً لشعرية جديدة متعدّدة التجارب والجوانب والزوايا والمعاني – في الشرق والغرب- وفي حركتهِ في العالم ووصول الطاقات العارمة لفضاءات الصندوق الأسود , للمُدن ذات الرؤيا المفتوحة -على كل الاحتمالات ,ويستكمل أسعد الجبوري كلامه :

“تعلمت أن الاستمرار بالشعر،يعني حرق وَرق الكَربون،وتعطيل جميع آلات الاستنساخ أو التخابر مع أصوات الموتى وغبار نصوصهم،تصوراً وتصويراً ،إلا فيما ندر لذلك أرى نفسي سعيداً بـ ((أنا )) الشعر العظمى لمخلوق صنع لنفسه خاصية للكتابة”.(6) فنبصرُ ههنا إلى معنى آخر وهو حرق ورق الكربون ,وتعطيل جميع آلات الاستنساخ أو التخابر مع أصوات الموتى وغبار نصوصهم ,تصوراً وتصويراً,إلا فيما ندر ,فالكتابة عند الجبوري ليست استنساخ لتجارب أسلاف أو آخرون –في العصر الحديث أو القديم –لشعراء غربيون أو عرب , بل تجارب مشتعلة موغلة في الفرديّة والتفرُّد , مزودة بالديناميت والدوّي فارع الوهج , المتطاير في أطراف وجسد اللُّغة وعقلها والجو عالي الجودة بلمسات الرموز المفتوحة للذاكرة والأبصَار والاستبصار والتي تفجر التساؤلات والأنبثاقات والماورائيّات والأحلام, تجارب متسلقه للعوالم المتكاثرة بتقنية النانو والتقنيات المفتوحة المتباعدة المترامية ,المتناقضة في آنٍ , التي تقع في أقصى الحروف التي تتمتع بكميّات عالية الوفرة من الهواء الاستراتيجي عالي الصدى.

ويذكر شاكر عبد الحميد فيما يخصّ اللُّغة :

“وجود مناظر طبيعية فراغية غير محدودة فيه تلك التي تكون اقل تحديدا كأماكن أو كفضاءات –ص212″(7) حيث طوفان العالم في الفضاءات الشعريّة وعبورها عبر فراغات الحروف غير المحدودة  مما يجعلها تمتلئ بالألوان مما يؤدي للتوازي بين العوالم والفضاءات المتداخلة  .ويستكمل في موضع آخر”وهكذا توحي طوبو غرافيا الأعمال الخيالية الحديثة-كما تشير جاكسون – بالانشغال بمشكلات الرؤية والمرئي والقابلية للرؤية” خلال الأبراج العليا للمخيلة فارعة السماء والانشغال بمشكلات الرؤية والمرئي والقابلية لذلك ,يقول أسعد الجبوري في معرض وصفه للغة :

“ليمضي بعدها رأساً شبيهاً بالصندوق الأسود للطائرات.رأساً بأفلام غرائبية جامحة وببيانات بلاغة غير منطوقة من قبل وبخرائط لا توحي بالسكون أو بالسجود أو بالكهولة. اللغةُ هي العِظام التي تكسوها الكلماتُ بلحمها،ولذلك لا بدّ من طرد البرد عن كل ما يعكر صفو خلايا الحروف المنتجة للخلق وللمخلوقات”(8).

رأساً بأفلام غرائبية جامحة وببيانات بلاغة غير منطوقة من قبل وبخرائط لا توحي بالسكون أو الجمود بالتالي الانشغال بمشكلات الرؤيا والمرئي ,والنظر خلال تطاير العوالم والصور في الاتجاهات الجديدة  .ويذكر محمد بنيس :

“أن اللغة لا تحيا إلا عبر تفجير طاقاتها اللانهائية”(9). بتعبيرٍ آخر مضاد -موت اللُّغة هو بإبقائها كما هي عليه  من عبودية ؛تبجيلا لأصوات الموتى وغبار نصوصهم,إذعاناً لاستهجان النُقاد والمظاهرات الشعريّة المسلحة بالشَطب والإزاحة,مما يلغي كل رؤية غير مألوفة , بالتالي محاولة طمس فعلي للضوء  وللكيانات وللأضوية المُغايره والمختلفة, ومحاولة ذرء للهويَّة بشتَّى أساليب القرون الماضية ,لذا نؤمن بأنَّ تفجير اللُّغة هو إحياء لمدن للغة وبالتالي للكينونة ولمزيد من الأكسُجين, و هو كذلك انتقال للحرية الشخصيّة والفكرية  والرؤيويّة الحرة للعالم- حيث يعتقد الكاتب – أنّ سمة الإقصاء في كينونة كثير من كائنات الحرب- تتمفصل في محاولة اعتقال كل الأوكسجين الخاصّ بالفرد بما في ذلك الاختراع الجيولوجي للغة, من أجل الإذعان لتوجيهات الصحراء, بكل تفرعاتها حفاظاً على تصحّر الكلمات وشيخوختها ,وخشيةً من التحول بفعل الرعد والبرق والمطر والعاصفة والريح والفيزياء المشعّة لقوة شديدة التوغل في انفجارات النيازك وولادة النجوم والكواكب والشموس,بالتالي يحدث  تأسيس لطاقات واكتشافات ومغامرات جديدة  خارج المجموعة الشمسيّة ؛ ولذلك يتم  اللجوء للمحو الفاقع اللون نوعاً ما , خوفاً من رؤية الانفجارات في مفاصل الكون , ومراعاة للوعكة الصحية للخيام, وخوف من فقدان الملابس المستعلمة من جلود الإبل , مما يؤدي لمحاكم التفتيش بصيغة الدواجن على أي أشعاع نووي في اللغة ومحاولة مراقبة مصبات الحداثة الهائلة وما بعدها , المتدفقة تجاه جداول ومحيطات المخيلة ,ولذا كثير من محاولات السطو, وقطع الطريق , ومحاولة إحراق الأجنحة بالحطب ,والسعي لإقحام المخيلة بالإرغام إلى طقوس الخيول والسيوف وبلاط الخُلفاء والزنان بمحاذاة الحنظل وتوجساً للحديد ؛إنّما سعي لديمومة القمع و الظلام واستشراء لفيروسات من طراز الجندرمة ومن لغة الطغاة بهدف تعذيب اللّغة ,لذا نجد موجات متصاعدة بالغة الانزياح متعدِّدة القوى , في تجربة أسعد الجبوري للانتقال للفكر الحر والبحث المستقل والكينونة العجائبيّة والغرائبيّة خلال الخلقْ الدائم ولإيجاد أعمال للذاكرة ؛للصعود نحو العالم والغوص في بحار الكلمات ,بعد كثير من الأعطال منها تلك التوعُّكات المغولية والعثمانية التي رسمت جُدران عبوديّة معينة للعرب بشكلٍ أو بآخر,لذا لا وجود للكينونة مسبقة الدفع ببطاقات الأسلاف- ونحن – لا ننكر أو نجحد التجارب الماضويّة بكل ما فيها,فهناك تجارب كبيرة , لكن أسعار النفط انخفضت لم تعد كما السابق,وكذلك  الموسيقى الشعريّة  أصبحت مترهلة الإيقاع في ظلّ التحولات الجذرية في منازل النجوم , وكما نشير أن الصندوق الأسود للزمن لم يعد اختزال في خيمة أو أعمدة أو ناقة  لذا ,مآلات القمع والطمس لأي ذرة من الأوكسجين ومحاولة وضع اللُّغة في زنازين تحوي أشد أداوت التنكيل للكلمات محولة إياها لأصوات مشبعة بالسياط والشكل القسري, و محولة التجارب الشعرية لسجون متنقلة ترى في التصحّر ثبات واستدامة حفاظاً على سيف امرؤ القيس وخيل عنترة , وخمر عمرو بن كلثوم ؛ إنما هي نوعٌ من التعسُّف الأحمر وشكل من أشكال الإجهاض للطبيعة وللأشجار  – لذا يرى الكاتب – أنَّ التجارب الماضويّة باعتبارها تجارب شيء واعتبارها سلطة واستبداد شيء آخر, ونرى أنَّ أسعد الجبوري يشير إلى آليات الخلق والإبداع وكيف يمكن للغة أن تستنشق أطنان من الهواء الحرّ ,وكيفيّة الامتناع عن تأثيرات الاستنساخ والتصوير المسبق ,  المضاد للمخيلة وللتدفق الإبداعي و بحيث لا يكون سداً منيعاً عن تدفق مياه الوعي لحداثة الخيال المفتوح على الكون .وهنا إشارة أخرى لتجربة الجبوري الشعريّة

” أنا أحرقت الأرشيف بشكل مبكر، لذلك لم تتمكن الصحراء من أن تكون حاضنةً لشعري ،أو أن تطلق ريحَها السمومَ باتجاه المخيلة الشعرية العائمة في الرأس “(10)

ثم يعللَّ ذلك بقولهِ :

“لذلك لا يمكن أن تقدم نصا شعريا بارعا، دون أن تقوم بتدمير التربة القديمة للقارئ، تلك التي تشكلت بفعل التصلب والتمسك بالأصول، وكلها مواد مضادة للحداثة التي يجب أن نؤسس عوالمها بحرية وتوسع وشراسة” (11)

.فهنا إشارة لضرورة القطعيّة الجماليّة والمعرفيّة مع الماضي لتأسيس جماليات ومعارف حداثيّة ,تُخلق بدون نموذج مسبق مرجعي,بل بداية خاصّة موغلة في العمق والتجربة ,مما يعني الانتقال من الكينونة القديمة للكينونة الحداثيّة إلى ما بعد ذلك بشكلٍ متوالي مستمر ,غير قابل للوقوف المحدد مسبقاً ,وفي العالم العربي وفي الشعر بالتحديد –بشكلٍ عام- أشبه ما يكون بالولاء المفرط للقُدماء وللشعريّة القديمة وللكينونة المبتذلة بتواشيح الغبار ,وكأن لا حركة للإنسان إلا بأخذ استشارات من القبور والموتى , فالكاتب يرى أن كثير من الممارسات العربيّة القديمة والحديثة , أشبه بما يسمَّى النهج العربي المؤدي للشلل للكائن البشري في كل تمفصلاته وتطلعاته وأحلامه ومحاولات إجهاض المخيلة ولو بالعنف ,فالجبوري قد تصدّى باكراً لهذا الوباء بتوضيحه:

” لذلك لا يمكن أن تقدم نصا شعريا بارعا، دون أن تقوم بتدمير التربة القديمة للقارئ، تلك التي تشكلت بفعل التصلب والتمسك بالأصول”(12)

ويشير د.مشري بن خليفة :”لقد كان هذا التحول يعني الانتقال من لغة التعبير إلى لغة الخلق, ومن لغة التقدير إلى لغة الإشارة, ومن التجزيئية إلى الكليّة ,ومن النموذجيّة إلى الجديد ,ومن المنطق إلى اللاوعي,ومن الشكلية إلى أشكال خاصة يفرزها تنامي الرؤيا”(13) حيث نلتمسُ عدّة تحولات ههنا من لغة التعبير إلى لغة الخلق ومن لغة التقدير إلى لغة الإشارة ومن التجزيئيّة إلى الكليّة ومن النموذجيّة إلى الجديد ومن المنطق إلى اللا وعي ومن الشكلية إلى أشكال خاصة يفرزها تنامي الرؤيا , فلغة الخلق تكون ابتداء ونجِدُ مِثالاً في تجربة العرب في العصر العباسي حينما سُئِل أبا تمام ” لِمَ لا تقول من الشعر ما يُعرف؟ فقال أبا تمام :وأنت لم لا تعرف من الشعر ما يُقال؟-38″(14)فنلاحظ, أن الوعي التجديدي كان حاضراً ,لدى مجموعة من الشُعراء القُدامى أنفسهم ,ومن ذلك ثورة أبو نُواس على الأطلال ورفضه للأطلال و البداوة خلال كثيرة قصائد كاملة نذكر أبيات منها (15) :

صفة الطلول بلاغة القدمِ ***  فاجعل صفاتك لابنة الكرمِ

وكذلك في تصويره للوقوف على الأطلال والبكاء :

قل لمن يبكي على رسم درسٍ***  واقفاً ما ضر لو كان جلس

ونجِد كذلك إعادة العلاقة بين اللغة والأشياء لدى أبا تمام(16) :

لا تسقني ماءً الملامِ فإنني***  صبٌ قد استعذبت ماء بُكائي

ولدى أبا الطيب المتنبي(17) :

ما نالَ أهلُ الجاهليةِ كلهمُ *** شعري ولا سمعت بسحري بابلُ

وقوله :

وأني وإن كنت الأخيرَ زمانه***  لآتِ بما لم تستطعهُ الأوائلُ

فالثورة على الشعر القديم ,كانت موجودة ,ويرى الكاتب – أنّ  كثير من النقاد العرب في العصر الحديث شنُّوا أشد الحملات فيما يخصّ أبا نُواس مثلاً ,يتم النظر إليه باعتباره شاعر مجون وشاعر مارق (النظرة الفقهيّة) للنصوص والنظر للشعر بوصفهِ عملاً وليس لغة  ,بحيث يتم التقييم وفق معايير إيديوجيّات معيّنة ,توظيف الشعر لخدمة فكر ما ,سياسيّاً ودينياً واجتماعياً .. إنَّما –كما أزعم- إلغاء للشعريّة وإفراغ للفحوى واغتيال للإبداع, وكذلك الأمر لأبي تمام حينما تم اتهامه بالخروج عن النسق القديم ,فبالتالي النظر باستهجان لشعرهِ  ,وأنّ النموذج القديم هو الأساس (الأتباع والتبعيّة) فمن القمع التعبيري لدى كثير من العرب وسعياً للحفاظ على اللُّغة وهي تعمل بولاء للأعمدة والخيام والجو شديد الحرارة ,ومحاولة خلق شيء من الاحتباس الحراري للغة وممارسة التعذيب القسري للحروف في اللُغة وصولاً لطمس الإنسان(الشاعر) , وما يحدث كما يرى الكاتب – لدى كثير من النقاد في العصر الحديث  – هو تنويع  على إقصاء عربي قديم ,ومحاولة ترويع الكون بسيوف الهند وخناجر بكر وتغلب وطي, وجعل اللغة مكان مقفر بائس .

ويشير أسعد الجبوري للشعر الجاهلي “لقد حاول الجاهليون أن يجعلوا من اللغة قبيلة ،دون أن يتمكنوا من ذلك. لأن اللغة لا تكون خيمة لأحد بالمطلق. فهي ضد السكن في منزل ثابت”(18) ويسترسلُ في إشارتهِ للشعر بتوضيحهِ :

” وإذا كنا نتحرك في مجرى التاريخ اللغوي بقوة التخيل، كبناة نصوص ومفجري معانٍ، فإننا لا نميل إلى استعمال المكابح في أثناء أعمال التأليف، لئلا تتعود الحرية على الكسل، فتمتلك التبريرات لوضع الخطوط الحمر ما بين مفردة وأخرى فتصاب النصوص بالأذى القمعي “(19).

فلا مكابح في التأليف ,لئلا تتعود الحريّة على الكسل ,فتمتلك تبريرات لوضع الخطوط الحمر مابين مفردة وأخرى ,فالحركة الشعريّة التي يتم كبح جماحها إنّما تعويد الحريّة على الكسل بدل من الطيران والأنبجاس والتطلُّع والصعود المتوالي الغير منتهي ,المنفتح على فيضانات و زلازل الرؤى والأحلام والتعابير لتنتج دواليب ضخمة من التأويلات المختلفة ,المتوالدة, والتي تتطاير خلال وقود المخيلة المتواصل ,وبإمدادات فرديّة هائلة وخلاقة عابرة للنجوم والأقمار والكون فهي بذلك سيالات جمّة ,فهنا نبصِر أيضاً ما تناوله الجبوري ” لقد حاولت عبر سنوات ومن خلال تجاربي الشعرية، الخوض في اللغة عميقاً. اقتحامها في نومها ومناماتها. تبديدها وممارسة أشرس أنواع اللعب بالخلايا الخاصة بها” .

وهنا بُعد آخر وممارسة أشرس أنواع اللعب بالخلايا الخاصة باللغة فالشعر -كما يذكر الجبوري-في مطلع حديثة عن الشعر ممارسة أشرس أنواع اللعب بالخلايا الخاصة وبالتالي  “فالشعر ليس سريراً للنوم بل هو المجال المغناطيسي لتكوين العلاقات بين مغرمي اللعب بالنار ” فهو بذلك المجال المغناطيسي لتكوين العلاقات”(20) وهو أيضاً “اختراعاً من جيولوجية اللغة”(21)وكذلك “فهو بخارٌ عطري مختصّ باختراق الحواس واللعب بجينات المزاج”(23) وهو بالإضافة لذلك “موجة من البكتيريا العاطفيّة يدفعها العقل إلى رافعة القراءة من أجل تفكيك رموزها والتورط بأمراضها الجميلة”وهو بالضرورة “(24)يعني حرق وَرق الكَربون،وتعطيل جميع آلات الاستنساخ أو التخابر مع أصوات الموتى وغبار نصوصهم،تصوراً وتصويراً  “ويعلل الجبوري ما يتصل بالشعر ” لأن اللغة ما كانت كلمات وحسب، بقدر ما هي أرواح سحرية تعمل في تيه مطلق”. (25).

“تجسد الواقعية السحرية كثيراً سعي الناس على البحث عن أصولهم المفقودة أو المسكوت عنها,حيث يحكي التاريخ دائما من خلال صيغة”حدث ذات مرة” أو “كان ياما كان -218” ونلمح التغاير لدى أسعد الجبوري في قصيدة “يوم أخبرك ملاك اللغة”  “وتضع الواقعية السحرية عملية حكي القصة في المقدمة,ولكن خلال تطور العمل أو هذه العملية تحدث أشياء أخرى” فلنتمسُ أبيات لأسعد الجبوري (27) :

أنْ نَظفّ ثيابَ الكلماتِ من الأنينِ ومراهقة

التفلسفِ بالرماد،

واذهبْ بالفكرةِ إلى أعلى الشجرة.

لم تصغ مخلوقاتُ باطنكَ سمعاً إلا لدوّي

انفجارٍ غامضٍ في طرف الكون

“ويحدث تعزيز للجانب الغريزي من السلوك في علاقته التبادلية مع الغريب أو غير العادي في الحياة اليومية-218″(28)  :

فأتتكَ من تلك الأساطير امرأةٌ

استغرقتكَ بوقتٍ ،

كان خمرهُ ينمو بترابٍ كؤوس من نارٍ

وغناءٍ وزنجبيل.

وأُغرقتكَ بكل ما في جسدها من فحوى

وعتاد وطلاسم

وهذا ما يراه نقاد أمريكا “الوعي الأسطوري بالعالم 219ص-“(29)

وفي نصٍ آخر  “يفتح التفكيك ما بعد الحداثي للتعارض الميتافيزيقي بين المتخيل والواقعي طريقا خاصا بمنطق بديل هو منطق الحلم,اللعب اللوغوس او المركز الواحد الثابت وتتحداه -216 ص”(30)  فنلاحظ, “ما الذي يفعله فرويد بسقراط,غير أن يُرسل كلبه السيكولوجي” ونشاهد كذلك “لابد من تذكر الزاوية العميقة من المدفأة ,نحن بصدد الحديد المشوي” ,وهذا مقطعٌ آخر من النصّ(31) :

لكن.. ما الذي يفعلهُ فرويد بسقراط ، غير أن يرسل له كلبه السيكولوجي ليُشرعَ بالتنقيب عن برك الضجيج المالحة في أفلاكه العميقة .

ثم ماذا غير تلك الحوادث. غير تلك الحرائق وهي تمحو الخطوط الحمر عن الشفاه. فيما تمضي الثيابُ احتفالاتها بعيداً عن شحوم الحبّ .

الآن .. لا بدّ من تذكر الزاوية العميقة من المدفأة ،

نحن بصدد الحديد المشوي.

“ومنطق الحلم وكذلك اللعب الخاص بالالتباس موجود في الأعمال الأدبية على نحو متكرر في بعض أعمال مالارمية وفي بعض أعمال جويس217-ص”(32) فنلاحظ في نص لمالارمية(33):

بائع الزجاج

الشمس الساطعة التي تَلفظ

ألَقاً، لِفرطه ؛ صعُبٌ فرْزُهُ،

تُلقي قميصها مبهورة

على ظهر بائع الزجاج

وكذلك :

تحيّة

لاشيء آخر، يدل عليه هذا الزبد، هذا الشعر البكر

غير الكأس

تماماً مثلما يغطس في الماء بعيداً

جمع من جنيات البحر

 

 

 

 

ولجيمس جويس(34) :

سماءٌ تخلو من الطّير، غسقٌ، ونجمٌ وحيدٌ

يثقبُ الغربَ،

فيما أنتَ، أيّها القلب الكَلف، لا زلتَ على نحوٍ باهتٍ

تتذكّر أيّام الحبّ.

ونشير لشكل آخر في أعمال أسعد الجبوري ” وأصباغُ الذكريات تسيلُ ممزوجة بالفحم على طاولة التاريخ”

“حيث يتركُ السكران الجعةَ للانضمام إلى بريسترويكا الفودكا مع الأطباق التي عادة ما تلتجئ إليها آلهةُ علم الجمال.”

وكذلك” وصف فرويد للاشعور بوصفه نوعا من اللعب بين الغريب واللا مألوف ويكون التهكم إحدى آليات هذا اللعب” ” غير أن يرسل له كلبه السيكولوجي ليُشرعَ بالتنقيب عن برك الضجيج المالحة في أفلاكه العميقة” .

“ونموذج التهكم غير محسوم أيضا. أنه حاسم وذلك في الوقت نفسه,هو صورة ونموذج, ومن ثم هو صورة بلا نموذج, من دون احتمالية بالصدق من دون صدق أو زيف أو كذب إيماء لمظهر خارجي أو لتجلٍ من دون وجود,لواقع تم إخفاؤه من دون أي عالم وراءه-217ص” (34)

ألمْ تقص علينا جداتُنا الكثيرَ من زمهرير التراث،

بعدما انزلقت ليلى في معدة الذئب على وقع اللعاب هناك.

والجناةُ.. ألمْ يخطفونا كأكياس لتمتلئ بنا الخرافاتُ ؟

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     Asaad Al- Jabbouri ” Face book” Page title

https://www.facebook.com/asaad.aljabbouri?fref=nf

 

(2)     سعيد بنكَراد “السميائيات (مفاهيمها وتطبيقاتها) ط1,منشورات ضفاف/منشورات الأختلاف,2015.

(3)     Asaad Al- Jabbouri ” Face book” Page title

https://www.facebook.com/asaad.aljabbouri?fref=nf

(4)     شاكر عبد الحميد “الخيال(من الكهف إلى الواقع الأفتراضي)” ط1,عالم المعرفة,2009.

(5)     Asaad Al- Jabbouri ” Face book” Page title

https://www.facebook.com/asaad.aljabbouri?fref=nf

(6)     السابق

(7)     شاكر عبد الحميد “الخيال(من الكهف إلى الواقع الأفتراضي)” ط1,عالم المعرفة,2009.

(8)     Asaad Al- Jabbouri ” Face book” Page title

https://www.facebook.com/asaad.aljabbouri?fref=nf

(9)     محمد بنيس “مقالة بعنوان :أدونيس بين نقد اللغة ونقد الذات” صحيفة الراكوبة الإلكترونية,4/5/2013.

(10)    Asaad Al- Jabbouri ” Face book” Page title

https://www.facebook.com/asaad.aljabbouri?fref=nf

(11)    السابق

(12)    السابق

(13)    مشري بن خليفة”الشعرية العربية(مرجعياتها وأبدلاتها النصية ” ط1 ,دار الحامد,2011.

(14)    السابق

(15)    أنظر ديوان أبو نُواس

(16)    أنظر ديوان أبا تمام

(17)    أنظر ديوان أبا الطيب المتنبي

(18)    أسعد الجبوري “مقال بعنوان : مشروع للتجريب في حساسية اللغة” موقع الأمبراطور, عنوان الرابط :

http://www.alimbaratur.com/index.php?option=com_content&view=article&id=1446:2011-12-29-16-14-08&catid=17:2010-08-07-22-51-24&Itemid=19

(19)    Asaad Al- Jabbouri ” Face book” Page title

https://www.facebook.com/asaad.aljabbouri?fref=nf

(20)    السابق

(21)    السابق

(22)    السابق

(23)    السابق

(24)    السابق

(25)    السابق

(26)    شاكر عبد الحميد “الخيال(من الكهف إلى الواقع الأفتراضي)” ط1,عالم المعرفة,2009.

(27)    Asaad Al- Jabbouri ” Face book” Page title

https://www.facebook.com/asaad.aljabbouri?fref=nf

(28)    شاكر عبد الحميد “الخيال(من الكهف إلى الواقع الأفتراضي)” ط1,عالم المعرفة,2009.

(29)    السابق

(30)    السابق

(31)    Asaad Al- Jabbouri ” Face book” Page title

https://www.facebook.com/asaad.aljabbouri?fref=nf

(32)    شاكر عبد الحميد “الخيال(من الكهف إلى الواقع الأفتراضي)” ط1,عالم المعرفة,2009.

(33)    محمد الرفرافي “ستيفان مالارمية .. شاعر التغير والعدم والجمال ” صحيفة الحياة ,2014 أيار ,13 مايو ,الثلاثاء.

(34)    أشعار : قصائد جيمس جويس بالعربيّة “موقع:قديتا نت”.

(35)    شاكر عبد الحميد “الخيال(من الكهف إلى الواقع الأفتراضي)” ط1,عالم المعرفة,2009.