صار معروفاً لدى كل ذي عقلٍ مدى قوة العلم وجبروتِه وهو يجتاز بثقةٍ كل الحدودِ و الأخيلةِ حتى صار يجابه المستحيل وهذا الأمر جعل كل حربٍ معه خاسرةً، كما حصل من قبل  حين انتصر على الخرافة والغيبيات وأخذ العالمَ إلى مساحات لم يكن ليحلم بها يوماً. هكذا عزز العلم حضوره في الحياة من خلال سلسلة انتصارات وأصبح يأخذ المساحة الأكبر فيها، ومثال على ذلك مواقع التواصل الاجتماعي التي تعد ثورة في التطور العلمي التكنولوجي، نقلت العالم إلى مستوى آخر من التقدم الحضاري. بهذا الشكل أو بغيره يتشكل حضور العلم الطاغي في حياتنا التي أصبحت مستحيلة الاستمرار لولاه.

تعرف القصيدة بأنها تعبير عن الحياة سواء مباشر أو غير ذلك، بمعنى إنها يجب أن تنتبه لتفاصيل تلك الحياة التي تعبر عنها  وتحتويها  وتستوعب همومها وهذا الأمر يتطلب أن تشابه القصيدة زمكانها. ومن هنا ينطلق السؤال أين العلم في قصيدة تعبر عن حياة حضور العلم فيها طاغٍ؟ والجواب “غير موجود”.

وهذا نتيجة جهل تراكم من انحدار كبير في مستوى التعليم  إضافة إلى بعض القناعات البالية مثل “إن العلوم جامدة وخالية من العاطفة والجمال” جعلت الواحد يقتنع بحكم مسبق لم يختبره بالتجريب وهذه القناعات كرسها سوء النظام التعليمي، فلو نظرنا لنظامنا نرى انه يحتوي في مستوى ما على فرعين علمي وأدبي والمشاع في هذا السلك إن هذين الفرعين نقيضان لا يجتمعان. هذه الأسباب وغيرها صنعت قطيعة بين الشعر والعلم لم تكن موجودة في الماضي البعيد لان الكثير من علماء العرب وعباقرتهم كانوا شعراء.

في الأجيال السابقة لم يكن للعلم حضورٌ في القصيدة إلا في بعض التجارب مثل رعد عبد القادر، احمد عبد الحسين، أسعد الجبوري، علي سالم صخي وعبد الرحمن الماجدي. لكن هذا لا يعني إن العلم كان حاضراً في شعرهم بشكل قوي لأن حضور العلم في حياتهم أصلاً لم يكن قوياً كما الآن. المشكلة في قصيدة اليوم إن حضور العلم فيها يشبه حضوره في قصيدة الأمس وهذا أمرٌ خطير يجب أن يعيه الشاعر لأنه لو استمر قد يؤدي إلي زوال الشعر خصوصاً إذا جعل من العلم عدواً له، لان كل حرب مع العلم ستكون خاسرة كما أسلفت. لذلك على الشعر أن يتصالح مع العلم الذي هو عنصر ضمني في الزمكان الذي كتبت فيه القصيدة، هذا لمصلحة الشعر وضمان ديمومته.

في الراهن الشعري قلما تجد شعراء يعون هذه المسألة ومدى خطورتها ويتبنون هذه القناعة النابعة من هاجس زوال الشعر إذا ما بقي رهين أفكار رجعية تشبه الواقع الحياتي والسياسي الذي  وجد فيه لكن الشاعر لكونِه راصدا للجمال فلا بد أن ينتبه للجماليات المخبوءة في العلوم خصوصاً في الفيزياء والرياضيات وهذا ما فعله الشعراء أدناه في قصائدهم، إذ استلهموا القيم الجمالية من العلوم واستدعوها بأسلوب إبداعيٍّ فنيٍّ عالي، ليس كما حصل في السابق في الأراجيز العلمية وتجارب الزهاوي وألفية ابن مالك التي لم تحمل من معايير الشعر الكلاسيكية سوى الوزن والقافية.

حضور العلم في القصائد التالية متأتي من كون الشاعر راصدا لكل جمال وهو معني بكل ما يمكن أن يكون شعراً ذو قيمة جمالية تنافس على شغل حيز من الكون ولفت انتباهه إليها ، كما إن الشعراء يعون مسألة وجوب أن تكون القصيدة منتمية لزمكانها ومحملة بكل همومه ومشاغله لذلك نجد إن قصائدهم هذه ليست يتيمة وأنما في تجربة كل شاعر هناك أكثر من نص يحوي المضامين التي ذكرتها أعلاه، وأنا من ضمنهم كما في نصي “لا أسأل أين الجميع” المنشور في موقع (الترا صوت).

 

 

معادلة الانتظار- محمود جمعة

أنتِ أيّتها الواقفةُ على شفا حقيقةٍ:

أخاطبُكِ مِن نهاياتِ الشّوقِ،

وأعلمُ أنّك حيرةُ صيّادٍ،

يُنشِدُ الصّدَفَ ويقبِضُ الماءَ،

ويستعينُ على الجرفِ بحيلةِ الانزلاق !

يُحنّطُ جيبَه بالسّجائرِ والأصابعِ والأوراقِ …

تملؤهُ الأشياءُ الصّغيرةُ والتّفاصيلُ،

تُثقلُهُ عنِ الأخيرِ !!

والأخيرُ طعمُ البُلوغِ،

والبُلوغُ طعمُ التّشتتِ والانشطارِ إلى:

1- رجلٍ صنعتْه لحظةٌ بايلوجيّة، فكان الضّحيّة !

2- شاعرٍ مولعٍ بالكناياتِ انتهى إلى فِخاخِ اللغةِ !

3- مانحٍ أسماءَ الأشياءِ، لكنّه يموتُ بالشّرحِ !

4- عاطلٍ يكتبُ عنكِ هذهِ القصيدة !

وهذهِ القصيدةُ كُلُّ ما تستطيعينَ

السّكوتَ عنه،

موقنٌ أنا أنّكِ حيرةٌ طويلةٌ،

وأنّكِ تجيدينَ اللعِبَ بالفيزياءِ،

مثلاً:

كلّما التقطتُ يدَكِ سقطتُ

مِن أعلى التّأويل،

وكلّما تصفّحتُ دفترَنا القديمَ

وجدتُ الانتظارَ

نصفَ الوصولِ إليكِ،

وأنّ نصفَه يساوي سرعةَ الخلاصِ مضروبةً

في زمنِ الكتابةِ عنكِ …

أنا وأنتِ نقطتانِ،

ثالثُنا المسافةُ …

نسبيُةٌ أنتِ،

لذا:

سأنشدُ الماءَ وأقبضُ الصّدفَ،

وأستعينُ عليكِ بالانتظارِ.

 

__________

عتبة النص الأولى -العنوان- تحيلنا على أن القادم في النص يجب أن يحوي كفتي ميزان يفرضهما الشاعر لتبرير توازن أمرين لا يراهما الآخر غير الشاعر، لذلك توجب عليه أثبات منطقية مقصده من خلال معادلته التي أتسمت بكل معايير النظرية العلمية وتطبيقها، يبدأ الشاعر بمخاطبة أنثاه غير الأكيدة التي تقف على شفا حقيقة، لذلك شرع في إثبات حقيقتها مع علمه بأنه قد لا يجد في النهاية سوى ما لا لون له ولا طعم ولا رائحة، لكنه رغم ذلك يستمر في رحلة اكتشافه وهنا يبدأ بالتطبيق العملي لنظريته حين يقول

“ويستعينُ على الجرفِ بحيلةِ الانزلاق !

يُحنّطُ جيبَه بالسّجائرِ والأصابعِ والأوراقِ …

تملؤهُ الأشياءُ الصّغيرةُ والتّفاصيلُ،

تُثقلُهُ عنِ الأخيرِ !!

والأخيرُ طعمُ البُلوغِ،

والبُلوغُ طعمُ التّشتتِ والانشطارِ إلى…”

إذ إن حيلة الانزلاق ستمثل المبدأ العملي الأساسي وبقية الأدوات من تفاصيل وسجائر وأوراق فهي عدته العملية لتطبيق ما ينظّر له، لكن هنا تحدث صدفة تغير مجرى التجربة وتأخذنا لطريق آخر يضم استنتاجات لم تكن غاية الشاعر اختبارها لكنها ضرورية بدرجة غير مباشرة لما سيشكل قناعته الآتية، وهذي الاستنتاجات هي:

 

1- رجلٍ صنعتْه لحظةٌ بايلوجيّة، فكان الضّحيّة !

2- شاعرٍ مولعٍ بالكناياتِ انتهى إلى فِخاخِ اللغةِ !

3- مانحٍ أسماءَ الأشياءِ، لكنّه يموتُ بالشّرحِ !

4- عاطلٍ يكتبُ عنكِ هذهِ القصيدة !.

سينطلق من استنتاجه الرابع الى تأكيد قناعة سابقة كانت في حسبانه منذ البداية وهي

“موقنٌ أنا أنّكِ حيرةٌ طويلةٌ،

وأنّكِ تجيدينَ اللعِبَ بالفيزياءِ”

وكأنه عبثاً يقوم برهان خاسر في النهاية، ثم يبدأ باسترجاع محاولات فاشلة سابقة موجودة في دفتر لا يحوي سوى الانتظار، انتظار أن تكون الحقيقة حقيقة فعلاً، هنا يحصل الأمر ويتحقق الاكتشاف، لكنه ليس الاكتشاف المنشود، بل اكتشاف آخر كان موجوداً دائماً في دفتر المحاولات السابقة وهو ” الانتظارَ

نصفَ الوصولِ إليكِ”

إلا إن الشاعر غفل عنه طوال ذاك الوقت لكنه الآن يكتشف إن غايته المنشودة مستحيلة وستبقى دائماً على شفا حقيقة، لذلك وجب عليه أن يتوسع في غايته الجديدة لأنها ستتضمن الغاية الأولى لكن بدقة أقل.

 

 

 

ما يدعوا للانطفاء- سراج محمد

 

 

يمكن للعلم الحديث أن يطيح بدور النشر

والمهرجانات

والثقافة

يمكنه الآن صنع آلة للمجاز

آلة تنتج الصور الشعرية

والنصوص العالية

وجمهورا يصفق

يمكنك الوقوف أمام الآلة

وستتعطل

كما تعطلت في رأسي اللغة

ومات فيّ التعبير

وصرت شخصا مفوها بالتلعثم

شخصا ينتظر

ويتحاشى

يتهرب من سماعك

يعلم بقربك

ولا يدنو

يشعر بالشلل

والرغبة بالتحرك

أنا الآن عاشق ذو احتياجات خاصة

عاشق بقلب مدولب

ويدين لا تجرؤان على التخيل

أعرف صديقا أصيب بالايدز

من فرط التخيل

أنا الآن مصاب بالتوقف

أحدهم ضغط زر PAUSE على حياتي

وتركني أثرثر

ولا أظهر في الصورة

كأني لقطة محرجة

تجرح كرامة العائلة

فاتك الكثير مني

وأنا على هذا الحال

والوضع الذي يدعو للانطفاء

وعدم المتابعة.

هذه القصيدة تشخص المحنة، بداية من العنوان الذي يوحي بأنه سيحمل تعريف ما يدعوا للانطفاء من خلال جملته الأولى القاسية “يمكن للعلم الحديث أن يطيح بدور النشر” والتي تؤكد كل ما ذكرناه في المقدمة، هذا يعني إن الهاجس واحد وهو الخوف من زوال الشعر.

هنا الشاعر يؤكد إمكانية العلم على محو الشعر، المنجز الإنساني العاطفي الذي كنا نفخر بكونه انتصارا سرمديا على الآلة، لكن العلم جبار لأن خياله واسع وفضوله كبير وهذان الأمران جعلا المهندسين في “كوكل” يعلنون عن إمكانية صنع روبوت يكتب الشعر وسيكون متاحاً دائما للعامة. يخاطب الشاعر آخراً قد يكون هو نفسه بدرجة ما أو قد يكون المخاطب هنا هم جميع الشعراء المتوحدين في شاعر واحد أو لربما يخاطب آخر غير شاعر أصلاً، و ينبأه بأن اللغة ستتعطل والتعبير سيموت ويصبح هو متلعثماً وهذا واقعا حاصل، لان العامة تشكو من أن الشعر غير مفهوم مع اعتقادهم بأن المشكلة في الشعر نفسه وليست فيهم. وهذا ما سيجعل الشاعر يحس بأنه عاجز عن تلبية احتياجاته مشبهاً نفسه بأنه عاشق بقلب مدولب، قلب مصاب بالشلل لا يمكنه الحركة، وهذا تشبيه رائع جداً يحمل عمقاً ومعنى مدهشين. ثم يقول إنه لا يسع له سوى التخيل حتى إنه قد يصاب بالايدز لفرط تخيله لرغباته واحتياجاته وهنا ربما الخجل ما جعل الشاعر يستحضر هذه الجزئية على أنها حدثت لصديق، لكون هذا المرض سيء السمعة وهذا التشبيه فيه من الذكاء الكثير.أخيراً تأتي النهاية المغلقة المدهشة التي يفترضها الشاعر فيقول “أنا الآن مصاب بالتوقف

أحدهم ضغط زر PAUSE على حياتي”.

وكأن الكون استغنى عن خدماته، وقد أشار للعلم بــ”أحدهم” ربما لأنه سيعلم بأن اللوم سيقع عليه إذا ما اشتكى من قسوة العلم وسيلام الشاعر على أنه لم يستطع مجاراة جبروت العلم، وفي نهاية النهاية يفترض أنه سيكون خارج الصورة، صورة العالم التي كان يأخذ الشاعر فيها مكاناً مركزياً، سيكون خارجها لأن عجزه سيجرح كرامة العائلة الكونية الكبيرة وبذلك ينتهي الشاعر من تعريف ما يدعوا لانطفائه.

 

خيوط زمنية-علي رياض

 

لا مسار للدقائق

تهوي خارج كرة الزمن حيث الضياع اللا متناهي

تحت أقدامنا، الارض تنتقل أحيانا

وفي كرة زمن أخرى قد تصبح الحديقة صحراء

 

بعض الضوء يضل طريقه فيعوم

تعكس ساعات اليد بعض الأشعة التائهة

تعود إلى الوراء أو تقفز حيث لا ندري

 

اسمه “لطيف” حين مر الشتاء

ابنته في الصيف تحب أباها “جاسر”

على شاطئ البحر بنت و اباها قلعة رمل

لطيف في الحرب يقتل الكثير

ويحلم “بدنيا جاسر” التي تلعب على الرمل

 

على كوكب غريب اسمه “رينتو”

حكاية قديمة ممضوغة في فم العجوز

“إن بحرا هدم قلعة الرمل

وأغرق دنيا وجاسر في بيت على الشاطئ”.

مقعد بلا أطراف يقص العجوز “لطيف”

والممرضات يسخرن من جنون بني البشر

 

كانت الساعة السادسة والنصف

قبل أن يصرخ العراف: أن الدقائق هربت

وهُدمت كرات الزمن

 

الناس جمدوا في أماكنهم، توقفت السيارات

سكنت الطيور على غيمات واقفة

استقر الورق اليابس على نهر راكد

والكرة المركولة لم تعد للأرض

 

عباد الوقت ناموا حين ماتت الآلهة

والمجانين الذين كسروا ساعاتهم

شربوا الخمر طوال الليل ضاحكين

 

أيها النائم استيقظ، إنه الصباح

منبه الساعة يأمرك بالنهوض.

______________________

تبدأ القصيدة بتمهيد غير تقليدي مغرق باللاوضوح حتى تصل إلى جملة “وفي كرة زمن أخرى قد تصبح الحديقة صحراء” التي تحيلنا إلى فرضية الخطوط الزمنية الموازية وهي فرضية استطيع أن اسميها “ماذا لو؟” إذ تفترض ماذا لو أن الواحد منا لم يختر الطريق الذي يسير فيه الآن وإنما سلك الطريق الآخر الذي كان ضمن خياراته؟ من هنا بدأ الشاعر قصيدته مستلهماً جماليات هذي النظرية وجدليتها خصوصاً أنها تفتح ىفاق واسعة للخيال تغري كل فنان يقيده المألوف وهذا ما حصل مع جاكو فان دورميل مخرج فيلم ” Mr. Nobody” وكذلك مع المخرج الكبير كيونتن تارنتينوا في رائعته ” Inglourious Basterd”. بعدها يبدأ الشاعر في سرد قصته، وهنا ينفتح الشاعر على السرد المختزل وينطلق في روايته التي بطلتها البنت وأباها يبنون قلعة رمل على شاطئ ستهدمها موجة بحر هائجة، بينما في خط مواز آخر على كوكب اسمه “رينتو” يروي  لطيف العجوز هذه الواقعة وكأنها حادثة كلاسيكية، على مسامع الممرضات، هنا يتضح التأثر الكبير بفيلم ” Mr. Nobody” وهذا يحيلنا إلى إمكانية كتابة القصيدة الحديثة من الفنون المجاورة لكنه أمر يحتاج التوقف عنده ربما في مقال قادم. تعتمد القصيدة تقنية المشهد التي تتضمن خاصية المونتاج، ومعروف لكل مهتم في السينما بأن فلسفة المونتاج مهمة جداً ولها دور مفاهيمي كبير في تناول المشهد وتأويله لكن فلسفة الشاعر لم تكن واضحة واعتقد إن هذا أمر مقصود لكن رغم ذلك فأنها قد تتسبب في إرباك للقارئ، توجب الذكر بان شاعرنا ليس أول من قام باعتماد هذه التقنية فلسعدي يوسف قصيدة شهيرة تعتمد تقنية السيناريو.

ينتهي شاعرنا مع قصيدته نهاية مواربة تتطلب تخيل سرعة الأحداث خلال المشهد الذي ينتهي بأمر الشاعر نفسه بالاستيقاظ وكأن مساحة الخيارات تضيق فيستسلم وينهض للواقع المفروض ذو الخط الزمني الوحيد.

 

 

 

 

 

 

غابة دارون – ايهاب شغيدل

 

-1-

‏‎أُحبكِ

‏‎مثلَ قردٍ

‏‎يَعرفُ أنَّ أخاهُ

‏‎يموتُ يومياً بالسياراتِ المفخخةِ

‏‎أقولُ قرداً

‏‎ﻷنني مللتُ من الصدفةِ

‏‎التي جعلتْنا خارجَ القفزِ بينَ الأشجارِ

‏‎فكمْ سنكونُ رائعَين

‏‎لو أحببنا بعضنا في غابة

خارجَ هذا (القطَّاع)

‏‎بالتأكيد..

سيصنعُ لنا القردةُ الطيبون زفافاً هائلاً

أنا أبكي الآن

وأتخيَّلُ رقصَ أمي في الغابةِ

‏‎حتماً ستكونُ بثيابٍ سود

‏‎ماذا تخسرُ الطبيعةُ

‏‎لو لمْ تفرقْنا

‏‎عن أخوتِنا الأسلاف ؟

‏‎كمْ هو رديء هذا الانتخابُ

‏‎لأنَّه لمْ يجعلْ البقاءَ

للقبلةِ الأفضل

-2-

لمْ يتحدثْ دارون عن

كميةِ الحبِّ

التي تنفدُ بالقُبل

لمْ يتطرفْ كثيراً في مسألةِ

أنّنا نعبثُ بغبارِ النشوءِ

لنتمددَ على السريرِ

يا قردتي..

هاتِ ما عندَك من الأخطاءِ

لنؤثثَ العالمَ من جديد

ونتأنقَ كحبّتي أرز في قَدْرِ التكوين

لسنا كائناتٍ جائعةً

ربما.. صخرتان

التصقتا وكانتْ النار

أو

فقاعتان في قاعِ المحيط

مرَّ قطارُ التطورِ

وحوّلهما إلى مخلوقاتٍ افتراضية

هرولنا خلفَ دورةِ حياتنا

أنا سقطَ حذائي

لذا أبدو غارقاً في وحلِ الحبِّ

وأنتِ

تطايرتْ أقراطُكِ

لذا صارتْ أمُّكِ تشذّبُ

أحزانكِ من هواءِ العائلةِ

بكلِّ هذهِ الكثافةِ

أناديكِ الآن

يا قردتي..

بينما تقولين بهدوء:

يا كلبَ حياتي

لأعضَّ ما تبقى من

أسلافنا الحمقى …

_________________

تبدأ القصيدةِ بــ”أحبكِ مثل قرد” تشبيه غير مألوف يرقص له العقل دهشة و أعجابا، ثم يكمل الشاعر بأنه قرد يعرف إن أخاه يموت بسيارات مفخخة، وهنا تصوير بديع لمحنة الإنسان المعاصر و آلامه وكذلك حسرته لما آلت إليه الأمور نتيجة للانتخاب الطبيعي، فلولا قانون البقاء للأقوى، والأقوى هنا هو صاحب الإمكانية الأكبر على التكيّف، لكان الآن هو وحبيبته يتقافزان بين أشجار الغابة غير آبهين للهموم المستحدثة وهما بين أحضان الطبيعة الأم وهي في جذوتها وخضارها الأول متخيلاً أن الأمور كانت لتكون أسهل وأروع وينتهيان نهاية سعيدة في زفاف ينظمه رفاقهم القردة الطيبون، ثم يتحسر ويسأل كونه حاضر بشدة في راهن الحياة/ المأساة، ماذا كانت لتخسر الطبيعة؟ بعدها يتمنى لو أن القانون يتعمد البقاء للقبلة الأفضل. في جزء القصيدة الثاني يعود الشاعر بمخاطبة حبيبته قائلاً ابن دارون فاتته معرفة كمية الحب النافذ خلال مراحل التطور عن طريق القبل وهو بنظر الشاعر تصويب لنظرية دارون من ناحية رومانسية حالمة بعالم أفضل خالٍ من الأخطاء راضياً بأي كينونة فيه سواء حبات رز أو صخرتين أو حتى فقاعتين في قاع محيط، لكنه يعود أخيرا لمرارة الواقع وهنا تتبدل البيئة من خضار الغابة إلى وحل الحب، وكأن الحب الآن مرادف لسقوط في وحل أو ضياع أحلام يشبه ضياع الأقراط، ثم يعود الشاعر مرة أخرى بنداء “يا قردتي” وكأنه مكدود من رحلة الحياة التي لا يرجوا فيها سوى أن تراه الحبيبة بطريقة مستقلة عن خطأ الأسلاف القريبين.

 

في داخلك زعنفة – سجاد ابن فاطمة

 

لا تدرك السمكة ماهية الماء

وتجهلُ انها سابحةٌ فيه …

(تَفتقُ المعرفة مرتبطٌ بإنتفاء المألوف)

انتبه إلى فمها الحلقي بعد إخراجها منه

وهي تستجدي ذلك السائل المتأخر بالإدارك

صراخها المتكرر دون صوت :

ماء … ماء

ومضةٌ ينعدمُ فيها الزمن

بين ضفتيّ الحياة والموت .

 

ولادةُ الجنين

لحظةُ الإيقاظ من حُلمِ انغماسهِ

في سائلِ الرحم

مشابهةٌ لتلكَ الومضة المنحسرة بامتدادِ الموت .

ولأنَّ كل النهايات لها نقطةٌ للبدء

ربما تكون السمكة جارتنا الأقرب

في سلَّمِ التطور ؟

ربما ….

_________

القصيدة تشي بكونها تنطوي على معرفة علمية، النص في المجمل يعتمد مقاربة بين لحظتين فارقتين، الأولى هي لحظة خروج السمكة من الوسط التي كانت تجهل ماهيته وتجهل أنها كانت سابحة فيه بفعل الاعتياد ويفاجئنا النص بجملة اعتراضية، تلخص هذه الإشكالية ” تَفتقُ المعرفة مرتبطٌ بانتفاء المألوف”. يفترض الشاعر أنها قانون طبيعي مُسلم به، بعدها يقف عند فم السمكة المفتوح خارج الوسط المعتاد مستنجداً بصرخة لا يسمعها سوى الشاعر”ماء ماء” واصفاً هذه اللحظة بأنها ومضة برزخية يقف عندها الزمن ثم يقارب هذه الومضة بلحظة خروج الجنين من الرحم، وهي مقاربة ناجحة والتفاتة بديعة من الشاعر، بعدها يذكر بأن هذه اللحظة منتمية للومضة تلك في أول النص، لكن الغريب هو إن كائن اللحظة الأولى ذاهب للموت بينما كائن اللحظة الثانية متجه للحياة وهنا يحتال الشاعر ويصف الحياة بأنها لحظة موت ممتدة على عكس الومضة الأولى التي وصفها بأنها منحسرة خصوصا وإنها قد تكون المرة الوحيدة التي تدرك فيها السمكة بأنها كانت على قيد الحياة. يذكر الشاعر أخيراً إن لكل نهاية نقطة بدء مشيراً لعلة الوجود الأولى وبما أننا ننتهي نفس النهاية فلربما قد تكون السمكة هي جارتنا الأقرب في سلم التطور، وهذه الـ”ربما” في نهاية النص هي غير متيقنة من كون السمكة هي جارتنا الأقرب لكن جو النص بشكل عام مقر بنظرية دارون.

.

اختيار القصائد كان نتاج بحث طويل وفق معايير جعلتني اقتصر على الشعر العراقي فقط ولذلك لم أتناول قصائد الشاعرة اللبنانية عبير خليفة والشاعر إبراهيم المصري لكني سأفعل في مقالٍ قادم.