أسعد الجبوري
كان منطلقاً بدراجته النارية على الصراط المستطيل دون ارتباك،ومن خلفه تهرولُ
آلاف الناس حفاةً ،وكأنهم في تظاهرة صاخبة تطالب برأس شيطان عظيم.لم تكن ثمة لافتات للاحتجاج ،لا من قماش ولا من ورق .الحناجر البشرية وحدها كانت ملتهبة تصرخ ،وهي أشبه بمداخن تلفظ ناراً ودخاناً.
لم ندرك لمَ كان يحدث كلُّ ذلك الصخب وكلُّ ذلك الثوران النفسي.
إلا إننا ،وما أن أدركناه في وادي التيه بعد مطاردته على بساط الريح،حتى توقف الشاعر محمد الماغوط ،صارخاً بنا: تعالوا انظروا مسرح النار على هذه القطعة من الزمن.
أنا هنا منهمك بالصخب العظيم.ففي كل يوم أقود الناس لتحتفل ضد تراثها القديم في العبودية والأسر والضيق والقهر والإرهاب والخنق اللاهوتي.كل يوم أجيْ بهم إلى هنا،لنتظاهر ولو ذهنياً ضد السلفية التي أكلت أقدامنا على التراب القديم.
تركناهُ يتكلم بشغف وهو يبتلع دخان التبغ ابتلاعاً شرهاً،حتى هدأ قلبه من غليانه الناري رويداً رويداً،بعدها ابتسم لنا بمَكر .آنذاك سألناه عن الفتاة الخلاسية التي تجلسُ خلفه على تلك الدراجة:فابتسم وقال:هذي صاحبتي الزنجية التي اتخذتها عشيقة لي بعد أن قمت بدفع الديّة عنها وتحريرها من سجون كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني الذي كان يستأثر بأجمل النساء.على فكرة.فهذه الصبية لا تعرف العربية بعد،لكن جسدها صاحب لغة فريدة تقوم على الجمع بين اللغات،فكل حركة من أعضاءها يمكن اعتماده عموداً من أعمدة المنطلق في فهم حيوانية الأرواح الشريرة في الشهوات الجنسية
■ ولكن كتاب الأغاني الذي ظهر من ألف عام يتضمن حوادث ووقائع لتاريخ ولحضارة. وهو كتاب -كما وصفه ابن العربي: جليل القدر، كثير العلم.
_ لا أهمية للمدائح هنا. وتذكر إنه كتاب في تدوين الشهوات أولاً .ثم لا وقت عندي الآن لمناقشة الأصفهاني. فأنا ذاهب بمهمة أعظم؟
■ إلى أين أنت ذاهب يا ماغوط ؟
_ أنا ذاهب بالفتاة إلى أحواض الخمر، لتطهيرها من الأمية.
■ ألا تخشى من المدام سنية صالح ، فيما لو أمسكت بك متلبساً مع هذه الفتاة الجميلة التي خلف ظهرك على الدراجة البخارية ؟
_ لا .لست خائفاً .فسنية ما تزال متعلّقة بالأرض ولم تصل حتى الآن.وهنا لا وجود لقوانين تتعلق بالخيانات ولا شرطة للأخلاق .الله يزود الجميع بأعداد غفير من حور العين مع وصيفات ومدلكات.وليس أمام الرجال الأشاوس هنا، إلا الانتصاب والشغل ليل نهار ،خاصة وأن الوقت مفتوح ولا حاجة لأن يحمل أحدٌ ساعة بمعصمه أو يتعاطى فياغرا أو عسل الزلوع.
■ ألمْ تقلع عن التدخين بعد ؟
– ولا عن الشراب.
■كأنك مستمر على تدمير حياتك في الدنيا وفي الآخرة؟
– وكأنك تؤكد لي بأن حرائق الدنيا، كانت بسبب شرر التبغ،وبأن السموات هي الأخرى ضحية لما نستهلكه من تلك المواد الساحرة؟!
■ لا. ليس بهذه الطريقة،ولكنك تبالغ باستخدام وسائل التدمير الخاصة بالجسد.هل مَردّ ذلك هي الأمية الصحية أم ثقافة الاستقواء بالعدم ضد التاريخ ؟
– كلاهما معاً.فأميتي هي نوع من الكفاح الفطري ضد طغيان الأشياء الثقافية التي تتنافى مع بساطة النفس.أي ضد كل ما يحملنا مشاريع للسيطرة على الإنسان.لذلك أرى الموتَ أرحم من تلك المشاريع .وربما أدونيس وحده يكفي !
■ أدونيس وحده يكفي بماذا ؟!
-بالأدونيسيات التي شاب رأسي منها.
■هل كان شعرهُ عائقاً يحول دون التواصل ما بينكما؟
-كنا على تناقض دائم ولو بشكل سرّي .هو يحرثُ بحثاً في العدم اللغوي والجوائز والعلاقات الماورائية دون تعب،وأنا أحرثُ في الطين مُتَسَليّاً ،أتسكعُ مع الحشرات والزهور والخراف.
■هل معنى ذلك أن ((عديلك)) العائلي أدونيس أفندياً في الشعر،بينما أنت صفرٌ في مملكة الصعاليك؟
-قد يكون ذلك صحيحاً،ولكنني أشعلُ في النصوصّ ناراً دون الاستعانة ببنزين،بينما يستعينُ أدونيس بكافة المواد الحارقة التي تسهل إنارة نصوصه أمام القارئ،بدءاً بكريم الفازلين وانتهاءً بقنابل تصريحاته الفراغية التي تنال من الحوادث والأحداث المستمرة في أمتنا ،أمةُ الأزمات .
 
*
((كواليس بريد السماء الافتراضي))