أسعد الجبوري

لم يكن قدره أن يكون كاتب مسرحيات،تعلمها من الآلام والخيانات والجوع والمرض والصراع الكوني على العروش،بل تعدى دورهُ خشبة المسرح،ليكون منصة شعرية للغناء المبثوث مع الريح في تلك الفضاءات التي قضت الأوضاعُ أن تختبرهُ لغةً وتمثيلاً وتعبيراً في ما يُسمى بناء العالم كمسرح شمولي .

كان موعدنا مع وليم شكسبير في منطقة تُسمى بـ (( خيمة الحياة)) بعد منتصف الليل.وحدث ذلك دون عقبات.فما أن وصلنا إلى هناك على ظهر ذلك الزورق الإلهي الذي يشتغل بطاقة التنفس ،حتى وجدنا المسرحي والشاعر وليم،وهو يدخن الأركيلة بصحبة عشرات الفتيات الساحرات اللائي كنّ يحتسين معه الجعة بانتعاش واضح.
لم تمنعنا تلك الطقوسُ من إجراء الحوار مع الرجل الذي سرعان ما طلب من الفتيات التزام الصمت أو الذهاب إلى حقول الغيوم المغناطيسية .أصابتنا الدهشةُ مما كان يجري حول شاعر مُمَسرحٍ مثل شكسبير في تلك الأثناء .لذلك لم ننتظر طويلاً .
فتحنا معه الطريق إلى الحوار بالسؤال التالي :
■ عندما اخترتَ الأرضَ مسرحاً وجودياً لمخلوقاتك المتنافرة.كيف عشت معهم هناك ؟
ـــ يوم كنت ممثلاً ثانوياً ،لم أدرك بادئ الأمر،إن المسرح الذي صعدتُ على خشبته،سيتحول فيما بعد إلى سرير شعري في الجحيم.
■ لماذا حدث ذلك،هل بسبب اللعب بجرائم الوقائع ؟
ـــ ربما.فلم يصمد عقلي من صدّ موجات توسنامي التي كانت تحمل لرأسي أمواجاً من الجرائم النائمة في أعماق البشر.
■ هل من أجل ذلك أطلق عليك بـ ((شاعر الوطنية)) و ((شاعر أفون الملحمي)) على سبيل المثال؟
ـــ لا.ليس من أجل ذلك بالطبع،إنما لأنهم اكتشفوا بداخلي تلك القدرة التي تستطيع تحويل بذرة الآمال السوداء إلى زهرة رومانسية قابلة للزراعة في النفس وفي التربة على حد سواء.
تعال لأقول لك ما لم أخبر به أحداً من قبل: ليس في شرايين بريطانيا سوى القيح ،لأنها الدول الوحيد في الالم التي دون قلب.ذلك لأنها استبدلته بخزان وقود .ثم أي وطن انكليزي تريدني أن أتحدث عنه بعيداً عن الجرائم.بريطانيا هي الرحم الشرعي لنشوء الفيروسات وجميع أنواع البكتريا في الوجود،لأنها المسؤولة عن كلّ فواجع العالم وكوارثه.وهي التي عَلّمت أمريكا أصول تعذيب الأمم واحتقارها وتدميرها ،سواء أكان ذلك في اليابان أو العراق أو فيتنام وبقية مناطق العالم ؟
■ هل السيد شكسبير مؤمنٌ في معتقده الديني ؟
ـــ الديانات بالنسبة للانكليز كوميديا سوداء .وأنا لم أضع قدمي على باب كنيسة .وإذا ما كنت مؤمناً،فأنا أعرف متى أقيم له الصلوات وفي أي مسرح وأين.
■ أليس هذا تجديفاً ؟
ـــ الحكي عن القتل والصراعات الدينية والمآسي التي ترسخت في العقول ، لا تعد تجديفاً أو كفراً.بالعكس.فالربّ يأمرك أن تفتح في رأس الطاغوت نافذةً للتنفس.وإن استعصى الأمر عليك،فيكون من الأفضل رمي جمجمة الظالم بحجارة أو بسهم .
■ هل من أجل ذلك نقلت مآسي هاملت وعطيل والملك لير وما كبث إلى روح الإنسان الشعرية على الرغم من شراسة الشر ونموه في الداخل البشري العميق؟
ـــ أجل.وكانت غايتي، أن أهزّ شجرة الرماد التي كانت قبل ذلك جسداً آدمياً مملوكاً للآلام والخراب والتسويف والقهر والإرهاب .
■ لماذا تظهر الحياة كما لو أنها كوميديا تراجيدية برأي شكسبير ؟
ـــ لأن الجنازة المرمية على الأرض،لا تنبعث منها رائحة الثوم،بل الزفير الحارّ للدم المهدور بالمجان .الأرض،ومثلما بدأت بجريمة مبكرة ما بين هابيل وقابيل،سوف لن تنتهي إلا بالموت الجماعي.
■ القنبلة الذريّة تقصد؟
ـــ لو كان عند عطيل قنبلة من ذلك النوع،لاستخدمها بقتل الوحش الذي كان داخل نفسه، بعد أن اتضح له بأن تدنيس طهارة زوجه ديدمونه، كان عملاً مدبراً من قبل القائد كاسيو .وما كان عليه خنق حبه أبداً .
■ هل يمكن تطهير الخطيئة بالشعر ؟
ـــ خطايا الحب فقط .
■ لماذا خطايا الحب على وجه التعيين .هل في هذا الاستثناء ما يقود إلى شئ هام؟
ـــ أجل.فالشعر قلبُ الحب وجلدهِ بالضبط.وكل خطيئة حبّ ،سرعان ما تكبير في قلب العاشق،لتخرج بعد ذلك من مسام جلده،وإلا الانفجار والهلاك.
أسعد .سأخبرك بشئ خاص يتعلق بأيام عزلتي في قلة هلسنغور الدنمركية التي سبق لك وأن زرتها ونظرت بوجه تمثالي الذي كان منتصباً هناك: أنني شبيه شكسبير ليس إلا. إما الأصل ،فلا أعرف من اخترعه ؟!!

**

((طقوس وكواليس بريد السماء الافتراضي))