ألبا

في الحارة الأولى من ألبا، الطيور تتقافز في السماء مثل الحجارة. في الحارة الأولى، تلك التي تواجهنا أولاً ونغادرها في الأخير. هنا ترفض المرتفعات أن تكون متحدّرة. هنا، مدّة المسارات دائماً عشر دقائق. المسارات جميعها. مهما كانت المسافة ووسيلة النقل. كيفما كانت وتيرة الخطو، أو سرعة المحرّك. دائماً عشر دقائق. في حارة ألبا الأولى.

هنا تنمو الأشجار عارية. عناقيد العنب تهب الحياة وتشيخ في بضع ساعات. يمتزج العصير واللب في ثوان. في بعض الأحيان، في أيام الإزهار الهادئة، الغيوم تهوي حتى تصل إلى القاع، غائصة في البحر، في البحيرات، في الكؤوس. مع ذلك لا يهطل المطر، و تظل العبوات ممتلئة.
الشيء الوحيد المؤكد؛ أن الظلام يحلّ هنا
يحلّ غير مكتملٍ
وبالتالي؛
كلّما كنا صغاراً
كلّما رأينا مزيداً من الشموس.

في هذه الساعة تتنفس ألبا ملء نومها العميق المهيب
هنا، الحجارةُ صلاة
والإنسان خيط من المعجزات
مطرّز في الوداع

هذه الفتاة التي تُدعى ألبا
تهرع كل صباح لمرآتها
لتسأل التجعيدة الرفيعة
كم كانت ليلة الأمس طويلة
وإلى أي مدى
سافرت في حلمها.
■ ■ ■
إثنين الكلمات

اليوم الأول
في أحياء ألبا
إعداد الماء في الغلاية، لا يغلي سوى الماء فقط
في جوف اللغة
حيث تركُد الكلمات
الكلمات التي لم تخطها يد بشرية، الكلمات
المرسومة على الجدران، الكلمات التي لم تُجرّب بعد
في الماء
في البخار
وإعداد الإبريق
إنما يغلي الماء فقط
بينما نتعلّم كيف يتسق ما يتضاءل
استقامة T وP كيف تُفقد
سقفهما
كيف يتم اقتلاع حرفي Z وY
كيف تنتهك أحرف العلّة
كيف أن اللغة غليان
قربان الصامتين
لهؤلاء الذين امتنعوا عن الكلام.

في الحي الثالث من ألبا، تحجب النسوة وجوههن،
وفوق الحجاب تبدع المرايا الصغيرة المطرّزة معاً انعكاساً كثيفاً. صورة متغيرة،
مراوغة، ومتواصلة. فتحتان تفسحان مجالاً
للنظرة، للعيون. عندما تريد مشاهدتها، لا تستدل سوى على وجهك،
هنالك حيث كان ثمة وجه في الأمس البعيد، هنالك يوجد وجهك بالفعل. وبالتالي؛
ثمة عينان تنظران إليك، في
الحي الثالث من ألبا، الوجه في مواجهتك.

في الحي الثالث من ألبا، هنا كل صباح
يذهب الرجال إلى البئر، ويسحبون دلواً مليئاً
بالدم، قادماً من الأعماق السحيقة. ثم يعودون
إلى بيوتهم حاملين الدلو بخطى متباطئة، مسحوبة.
يتركونه في الخارج أمام الباب. ويفتحون جميع الصنابير
ذارعين غرفهم لتزجية الوقت وبحثاً عن السلوان، هامسين
بعبارات غامضة.

سطوح زرقاء تسحب المباني نحو السماء، الجدران بأكملها
تستدق فيما تباشر صعودها، كما الدخان.
هنا يتحوّل اللون إلى شكل. وعندما تتحد الألوان الزرقاء،
يتلاشى الأفق. لا بد أنها ليست مقايضة سلسة.
خاصة في الأيام الممطرة. في مثل هذه الأيام. يهطل المطر مباشرة
داخل المنازل. وكل ما في الخارج يظلّ
لسنوات ظمآنَ. الأماكن، الزوايا، الحقول، الزوايا، الشوارع.
تقدّمْ في ألبا، في شوارعها
وهوائها الطلق الواقي من المطر. متكتماً بقدر ما تستطيع
بشأن السحابة المتوارية التي تخبئها في جيبك.

هذه الفتاة التي تدعى ألبا
في الضوء الخافت
بملابسها التي سقطت مثل حكم قضائي

على جلد هذه الفتاة
لمستُ بلا سابق إنذار
كل من لمسها قبل الآن
■ ■ ■
سبت الأرواح

لا يزال السبت في الخارج
فيما تكييف الأشياء يأسرني
فأقيس الدماثة بالولاعات المسروقة
أيتها المدينة المليئة بالسبت
أعدّ أيامي على أصابعك
يا سبت الأرواح
في مدينة ألبا

سكان ألبا القدامى
في كل فجر يغطسون أيديهم في المرآة
لكي يعيدوا الأشياء إلى أماكنها
يضعون كل ما على يمينهم، يميناً
يضعون كل ما على يسارهم، يساراً
محاولين إعادة ترتيب
ما يوجد في وضع مقلوب

هذه الفتاة التي تدعى ألبا
تغمس الآن قطعة من الخبز
في وجه الرجال
حتى يتشرب اللباب
أصواتهم التي يلتهمها
حتى الصمت
■ ■ ■
أحد النهاية

في هذه المدينة أولئك الذين لم يولدوا بعد
يمتلكون نفس المكانة التي للموتى. الجوهر ذاته، المثقال ذاته،
كذلك مثل جميع أولئك الذين غادروا،
العائلات تحب وتكره، تبكي وتتذكر
كل أولئك الذين لم يأتوا بعد. ثمة لحظات
لأفراد العائلة الذين لم يولدوا بعد، لحظاتٌ لجميع هؤلاء
الذين لم يجيئوا بعد، لحظات لكل هؤلاء
الذين لن يولدوا أبدا. بهذه الصورة، سكان ألبا
يتواجدون بين الجديد و القديم،
تماماً في قلب الزمن. إنهم يصورون لأنفسهم
كشرط مسبق للوجود
ما ليس موجوداً. و كشرط مسبق للوجود
ما كان موجوداً منذ أمد بعيد. الحاضر المعاش
في مدينة ألبا حصراً ذاكرة؛
ذاكرة للمعيش وأيضا ذاكرة للذي لم يُعَش بعد

في ألبا، الحاضر هو الزمن، واللحظةُ العمرُ أيضاً.

الفتاة التي تدعى ألبا
تقف الآن هناك
منتصبة
في مركزية الأشياء
بمفردة واحدة على الأقل
* ولد Thomas Tsalapatis في أثينا عام 1984. درس المسرح في “جامعة أثينا”. من مجموعاته الشعرية التي ترجمت إلى الفرنسية؛ “شروق الشمس مجزرة يا سيد كراك” (2011)، و”ألبا” (2015). كما نشر كتاب مختارات من قصائد الشاعر الإيرلندي ويليام باتلر ييتس ترجمها إلى اليونانية. تسبح قصائد تسالاباتيس في أجواء عجائبية عبثية، وتتقدم بسخريتها السوداء في عالم يفتقد إلى المعنى، حيث يتهاوى كل شيء، ويسود الالتباس واللامعقول.

** ترجمة: ميشرافي عبد الودود

((العربي الجديد))