واجه الحداثيون معطيات الواقع، وكان الواقع أشد تأثيرًا على البنى الارتكازية للفرد، سواء النفسية أو الفكرية أو الثقافية أو الاجتماعية، فقد نظم الحداثيون فعلهم التجديدي على إعادة النظر بمفهوم الوعي للثقافة، لتشكيل الرؤى الجديدة التي من خلالها يحدث التغيير المطلوب، وكان ذلك تحديا جذريا على كافة المستويات بما في ذلك طبيعة المستوى الإدراكي.
ولا شك تاريخياً أن الفترة ما بين (1850- 1890) هي الفترة الخصبة، التي حولت الشعر من مسارات لأخرى وطبعت الأدب الفرنسي بطابعه الخاص عموما والشعر خاصة، ومن قبل رواد الربط الثلاثي بودلير- رامبو- مالارميه، لتتشكل بعد ذلك أوروبا الشعرية الجديدة عن طريق ريلكه واليوت.
كان اليوت قد ولد عام 1888 في مدينة سانت لويس من ولاية ميسوري ودرس في جامعة واشنطن ثم هارفارد عام 1906 وفيها درس الفلسفة، وكان قد قرأ في باريس الأدب الفرنسي وأعاد قراءة الفلسفة في السوربون، ثم عاد لأمريكا وأكمل دراسات أخرى له في هارفارد. وقد امتدت دراسته إلى جوانب معرفية متنوعة كان آخرها دراسته اللغة الهندية والسنسكريتية وطاف ألمانيا، ودرس في أكسفورد الفلسفة الإغريقية. وكانت رغبة اليوت العملية تتوق للعمل في البحرية الأمريكية وقد حالت حالته الصحية دون الولوج لهذه المهنة، فعمل في البنوك وفي الصحافة والمجلات الأدبية، ولكن جل حياته بعد ذلك قضاها في لندن.
نشر اليوت العديد من المجاميع الشعرية والنتاجات النقدية، ففي مجال الشعر نشر«بروك وملاحظات أخرى” عام1917 وفي عام1919 نشر مجموعته الشعرية «قصائد» وقام بدمج هاتين المجموعتين في مجموعة واحدة وأضاف إليهما بعض النصوص وسماها «لذا أناشدك». ثم قدم اليوت مجموعة شعرية جديدة اعتبرت واحدة من المجاميع الشعرية الفريدة والمتميزة، التي لاقت قبولا ورواجا في الأوساط الأدبية وسماها «اليباب» فنال عليها جائزة ديال عام 1922.
قدم اليوت إنجازات شعرية أخرى من خلال”آلام سويني- أربعاء الرماد- بيرت نورتن- وأناشيد الجوق” بين الأعوام 1927- 1934 ثم توالت بعد ذلك مجاميعه الشعرية ومنها “جريمة قتل في الكاتدرائية، واجتماع شمل العائلة والرباعيات الأربع وحفل الكوكتيل”. وتزامن ذلك مع ما كتبه في مجال النقد ومن نتاجه النقدي الذي لا يقل أهمية عن نتاجه الشعري «الغابة المقدسة» و«من أجل لونسلوت أندروز ودانتي» وكتابه النقدي المفيد والممتع «فائدة الشعر» وبحثا عن آلهةغريبة.
كان اليوت، حسبما يشير إليه إحسان عباس يبحث عن معادله الموضوعي ويستعلم من عوالم الأرواح والأشباح ما يمكن أن يربط به التجارب السابقة والمتنوعة في الأساطير واستبياناته التي أراد بها أن يصل إلى مرتكز ديني ما في محاولته الشعرية للبحث عن الكفاح الروحي:

بعد الشعلة الحمراء على الوجوه الناضحة بالعرق
بعد الصمت الصقيعي في الحدائق
بعد العذاب في الأماكن المصمتة والصراخ والبكاء
والسجن والقصر وتردد صدى البرق فوق الجبال النائية
من كان حيا قد غدا ميتا
ونحن الذين كنا أحياء
هل نحن نحتضر
بصبر قليل
إن استقراءات اليوت في هذا النص ونصوص أخرى تكشف عن طريقته في التمعن في لحظات التضحية والخلاص، ولا شك في أن اليوت قد وجد أنه لا بد أن يكون لكل شعر ما يميزه، خصوصا في القصائد الطويلة، وبالشكل العام فقد عمل اليوت في شعره ضمن مسارات عدة من بينها مسافات وحجم التنبيه الإدراكي، والتركيز والتكثيف الصارم ودعم المحتوى البنائي أثناء التكيف السردي، والإيقاع والموسيقى، الذي يرى فيهما بأنهما يكفلان للشعر وحدته، وكذلك إيمانه بأن النص يجب أن يبنى بعناية وغايته إحداث الأثر الكلي وتنظيم العبث والفوضى وإعطاؤهما شكلا ومعنى. يعود إحسان عباس ويرى أن كل ما ذُكر من الصفات الشعرية لاليوت تجتمع في موعظة النار:
تعلقت آخر أنامل الورقات
متمسكة بالضفة البليلة
مذ غاصت
وعبرت الريح الأرض الداكنة بدون رفيف
وارتحلت الحوريات
أرفع صوتي
ولا أطيل كلامي
ولكني ومن ورائي
في عاصفٍ باردٍ
أسمع
قعقعة العظام
وقهقة تُنقلُ
من أذن لأذن

المهم في كل هذا، هناك اشتباك ما بين الصور البصرية والصور التخيلية وتفصيلات بجزئيات يحصل عليها الشاعر بعناية، ووصف صائب محكم ومحدود وقطعا ومن خلال دراسة اليوت للفلسفة التي أثرت في شعره، فإن تأملاته الفلسفية المعقدة كانت تطوع أشد الصور حسية في محاولاته للتعامل مع الروحي وجلبه إلى عالم الواقع المنظور وقد هيأت له إمكانياته الشعرية ورؤيته عن مستقبل الشعر أن يبدأ برسم خريطة أوروبا الشعرية الجديدة.

٭ كاتب عراقي

http://www.alquds.uk/