باريس ـ «القدس العربي»من سليم البيك:

هو أكثر الأفلام ذاتية وأوتوبيوغرافية، حيث يروي تاركوفسكي فيه سيرته، وأكثرها شاعرية وتجريبية وأقلها حكائية، وأكثرها عصيا على الفهم، وبالتالي أكثرها تفاوتا في التقييم، أبرزها كان تصنيفه بالمرتبة 19 في لائحة مجلة «سايت أند ساوند» لأعظم 100 فيلم في التاريخ.
التجريبية هنا تأتي في بنية الفيلم، في سرد حكايته، في الشعرية البصرية التي تُنقل بها هذه الحكاية، فتاركوفسكي معروف بشعريته البصرية، وهذا الفيلم هو المثال الأفضل على ذلك، في تداخل مستمر، من أول الفيلم إلى آخره، بين الواقع والأحلام والذكريات، بين الأزمنة التي لا تكف عن التنقل في ما بينها، بين الشخصيات ومراحلها العمرية المختلفة، وهي هنا تتركز على الأم وابنها، أما الأب فجل حضوره يكون من خلال تأثير غيابه المادي عنهما.
الأزمنة المتداخلة هنا يمكن تقسيمها إلى: الطفولة في الريف، الحرب العالمية الثانية، وعالم ما بعد الحرب، تكون الأم فيها كلها البطلة، لوحدها. والزمن عنصر حكائي هو من بين أكثر ما تميز به الفيلم.
لا تأتي المتعة هنا من إدراك أو متابعة ما حصل، بل بمشاهدته كما هو، والدخول في أجوائه بدون اللحاق بقصة ما، لأن اللحاق بالقصة يكون مرتبطا عادة بمسار يبدأ ويتطور وينتهي، إنما نحن هنا أمام شظايا غير متتابعة، ولا حتى ذات صلة ببعضها موضوعيا، ولا بطبيعتها، فبعض المشاهد يأتي مرفقا بقراءة شعرية (من شعر والد المُخرج وبصوته، هو شاعر معروف في روسيا) وبعضها مشاهد من الأرشيف وبعضها مشاهد تأملية وبعضها مشاهد بصوت خارجي (فويس أوفر) وبعضها مشاهد بشخصيات وأحاديث، وهذا كله يأتينا عبر راهن الطفل وعبر ذاكرته، مع اختيارات مرهفة لموسيقى من باخ، إضافة إلى أن قسما من الفيلم كان بالألوان وقسما بالأبيض والأسود، في تواتر بينهما، وقد قُسما زمانيا وليس مكانيا كما هو الحال في فيلمه «ستوكر» الذي تلا هذا الفيلم بأربع سنين.
قد لا يكون من اليسير إدراك الفيلم من المشاهدة الأولى، بسبب كل هذه التداخلات المتعلقة بالأزمنة، نضيف إليها لجوء تاركوفسكي إلى الممثلة ذاتها (مارغاريتا تيريخوفا) لأداء دور والدته في زمن طفولته وزوجته في زمان لاحق، ثم تداخل الخاص بالعام، ذكرياته الشخصية هو في سياق ذكرياتٍ عامة هي المشاهد الأرشيفية المتعلقة بالحرب العالمية الثانية، والممثل هو ذاته الذي أدى دور تاركوفسكي الطفل في أربعينيات القرن، وابن تاركوفسكي في ستينياته.
إن كان لا بد من حديث عن «الحكاية» هنا، فهي، ومن خلال ما تم ذكره أعلاه من تداخلات: أندريه تاركوفسكي الطفل الذي سيصير سينمائيا، يموت أبوه الفنان الذي لطالما كان غائبا عنه وعن والدته، وقد نزحت مع طفلها إلى الريف من موسكو تفاديا لاحتمالات الحرب هناك. يكبر الطفل نفسه ليكون رجلا بعلاقة غير مستقرة هي الأخرى مع زوجته.
في الفيلم مشاهد صارت من بين الأكثر اقترانا بتاركوفسكي وأفلامه، منها جلوس والدته على حافة البئر تنظر إلى بيت يحترق بالكامل، منها شعرها المضموم على بعضه خلف رأسها، زوجته المستلقية في الهواء فوق السرير، زوجته نفسها أثناء غسيل شعرها وانهيار السقف خلفها، والعديد من المشاهد التي لا يجد أحدنا لها تفسيرا واحدا أو حاسما، وقد كانت وظيفتها في الأساس بصرية، جمالية، تأملية، هي تماما «صور شعرية». لا نقول تأتي على هامش السياق السردي للفيلم، بل هذه المشاهد هي المكون الأساسي للفيلم، الذي تأتي المشاهد ذات الطبيعة السردية، على هامشه، وقد قلب تاركوفسكي بذلك منطق السينما وجمالياتها.
الفيلم «إذن مبني على الوصف» أكثر منه على السرد. والوصف هنا، في السينما، يأتي بصريا، الصوت فيه يأتي بلا معــــــنى، أي أنه أساسا أصوات ما نشاهده وليس كلاما بمعنى، وكثير منها أتى بمشاهد بطيئــــة أطالت زمن الجمالــــيات هــــذه، أطالت زمن إدراكنا لهذا الوصف بدون أن يطيله هو.
هنالك إحالة للأدب في هذا الفيلم، في توصيف عمل تاركوفسكي عليه بأنه المقابل السينمائي لـ«تيار الوعي» في الأدب، حيث التداخل والتداعي بين مشاهد لا رابط حكائي بينها، تماما كالذكريات التي تأتي كصور لا علاقة لها ببعضها بالضرورة. لذلك وصفنا العمل بالتجريبي في السينما، ولذلك نال تقييمات متناقضة.
يأتي الفيلم الشعري (القصيدة السينمائية) في المنتصف ضمن سيرة تاركوفسكي الفيلمية، وهي كذلك نقطة انعطافية إلى سينما أكثر شعرية وتجريبية وذاتية ونضوجا، ولكل ما ذُكر أعلاه ولأن الفيلم هو الأكثر شعرية كان لا بد أن يستغرق زمنا أقل من باقي أفلامه، 107 دقائق فقط.