يأخذ صمت الأشياء الشاعر وهو يمسك بناصية القلق على رؤوس الكلمات، إنه يتلطف في العودة إلى ذاته، لأنه يهمل الممرات العتيقة كلما اقتنص لحظة في جوهر ما يقول، كلام الشاعر سطوة الذات حينما لا تركز سوى على نباهات التمرجع فيها.
الشعر إذن، سحر ذاتٍ لا تدرك سوى إنها غابة من علامات وبقايا وجود غامض، كلما اتسع مدى الكينونة وكلما صعب المسار إلى المعنى، إلى الشيء المبحوث عنه، لذلك لا تحتمل اللغة قلق الشاعر، فتتعدد مستوياتها/أطيافها وينتشي فعل اللعب عند الشاعر على مغامراتها، لأنه لا يملك سوى طريق ملتبس إلى ذاته، وهذا بخلاف الروائي الذي يتشكل عالمه من روضة الكينونة، التي تملؤها اللغة من حيث هي المعرض القريب للشخوص والأشياء والأمكنة المتعددة والمختلفة، الرواية هجرة الروائي إلى العوالم، أما الشاعر فهجرته إلى ذاته، إلى أعماق الغموض داخل متاهة البلاغة الذاتية.
«بلاغة الهدهد» في أفق الشاعر نورالدين مبخوتي هي المتأخر الإنساني الذي تبحث عنه الشعرية، فالهدهد يمثل عمق الذات الشاعرة في صحائف النص/المرجع المتاح فصلا في ذاته الوجودية وفي التاريخ، إنها اللغة حين يتجلى معناها على لسان الشاعر كفواصل للمعنى، لكنها أيضا هي الغموض حين يسترجع الشاعر ميقات اللحظة الهدهدية، وهي تتشكل كأفق للدلالة يكشف حقيقة اللغة في واقع الحال. البلاغة إذا في مراس الحدث اللغوي لدى الشاعر هي التعدد الكامن بين الإدراك القريب لفاكهة الكلمات، والمتن اللاهث خلف سراب المسافات، لا إدراك اللغة:
«وأشتق عراجين لغاتي/ من كهوف امرأة نجلاء/ قد أعشب فيها منطق الطير»، فالاتساع في المرأة هو اتساع كهف اللغة، ولا يدور في الكهف سوى غرابات ما خفي عن منطق الوجود ـ في ـ العالم بتعبير هايدغر.

سقف الغموض.. الوردة/اللغة:

يحتفل الشعر بالوردة التي لا يمسها سوى الاحتفال: «سوف يلتقط الآن/ما قاله الله للوردة»، ينثال الكلام من سقف الغيب سؤالا سرمديا، متبرئا من رسوم ما نفهمه ونتعلق به كبلاغة، يردم الشاعر هوة الفراغ المؤدية إلى العالم ليتعلق بجسر ذاته، ليس احتماء بل تعرية للغة التي تطوف الشارع والشرفات المطلة على اليومي: تحرك أزرار عينيك/مرتين في الغسق/تبتل حتى ترى وردة الله»، هناك حيث المعنى يأخذ مداليل الغيب، تتفجر الكلمات كالوردة التي لا نراها، لأن مسارها أعياه الاعتياد، وحين تقترب الشعرية من أسوار ذاتها لا تلتقط سوى غموض اللحظة الطاعنة في الدهشة بمتاهة اللغة، العمق المتخلل غاب الذات لا ينكشف بسهولة، لأنه ينفلت من ورد الحدائق ويتعلق بوردها (الذات) حيث: «الوردة الغجرية تدني المباهج/من كائنات لها سطوة الجان»، كينونة اللغة تأخذ كينونة الذوات المتعلقة بما يسطره الغموض لها في أفق الذات، لكن دوما هناك لحظة للتوافق بين الشعرية والمكان، الذي يؤرخ له الورد كمعيار للدلالة على ما هو فوق المنطوق به في عالم اللغة: «تعرج/تاركا كروان الخراب/يناوش بوح الحديقة»، العروج انفصال، لكن لحظته تؤثث حضور كينونتين عالقتين في جسر التناوش، هل ما تردده الحديقة نقرأه في عيون كلامنا المعتاد؟ للحديقة في منظور الشاعر «بوح» يضايقه خراب اللهجة وهي تمتص أسئلة الكروان/الشعر، العروج وحده فرصة لبلوغ الكتمان حافة الانكشاف.

السكوت.. وجد اللغة/تجلي النهايات:

الأيلولة إلى الهدهد كرست مسار الغموض في مرج الأرخبيل اللغوي، فالذات لا تعرف طبيعة منطق اللغة عند الهدهد: «هدهد سقط الحبر من هدبه»، فحبر الهدهد ماذا سوف يكتب؟ والهدب كيف يرى؟ لكنها استدلت عليها من خلال الذاكرة/المرجعية (النص القرآني)، وبالمنطق ذاته تمعن الشعرية في الحفر في هذا الأفق الخارق، وتسترشد بالنمل/اللغة، فالنملة المرجعية قالت، والقول تمرين اللغة، لكن مقول النمل أساس مجهول في معادلة الإدراك الشعرية، لذلك يصبح كل من النمل والهدهد معادلين موضوعيين لموضوع الغموض، ولأن الغموض مرسم اللغة، وفرشاة العنف في استدراج ألوانها، كان اللعب في مرمى «المقام» أحبولة من تشاهي الغوص في عدم المعنى: «قلت: يا زين كيف يعانق/هذا المريد البشوش/عباءته»، كيف يتعلق الصوفي (المريد)، الفقير إلى الرقص على جباه التيه، السائر إلى الأعلى في عطش المعرفة بما يستره وهو شاعرٌ في عمقه بالعراء، العراء أثمد اللغة، وسر تسامي المُريد، المتعطش إلى أسرار الكشف عمن يشد بيده نحو منابع الحقائق، تلك مسطرة اللغة التي تبدأ عند مقول النمل الثابت بالمرجعية، المجهول في طبيعته: «إنها السكتة/جبروت/ ومتراس/يغرسه النمل في قهوتي»، فنجان يستثمر فيه الشاعر، الوقت يدحرج «السكتة» نحو هنيهة الخطف في مذاق القهوة ولون الفنجان، والوقت المزمجر بين رحيل الشاعر وانجدابه نحو تماثيل الظهور في النبتة/النشوة والخزف، المشروب والماعون، تلك هي الرجفة الصاعقة للكلمات في انمحائها وانبثاقها من صلصال اللغة المصقولة بماء الحياة والمدارات الهاربة من تدجين المواقيت المسجلة في دفتر الشروط: «آن للطير أن يفلح التوت غيما/وآن التزلج في الوردة»، يصير الغيم إلى التوت، أم التوت يصير إلى الغيم؟ إنه الشارع الخلفي للمسارات المجهولة التي يرتوي بها عطش الشعرية إلى جهة الموعد المنشود الذي تصير فيه الوردة طريقا سهلا نحو سر وجودها، نحو الخيال اللاقط لتفتحها في الداخل قبلا على كينونة الخارج المفضوح، حيث تفيض الشعرية بسرمد الرمز، وجد اللحظة/التيه: «أشطح في الجب مصباح أفعى»، إذ تتلوى الأفعى تصير إلى شطح المريد، تكتوي بنار الزحف نحو مآلات المنتهى. إذ تصيح هل تغني ضوءا كالمصباح، إنه الخوف الشعري الجواني من مآلات الانتهاء إلى فوضى التحقق عند عتبات المعنى/ الوجد، مصباح الأفعى عطش الزحف/التعب في سرمد الوقت حتى الوقوف على تجلي قَدَر النهايات.

البلاغة/التيه.. مرصد «ما يسطرون»:

حين كتب غاستون باشلار الفيلسوف للوي غيوم الشاعر في إحدى رسائله: «آه! كم يفكر الشعراء جيدا»، كان يدرك ذلك الممشى الحائر الذي يقود خطى الشعراء، إنهم لا يمشون، فقط يعلقون الحيرة على الخطى ويعودون صوب ذواتهم بدون علامات، كل العلامات لديهم تنمحي ليسود المتاه المسيج باللغة/الحيرة: «بدو مشوا في متاه»، هي الصحراء إذن، منسج الكلمات الهابطة من سماء نجم الرعاة والصاعدة إلى المدلول الأخير المترامي الأطراف على ساحل اللانهائي في كينونة الداخل، متاه الداخل الشعري، الذي يصدره الشاعر للمتلقي كحلقة في مسار البحث، الشاعر يبحث عن شيء ولا يجده سوى في عراك غموض اللغة، التناوش بين العطش والقافلة المنتشرة على بقاع فقدان الدال والمدلول، هناك ليس من شيء سوى الرمل سيد العطش، اللغة بداية المتاه: «وتكلم هذا المديد/من التيه»، الخروج من العلامة إلى اللاعلامة، إلى جهة في اللاشيء العابر نحو معنى مرتجى، لكنه في سقف الحتم المماحك لإرادة قاضية: «أو كفن قد أطاح به الجسد»، لعبة الجوار بين الحياة والموت، الموت حين يصير امتدادا للحياة، إنها رغبة اللغة في أن لا ينتهي حراكها نحو البدايات المستمرة في الدهشة الطالعة من جوانية الشعرية، المغرمة بالكلام/التعبير/التأسيس: «بلغت وردة التيه حنجرتي»، ورد الداخل يبني خارج الشعرية، يتلفظ بأسمائها فيتشكل تيه المبتدأ، والمنتهى يسيل كما الرغبة في شذى الحديقة/المتاه، كونها عامرة بالبحث عن شيء تريده الشعرية لكنه.. تأسيس كامن في الغموض: «وكل البشارات/من أول السطر/مثل الفناجين تنقلب»، تنتهي اللغة عند عتبة الفنجان المقلوب، عند بشارات العراف، هل ينتهي نزق الرغبة في إدراك المجهول؟

٭ كاتب جرائري

http://www.alquds.uk