على العكس والضد تماماً من وظيفته الحضارية المحرِّرة يباشر الشعرُ، وبقية الفنون، على يد بعض الشعراء العرب، وظيفة غريبة عن طبيعته؛ استغلال وتعزيز المنعكسات الشرطية الموصوفة في تجارب عالم النفس إيفان بافلوف (1849- 1936)، وعلى إثره ليف فيغوتسكي (1896- 1934)، خاصة تلك المنعكسات التي يستحضرها ويحرضها السياق الاجتماعي، فلا يغيّرها ولا يخلق مناعة لدى الجمهور تقاومها، سواء كانت منعكسات أفعال فطرية (غريزية) أو منعكسات أفعال مكتسبة بالتوارث أو المحاكاة أو المماحكة.

الفن بالنسبة لعبقري علم النفس الأخير، صاحب كتاب “اللغة والتفكير”، وكتاب “علم نفس الفن” (المترجم متأخراً عن الروسية)، يجب أن يغيّر أو يعدّل المنعكسات الشرطية، أي أن يغير ردود أفعالنا التي تلبست لُبوس الغريزة، أو العادة، ويجب أن يحول بينها وبين الجمهور، خاصة منعكس الرعب والخوف والإحساس بالمهانة والضعة، بدلاً من تعزيزها واستغلالها لبناء أمجاد لهذا الشاعر أو الفنان أو ذاك.

أساسُ المنعكسات الشرطية عضوي، أو حسّي بالمعنى الشائع، حين تشرط الفعلَ المنعكس مثيراتٌ صادرة عن العالم الخارجي؛ أصواتٌ وألوان وأحداث وروائح.. إلخ، وهذا هو الذي يسمّى نظام الإشارات الأول، وهو شركة بين كل الكائنات بما فيها الكائنات الإنسانية، وهناك الأساس الثاني، الأساس الثقافي، حين يتم الفعل المنعكس تحت تأثير مثيرات دلالية لغوية، وهذا هو ما يُدعى نظام الإشارة الثاني الخاص بالإنسان، وتكتسب منعكساته بالتعلّم والتوارث عادة.
في الماضي، حين كان النقّاد يلاحظون ردود أفعال جمهور الشعر على بعض المثيرات، مثل الألفاظ والتراكيب بعناصرها الثلاثة: الصوت (الشكل الخارجي)، والصورة (الشكل الداخلي)، والمعنى أو الدلالة، وكلها مرتبطة بالثقافة الموروثة ونابعة منها، كانوا يرجعون الأمر ببساطة إلى استغلال الشاعر لمخزون الذاكرة الشعرية لدى الجمهور، أو اعتماده على أساسيات ثقافية يطلق عليها بعضهم تسمية “الأنساق”، مثل نسق العقلية الخُرافية، أو العاطفية، أو التجزيئية، فيجد جمهوراً جاهزاً يتحمس له، أو إلى تخلّف ذائقة الجمهور الذي يرى بعض الشعراء ضرورة إزعاجه وإيقاظه من غفلته أو عماه من دون أن يسأل عن سبب الغفلة والعمى الكامن في السياق الاجتماعي.

قليلون التفتوا إلى السياق الاجتماعي وقيمه، التي شكّلت وتشكل أساساً لمنعكساتٍ شرطية، مثل تلك المنعكسات ذات الطابع الجنسي ذي العلاقة بالمرأة، وهي منعكسات استغلّها شعراء معروفون استغلالاً فادحاً، إلى درجة اعتزاز بعضهم بتعويذة “شاعر المرأة”، فكان الغناء والعزف على هذا الوتر يجمع حوله جمهوراً واسعاً، ولكن من دون تطوير ذي قيمة في حساسية هذا الجمهور تجاه المرأة/ الإنسان يتجاوز الصور الموروثة عن المرأة كأداة للمتعة، أو “مائدة أسرف في طهيها/ عشرين عاماً عبقريُّ الزمان”، كما عبر أحدهم وهو يتحدث عن اجتماع قوم على امرأة.

ويتجاور مع هذا المنعكس الشرطي ذلك الترابط العتيق الطراز بين لفظة “الحكومة” أو “الحاكم” بإيحاءاتها السلبية التي تراكمت عليها عبر العصور، فأصبح استغلال هذا المنعكس ونَظْم ما يسمى الهجاء السياسي للدولة أو الحكومة أو الحاكم أو الرئيس، وهي ألفاظ توقظ في الذهن عصوراً من الاضطهاد وصوره، وسيلة تأثير في الجمهور والفوز بتصفيقه، وأيضاً من دون قيمة معرفية أو جمالية ذات معنى، بل لاستدراج آذان الجمهور، كما قال لي أحدهم ذات يوم حين تساءلتُ عن سر استخدامه لكلماتٍ بذيئة في قصائده.

وترافق مع هذا منعكسٌ شرطي خطر يتكرر كثيراً، وقوامه استثارة نقمة الجمهور على هوية الأمة العربية، أو الإنسان العربي، بحجة النقد أو الفضح أو الكشف، وكثيراً ما يصادف المرءُ جمهوراً يصغي لشاعر يوسع أمته العربية شتماً، ويحط من قيمة إنسانها، فيتوالى التصفيق الذي نكتشف أنه غير عقلاني، لأن هذا الجمهور ذاته تجده يصفق في الساعة نفسها والمكان ذاته لمن يمجد أمته ويعلي من أمجادها، ويمتدح إنسانها أيضاً. ويبدو لنا أن تضارب المنعكسات هنا هو المسؤول عما يشبه حالة الفصام المرضي.

المنعكس الشرطي المرتبط بالتطريب من أكثر الظواهر شيوعاً، حتى حين يكون موضوع القصيدة مأساوياً. الشاعر هنا يستغل السمة الإيقاعية للكلمات، أي يصبح ما يهم هنا وفق علم نفس اللغة هو كيفية القول، أو كيف يقدم المحتوى، وليس ما قيل أو ما هو المحتوى. وبسبب استغلال هذا المنعكس أصبح لدينا شعراء أطلق عليهم الراحل أنسي الحاج ذات يوم لقب “مطربي ثورات” لا شعراء ثورات كما توهموا وأوهموا الناس.

بوجود ورسوخ هذه المنعكسات الشرطية التي تحكم ردود أفعال الجمهور، وأمام استغلال الشعراء لها وركوب موجاتها كما يقال، بوعي أو من دون وعي، تُعزل عن مدارك الجمهور تجارب شعرية على جانب كبير من الأهمية؛ تجارب حداثية تحاول تغيير ما يولده ويستحضره السياق الاجتماعي من منعكسات أصبحت أشبه بالغرائز في مدارك الجمهور، ليس إحساساً بالواجب فقط كما دعا فيغوتسكي بل اتساقاً مع مفهوم الفن ذاته بوصفه فعلاً من أفعال تحرير المخيلة والمدارك، والتحضر والتقدم، لا وسيلة استغلال ومنفعة لمنتحلي الفنون الشعرية والمسرحية والتشكيلية… إلخ.

أخيراً يلفت انتباهنا، وقد أيقظ فينا الوعي بظاهرة المنعكسات الشرطية في مضمار الفنون، ما ترجم ونشر وبدأ يدرس أخيراً من مؤلفات فيغوتسكي، الخاصة بعلاقة علم النفس بفن الشعر والمسرح والسينما، بعد أن ظلّ معروفاً لسنوات بوصفه صاحب كتاب “اللغة والتفكير” فقط؛ أن اهتمام علماء النفس العرب مثل مصطفى سويف (1924 – 2016) الشهير بدراسة “الأسس النفسية للإبداع الفني.. في الشعر خاصة” (1951)، انصرفوا إلى المبدع دون القارئ، بل واستبعدوا حتى النظرة الاجتماعية للفن، وخشي حتى المترجمون من ترجمة عنوان كتاب مثل كتاب “التاريخ الاجتماعي للفن” للباحث أرنولد هاوزر ترجمة أمينة، فترجموه إلى “الفن والمجتمع عبر التاريخ”!

ولم تشغل مسألة الفن، والشعر بخاصة، بوصفها مسألة إدراك وفعالية نفسية ذات أساس فسيولوجي في وسط اجتماعي، قبل أن تكون “إلهاماً” و”إبداعاً” أذهان النقاد، فلم يقدّموا للثقافة العربية زاداً معرفياً، بقدر ما قدموا زاداً سجالياً يكاد يكون أشبه بمعارك يستثار فيها الغبار والنقع فوق الرؤوس، وتلتمع السيوف وتتهاوى مثلما تتهاوى النجوم، ثم ينجلي الغبار، وينكشف الميدان عن صمت أجوف تتردد في جوانبه أصداء لعنات من لعن وشتائم من شتم، ثم يسود صمت مميت.

ولكن على الرغم من دخول علماء نفس عرب في مضمار ما يمكن تسميته علم نفس الفن، ظلت العلاقة بين علم النفس والنقد الأدبي شبه مقطوعة. واكتفى مصطفى سويف (1924 – 2016) صاحب كتاب “الأسس النفسية للإبداع الفني.. في الشعر خاصة” (1951)، أشهر من تداول هذا الموضوع، ببحث كيفية إبداع الشعر، لا كيفية تلقيه وتأثيره النفسي على الجمهور وما هي الآليات التي يستغلها الشاعر في السياق الاجتماعي ليحظى بأمجاده، وماذا يتوجب على الفن، والشعري منه بخاصة، فعله تجاه الجمهور وذائقته، وخاصة الجمهور الخاضع سعيداً لمفاهيم مغلوطة ليس عن الفن فقط، بل وعن الحياة ذاتها.

 

((العربي الجديد))