باريس – العربي الجديد
“انتهينا بالاعتقاد أنه خالد”، هكذا يبدأ مقال الكاتب الفرنسي جيروم بيغلي الذي يعلن عن رحيل الروائي جون دورميسون عن 92 عاماً يوم أمس الثلاثاء.

ليس هذا القول ساخراً كما قد يبدو أوّل وهلة، بل يشير إلى موقع خاص بدورميسون في الساحة الثقافية الفرنسية، فهو أحد أسمائها الرئيسية منذ سبعة عقود، بحيث يشعر جميع الفاعلين فيها اليوم أنه حاضر كركن ثابت، بالإضافة إلى أن هذه الجملة تلمّح إلى كون مؤلّفاته صدرت ضمن سلسلة “لابلياد” التي تنشر الأعمال التي توصف بـ “الخالدة” في اللغة الفرنسية، من فولتير إلى ريجيس دوبريه.

أخيراً، قد نجد سبباً آخر يتمثل في أن مؤسسة النشر “غاليمار” أعلنت مؤخراً عن صدور كتاب جديد له (شباط/ فبراير 2018) بعنوان “.. وأنا، ما زلت أعيش”.

ينتمي الكاتب الذي ولد سنة 1925 في باريس إلى أسرة معروفة في الحياة العامة الفرنسية، إذ شغل الكثير من أفرادها مواقع دبلوماسية وإدارية رفيعة وكانت لهم إسهامات أدبية، وهو ما جعله مندمجاً منذ سنوات شبابه الأولى في مجتمعات النخب الفرنسية.

في تحصيله الجامعي، بدا دورميسون مشتّتاً بين أكثر من خيار، بدأ بدراسة التاريخ ثم تركه إلى الفلسفة، وبينهما تعلّم اليونانية القديمة والتي درّسها لاحقاً قبل التفرّغ إلى مشواره الأدبي الذي تأثّر بجميع هذه الروافد.

في 1956، نشر أولى رواياته؛ “الحب متعة” والتي على بساطتها مكّنته من موقع تحت الضوء، حيث وُصف بـ”شقيق ساغان” (كانت تلك السنوات سنوات مجد الكاتبة فرانسواز ساغان). لكن هذا العمل وإصدارات أخرى مثل “حب من أجل لا شيء” (1960) و”أوهام البحر” (1968)، أصبحت تبدو مثل تمرينات منذ أن نشر في 1971 رواية “مجد الإمبراطورية” الذي وجد فيها النقاد عملاً فريداً في السرد الفرنسي، من حيث تلاعبه بمعايير الرواية التاريخية، وإدخاله مؤثرات فلسفية ودينية في نصّه، وهضم التراث الأدبي الفرنسي.

نفس العمل كان سبباً في دخوله “الأكاديمية الفرنسية” منذ 1973، وهو سبب إضافي لاعتباره من “الخالدين” ببقائه في كرسيّه أكثر من أربعة عقود، مع مراكمته لقرابة 40 مؤلفاً، من بينها كتب جمعت بين التأملات الفكرية والأسلوب الأدبي مثل “غيظ قراءة الصحافة” (1992) و”خلق العالم” (2006). كما يذكر له القارئ الفرنسي إعداده لكتاب ضخم بعنوان “الـ 1001 كتاب التي ينبغي عليك قراءتها في حياتك”، وأيضاً كتاب “تاريخ آخر للأدب الفرنسي” في جزءين.

أخيراً، يذكر أن دورميسون يحمل جواز سفر لبنانياً، وهو أمر كثيراً ما ذكره في لقاءاته، ويعود ذلك إلى سنوات الحرب الأهلية حين زار لبنان وجرى تكريمه لدعوته إلى السلام فيه. يربط جواز السفر اللبناني دورميسون بالعالم العربي، وإن لم تصل له مؤلّفات مترجمة، لكن كثيرين يرون في علاقته بلبنان شكلاً ناعماً من أشكال التدخّل الفرنسي المعروف في المنطقة.