(1) هيَ الحربُ إذن. هيَ الخناجرُ البرِّية والسكاكينُ المُتمدِّنة والمقاصلُ السريعة كليلٍ مُخدَّر تالف.
أنايَ المُتكوِّرُ على صمتِهِ تحتَ وقع الاقتحامات لا يُطابقُ أنايَ المُتشظِّيَ كتويجاتِ زنبقةٍ تدكُّ جدرانَ الحصار، وذاتي المُتعثِّرةُ بالغياب تستأجرُ أجسادَ رجالٍ آخَرينَ، أو ربّما نساء أو أطفال كي تُكلِّلَ الجنازةَ بالنّجاح الوارف: ماجدةٌ هذه الهُوّة، وذاتُ مَكْرُمات!
هل الحربُ أن أكونَ أبيقورياً مثلًا؟
)على الأقلّ إن لم تأتِ اللذةُ، يتوارى جيشُ الألم مهزوماً).
آهٍ يا أندريه بريتون؛ ها أنذا «عوَّدْتُ نفْسي على الهلوسة»أيضاً، ولم أربحْ حديقتي بعد!
ستحطُّ الرصاصة الآتية في صدري حتمًا، وستسقطُ تلكَ القذيفة على بيت الجيران، وسيطالُ القصفُ الآثارَ النَّفيسةَ.
السياراتُ المُفخّخة ستغرسُ ذاكرةً أخرى في الدروب التي مشيناها معًا أيتها المرأةُ الغابرة، والقناصُ سيبرعُ بتحضير قتلاه ليكونوا حُرّاسَ صناديق انتخابية في عَدَمِ الصباح المُوحِل، وأنا لن أكُفَّ عن التثاؤب الطبيعيّ وقد أجلسْتُ الجَمالَ على رُكبةِ الذُّعْرِ يا رامبو، فألفيتُهُ مُرّاً، فهجوْتُ ساعةَ حائط الأمل.
الغاراتُ تُعمِّدُنا بملهاةٍ مالحة يحتاجُها طعامُ الأهواء، والتّشتُّت ديدانٌ سائحة خارجَ ضفّتَي الله والشيطان، وعلى آرمةِ الفجرِ مَوْشومٌ: ما يُؤلِمُ يَبني…

( 2 )
حتى لو اتّجهَتْ رصاصةٌ نحوي
سأرمقُها بنظرةٍ مُلتهِبة
كَمَنْ تفاجأَ بحبيبته في محطّة القطار
وسأنبسُ في سِرِّي بلفظة: وردة، مرّتين.
عندَها فقط
سأسحَرُها؛
وستتحوَّلُ إلى فراشة.

( 3 )

المُؤامرةُ استحالةٌ في ترويض الأحلام: خوفٌ من دخول يمامةٍ في سديمِ الولدِ الذي حطَّمَ زهريّةَ العائلة، أو خوفٌ من تفاني المُراهِقِ لإيصالِ رسالةِ الغرامِ إلى معشوقةِ صديقِهِ.
كُلُّ ما يَكشفُ يُخيف، وكُلُّ ما يَتوارى يُريح، والسّبّابةُ الفضوليةُ قد توقِظُ الأدمغةَ المغسولةَ أنَّى أشارَتْ، وأنّى سألَتِ المَدارات: كيفَ نُباغِتُ المُؤامرةَ بمؤامرةٍ التفافيّة عليها؟

( 4 )
الكلماتُ تتدحرَجُ،
وتتحجَّرُ كشواهدِ قبورٍ في فمِ الوادي
لن يبقى ما يُرَى
سوى ذروة ظلّ مُتخيَّل
ستُعرِّيهِ صرخةُ طفلٍ مَدهوش:
هل شاهدتُم قمَّةً من قبل؛
هيَ
دليلٌ
على
مجزرة

( 5 )
ليتني لم أرَ ما رأيتُ
كأنْ أكونَ بوصلةً بدَّلَتْ مهنتَها، وانغمَسَتْ في ما وراء الجهات: ما أقبحَ المدى، ما أجملَ العَماء! القتلُ أصيلٌ إلى الحدِّ الذي يُبقي الرَّجُلَ مُنتميًا إلى أولئكَ الذينَ قالَ عنهُم الإمام الجيلاني: «بَواطِنُ أهلِ الابتداءِ كالشمع، تَقبَلُ كُلَّ نقش».
القتلُ يُبقي حَلْمَتَي الغرابة طافيتين على سطح المَجاز، ولا يمنعُ نزعَ أُلفةِ الغموض.
في الحربِ يغدو فنجانُ القهوةِ رصيدًا أسطوريًا يَروي ظمأَ النارِ الباطنية في أوردةِ إلهٍ مُهاجِر.
في الحربِ يصيرُ الرقصُ السّاهرُ رشّاشًا من خَمرةٍ فدائية تنسكِبُ على حوافّ الكون المقلوبة، وقد تحنُّ العيونُ إلى صديقٍ من عهدِ الولدنة ينتصِبُ الآنَ كفزّاعةٍ في الخندقِ الآخَر، فيبدو الرُّعبُ أليفاً للحظاتٍ شحيحة.
يا لعداءِ الحكمةِ المُستفحِلِ في اللعبِ الحُرِّ للعلامات
يا لروعةِ الاستيقاظ غدًا، وفي مُخيِّلتي تفسيرٌ آخَر لسرديات القُبْلة، ورُؤى عصفورين يتزاوَجانِ في شرفة الجنون المهجورة، وموعدُ غرامٍ إن أُرْجِئَ قليلًا، فلكيلا تنسى الأنثى أنْ ترُشَّ عطراً على جسدِ الحُرّية.

٭ شاعر وناقد سوريّ

http://www.alquds.uk/?p=867595