• من الصعب جدا وضع توصيف معين للشعر، أو حتى تأطيره بوظيفة تعبيرية أو رمزية خاضعة لمعيار أو عمود، أو حتى لدوغما نقدية، فالشعر لا يملك إلا أن يكون مغامرة، لها قصدية البحث عن المعنى، أو التورط في كتابةٍ يصطنعُ من خلالها الشاعر أوهاما لوجوده، أو لنزقه، أو لرؤيته التي تنطّ خارج تداولية اللغة، وباتجاه أن تكون تأويلا أو قناعا، أو سيمياء لا حدود لاستعاراتها، ولشفراتها.
العرب 

الشاعر صوت الجميع (لوحة للفنان عادل داوود)

“الحياة بنقالة متهالكة” المجموعة الشعرية الثانية للشاعر العراقي عمر الجفال هي يافطته الفاضحة لمغامرة الكتابة، وللتورط في الإعلان عنها، وكأنه يحاول من خلالها أن يكتب مدونات مزاجه الشخصي، أو رؤيته الشخصية وهي تجوس في عالم غائر في ذاكرة الحروب والفجائع.

يكرر صاحب مجموعة “خيانة السيدة حياة” لعبته في الخروج عن السائد، باتجاه استدعاء المسكوت عنه في يوميات الحزن والوجع والاغتراب العراقي ليكتب شهادته عنها، شهادة من يرى وجوده مسكونا بالموت، أومن يرى حياته مشغولة بإحصاء الخسارات، وتفاصيل هذا الموت الفنطازي، عبر الانشغال بتفاصيل الحياة المربكة والمتشظية، أو بترقب ما يساقط منها.

طلاسم شعرية

تضعنا قصائد المجموعة التسع أمام حساسيةِ من يريد كتابة نص محنته الشخصية بوصفها محنة وجودية، أو من يقترح رؤيته للغائب بوصفه حاضرا، أو من يتلقف ما تهجس به سرديات تلك “الحياة المحمولة بنقالة متهالكة” إذ يجعلها لعبته التصويرية في استحضار الحرب، عبر صور الانفجارات، والسيارات المفخخة، والوجوه الباردة والخائفة، عبر ما يقترح لها من يوميات؛ لها هوامش موحشة، وطلاسم سحرية، أو استعارات مجاورة، لها أثرها في تمثلات توصيف تلك الوقائع والأحداث واليوميات، حتى تبدو القصائد وكأنها صور مسحوبة من عين الكاميرا، الكاميرا التي يورطها الشاعر في لعبته بالخيانة، إذ يخرجها عن حياديتها إلى ما هو ضدي، ونافر، ومنحاز، حيث تمثلات عين الشاعر الذي يعيش هواجس مراقبة العالم وتقصّي تحولاته.

يستدعي الجفال عبر استهلال مجموعته الشعرية، الصادرة عن دار مخطوطات في هولندا، بطلسم الختم البيضوي -ختم السحرة أو الملوك- جملة من الإحالات، إذ هي إحالة لتشفير الواقع، ولهتك سرائر المنشطر عن ذاته، أو هي محاولة لتوظيف سحري مسحوب من ميثيولوجيا العائلة، حيث يقوم على إيهام ما تُحيله الرؤيا إلى الكشف عن سرائر التاريخ، وروح الأمكنة، وعن هواجس الأم، وعن قلق الأب وهو يجمع تفاصيل ذاكرته الشخصية.

أيقونة الطلسم بوصفها الاستهلالي، والتي تتكرر مع عدد من القصائد، تُحيل إلى تقانة شعرية، تقوم على فاعلية “البوليفونية الشعرية” حيث تتعدد الأصوات، وتتبادل بين ضمير المخاطب، وبين ضمير المتكلم بدلالتهما النحوية أو الثقافية، وكأن هذا التبادل الصوتي بينهما هو محاولة لفك التباس تشفير الواقع العراقي، وتقديمه بوصفه توليفا لمشاهد وأحداث تُشير إلى ذاكرة الحرب وذاكرة الحصار وذاكرة المهجر، وليكون صوت الشاعر مقابلا لصوت الآخر/ القرين، أو المُخاطَب؛ وهو مجال الاستعارة الكبرى لتأويل المعنى الغائب.

التقابل بين الأنا والآخر القرين والمخاطب يتحول -أيضا- إلى لعبة في تبادل الفضائح، إذ يجاهر الشاعر عبرهما بكشوفات أناه المتكلمة والرائية، من خلال ما يبثه من التفاصيل، التي تفضح الحرب، والخراب وعفونة الأمكنة وجنونها، حيث أخذت الحرب منها الحياة ولذائذها.

يقول الشاعر “كل صباح ألمسُ أيّ شيء بجانبي لأعرف أني حي، مرة أمسكتُ بحذاءٍ بجانب رأسي، كانت رائحته عفنة لأني سرتُ به يوما كاملا في أحياء بغداد برفقةِ صديقٍ ونحن نكرر: بغداد شماعية كبيرة.. عرفت أني حي، وعرفتُ أن الحياة لا تقل عفونة عن هذه الرائحة”.

محاولة لفك التباس تشفير الواقع العراقي

كاميرا نثرية

مثلما يبدو المُخاطَب/ القرين وكأنه الوجه الضدّي للشاعر الرائي، إذ لا يُعنى بتقديم تلك التفاصيل، بقدر ما يبدو أكثر اهتماما بغواية المعنى، أو بما تدونه “الحياة المتهالكة” من خطابات المهمشين الذين يمثل الشاعر صوتهم، بوصفهم ضحايا وشهود تلك الحرب وعقائدها وفتاواها.

يقول “الأجدى، أنْ تطلب عشاء للنملة،/ وأنْ تنام وحيدا كذئب/ في برار تصنع التنجيم للقادم،/ لأن الحياة تخلو من أبواب/ تفتح نفسها على البلاغة/ الحياة مُدربةٌ أكثر مما اعتقدتَ،/ وأنتَ،/ تنفصل عن نفسك، وتتحدث عن إثنين في جسدك”.

لعبة المراقبة في قصائد الجفال تبدو أكثر وضوحا في استغوار تلك التفاصيل، وفي الإفصاح عن عالمها المسكون بالأبيض والأسود، فهي تجوس عبر استعاراتها، ومجساتها، للكشف عن أحزانه، وعن خواء علاقاته بالأمكنة التي ظل يرتاب منها، إذ هي أمكنة الحرب، والغياب والطرد.

عين الكاميرا عين نثرية، إذ تسمح للشاعر بالانفتاح على مساحات أوسع، وعبر تقانات تصويرية تكشف عن ثنائيات الضوء والظل، والغموض والوضوح، مثلما تتقصى تلك الكاميرا يوميات الشاعر السرية وهو يشبّ على جدار ذاكرة الأب المحارب، وينصت لأصوات الحصار، ويرافق المنفى في تشكلاته وتمثلاته وساحاته ومقاهيه ويوميات وأسماء أبطاله أبوحالوب ومحمد مظلوم، وأسفار قراءاته التي تقوده إلى حماقات لم تعد الطفولة تتحملها، إنها حماقات حربه الشخصية، حيث الخروج عن طاعة الأب وتاريخه الاسمي، ومن صدر الأم إلى فضاءات نيتشه، وإلى حروب العقائد ومراثي التاريخ.

يقول “فور كل توتر طائفي أشعر مع غيري ممن يحملون أسماء لها خلافاتها التاريخية، وكأننا خرفان يُسمنها الوقت والروتين، وقد حان موعد ذبحها”.

هذه الصورة النثرية، والتقريرية أحيانا تدفع إلى قراءة شعرية الجفال من خلال ما تُثيره من مفارقة، فهي تضع الحدث التاريخي في سياق، لكنها تنفر عنه إلى الضدّ.

وهنا يتكشف هذا الحدث عن نقيضه، وعن ظلّ آخر لصورته، تلك التي تتعالق مع ما يُسميه النقاد الثقافيون بـ”النسق المُضمر” إذ هو نسقها الخبيء، والعميق والشخصي، والذي يحفر فيه الشاعر بحثا عن كل تاريخ القبح الذي تصنعه ذاكرة الجماعة.

فالذاكرة الجماعية هذه هي ما يترك الشاعر وحيدا، ومتورطا في لعبة الأسماء واستعاراتها، باحثا عن “المنقذ” الذي يجده في اللغة أكثر من وجوده المُضلل والغائم في التاريخ.

((العرب))