ولكن من هذا الشعر، لم يكن متوافراً باللغة الفرنسية سوى جزء ضئيل (20 في المئة)، قبل أن تضطلع المترجمة القديرة فيرونيك لوسكي أخيراً بمهمة ترجمته كاملاً. ترجمة صدرت حديثاً عن دار Syrtes السويسرية تحت عنوان «مارينا تسفيتاييفا – شعر غنائي»، وتتضمن ليس أقل من 1170 قصيدة!

في عملها الجبّار، الذي يقع في مجلدين: «قصائد من روسيا» (1912 – 1920) و«قصائد مرحلة النضج» (1921 – 1941)، التزمت المترجمة شرطين: الأول هو منحنا دواوين تسفييتايفا كاملةً وفقاً للترتيب الذي صدرت فيه، أو لترتيب إنجازها، بالنسبة إلى الدواوين التي لم تُنشَر. تسلسلٌ تاريخي إذاً يعكس بأمانة تطوّر كتابة الشاعرة، وبالتالي كيف ارتفع صرحها الشعري تدريجياً، مشكّلاً جسداً كاملاً وحياً.

الشرط الثاني هو عدم إهمال القصائد الغزيرة التي لم تُدرجها تسفيتاييفا في أيٍّ من دواوينها، ونجدها مترجمة ومجموعة خلف كل ديوان وفقاً لتاريخ كتابتها، علماً أن لوسكي أضافت في المجلد الثاني ترتيباً موضوعياً فرضته طبيعة بعض النصوص، مثل «قصائد إلى تشيكوسلوفاكيا» أو تلك التي رصدتها الشاعرة لـ «المقرّبين» منها أو لـ «أماكن حياة». أما القصائد السردية الطويلة ذات الطابع الملحمي والفولكلوري فقد أبعدتها المترجمة «للحفاظ على وحدة النوع».

الشعر لا يُقرأ كما نلتهم الروايات، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بمجلدين تحتل القصائد فيهما 1760 صفحة! وبالتالي، لا بد من مناورة مع الذات أو حيلة أو مفتاح لولوج هذا العمل الضخم وعبور فضائه الشاسع. ولعل الحل هو في قراءة كل هذه القصائد كصرخة طويلة ضد العزلة التي لطالما تبنّت الشاعرة وضعيتها بفخر، لكنها في الواقع اختبرتها كألمٍ حقيقي ومأساوي من العيش من دون مُحاوِرٍ ثابت.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن شعر تسفيتاييفا، مثل شعر معاصريها الروس، هو عبارة عن لقاء بين صوتٍ فريد وأحداث تاريخية كبرى. ففي البداية، نستشفّ في قصائدها عشقها للكلمات ورنينها، قبل أن يضطلع التاريخ بمنحها العمق النابض. وفعلاً، لن يلبث حبّها لزوجها، سيرغي إيفرون، الذي انخرط في الجيش الأبيض الموالي للقيصر، أن يأخذ عام 1921 شكل نشيدٍ طويل موضوعه الانتظار، انتظار الحبيب الغائب الذي يحارب للدفاع عن تاريخ روسيا العريق، كما تشهد على ذلك قصيدتها الشهيرة «ليالي من دون حبيب» (1918)، علماً أن نشيدها الأهم آنذاك يبقى ديوان «مخيّم البجع» (1917 – 1920) الذي لم تنشره تسفيتاييفا وتشكّل قصائده مرثيةً طويلة ومؤثّرة لوطنها الأم ولملحمة الجيش الأبيض ومأساة هزيمته على يد الجيش الأحمر.

ولا عجب إذاً في مغادرة الشاعرة روسيا عام 1921 إلى برلين، ثم إلى تشيكوسلوفاكيا التي أحبّتها طوال حياتها، كما تشهد على ذلك القصائد التي كتبتها لهذا البلد خلال خضوعه للاحتلال النازي، قبل أن تستقر في باريس عام 1925 حيث عاشت حتى عام 1939 على هامش المحيط الأدبي، لكنها ثابرت على الكتابة فوضعت ثلاثة دواوين: «بيتي» (1931) و«حديقة» (1934) و»قرّاء صحف» (1935). وأمام تنامي الأخطار التي كانت تتهدد أوروبا، قررت العودة إلى الاتحاد السوفياتي عام 1939 فتمّ توقيفها وإعدام زوجها وسجن ابنتها في معسكر اعتقال فور وصولهم إلى موسكو. وإثر انسداد كل أبواب العمل في وجهها وانعدام مواردها المادية، وضعت حداً لحياتها في نهاية آب (أغسطس) 1941.

وسواء بمضمونها أو بطريقة كتابتها، تبقى قصائد تسفيتاييفا خير مرآة لحياتها الصعبة ولروحها المعجونة بالحب التي امتزجت إلى حدٍّ كبير بروح تلك المرحلة المأساوية من القرن الماضي. قصائد تعكس أيضاً بقوة تلك الكآبة الروسية الشهيرة التي تسلّطت على الشاعرة وصقلت صوتها بطريقةٍ فريدة جعلت مواطنها الشاعر جوزيف برودسكي يقول: «لم يدوِّ صوت أكثر شغفاً من صوتها».

ولعل هذا ما يفسّر اختيار المترجمة «شعر غنائي» عنواناً لعملها، فهذه الصفة، بدلالاتها الفرنسية، تلبس على أفضل وجه معظم قصائد تسفيتاييفا التي يسكنها الانفعال ويحرّكها إلى حد تتحوّل فيه إلى رجفاتٍ وانتفاضاتٍ وهجماتٍ مفاجئة، وبالتالي إلى تفريغٍ لطاقة هائلة وجيّاشة. وهذا لا يعني أن شعرها صعب، إذ يجب فقط التآلف مع صوتها لمتابعة فكرها الذي يسير وثباً من نقطة إلى أخرى، تماماً مثلما عاشت الشاعرة حياتها العاطفية، أي عبر القفز من قصة حب إلى آخرى. كما لو أن هنالك عملية تسلّق في كتابتها لبلوغ – بكلماتها – ذلك الفائض الذي كان يسكنها.

يمنحنا أيضاً شعرها ذلك الشعور بصوتٍ يتوجّه إلينا بطريقة مباشرة لكن موجزة، صوت متقطِّع ومتشنّج يفسّر ذلك الإضمار في النحو وتلك الطُرُق المختصرة في القول وذلك الترقيم الذي يحضر مثل طَرْقٍ ويُسمعنا نفَس الشاعرة وتنفّسها السريع داخل نصّها. أكثر من ذلك، نستشعر لدى قراءتها توافقاً مطلقاً بين ماهيّتها الحيوية وما تكتبه، وبالتالي صُدْقَ ذلك الكائن العاطفي الذي يتعذّر عليه فيزيولوجياً خداع نفسه أو الآخرين، لانعدام أي أفكار مبطّنة أو مقاصد خفيّة فيه. صُدْقُ شاعرة تفتح النار مكشوفةً وتصيب دائماً هدفها برصاصاتٍ متفجّرة. من هنا ذلك الأثر العميق والعنيف الذي تخلّفه نصوصها على نفوسنا، حتى بعد مرورها بموشور الترجمة.

((الحياة))